أول أيام 2010 ..وتجد صعوبة في كتابة الرقم الذي لم تعتاد يدها عليه بعد .. وربما لأنها المرة الأولى فقط ..اليوم الجمعة ..لا شيء يميزه سوى أنه عيد ميلاد من تحب ..وتفكر طوال اليوم في كيفية اسعاده ..ولا تعني لهذا اليوم فقط ، وإنما لعمره الآتي .. استيقظت بعد التاسعة بقليل من حلم أكلت فيه التوت فأغمى عليّها..استيقظت وهي تقارب أصابعها من طرف لسانها ببطء تبحث عن طعم التوت .. لم تجد شيئا .. طعم كالمياه ..وشعور بالعطش .. أمها تناديها .. نهضت ..ذهبت إليها..حوار قصير هادىء تحول لعاصفة ..الشرر يتطاير من عين أمها وفمها لأنها خالفت أوامرها .. تحاول أن تشرح أنها فعلت قبل أن تعطيها هذه الأوامر .. تحدثت الفتاة كثيرا ..وكان حديثها كله بلا جدوى لأن أمها لم تتوقف عن اسماعها كل ما يجرحها ويفجر الدموع في وجهها ..سمعتها صامته و عجزت عن ابتلاع كل هذه الكلمات فأحسّت أنها ستموت بغصتها ! ..كانت العزلة هي الحل الأمثل .. صعدت لأعلى ..مقتنعة تماما أنها لم ترتكب أي خطأ ..لا ينتابها أي شعور بالذنب ..فقط هي تتألم من كل الرصاصات الطائشة التي اخترقتها وجعلتها تنزف كثيرا .. تشعر ببرودة شديدة في كل خلية من جسدها .. برد يكفي لإنشاء مصنح ثلج داخلها .. قلبها يرتعش .. جلست للأرض ..ملتصقة بالحائط ..دفنت رأسها في التجويف الفارغ بين ذراعيها المتقاطعين ..ترتجف بشكل واضح .. جسدها الذي يتألم مثل انك تبرد السكين عليها.. تنتفض كخوف قطرة من فم البحر .. كخريف يطرد أوراقه ..رفعت رأسها ..تربت على كتفيها بيديها المتقاطعتين ..”ستكونين بخير !” أمسكت هاتفها .. بشوق شديد لسماع صوته ..وربما لم يكن شوق بقدر ما كانت تشعر أن وحده حديثه بإمكانه أن يجعلها تبتسم وتنسى …هاتفته… لم يرد. ..البرد يقتات على أطرافها ..والغرفة المغلقة تتطبق على صدرها .. لم تعد تحتمل أكثر .. أسرعت بفتح النافذة وباب الشرفة ..الشمس رائعة .. كذهب منثور على الأرض يغريها بأن تجلس عليه ..فرشت سجادة وتناولت كتابا عن حياة محمود درويش الشعرية وبدأت القراءة وهي تشعر بالدفء يتسلل إليها كـ حبيب ..انهمكت في القراءة وتذكرت حين قالت لصديقتها أن وحدها القراءة تشغلها .. وأنها حين يطاردها الوجع في كل مكان تختبىء منه في رواية .. وتنغمس بتفاصيل ليست تفاصيلها ..وحياة ليست حياتها ..وتتهلى إلى حين ! ..لكنها لم تكن تقرأ رواية ..والسطور ليست مسلية كثيرا .. هي تقرأ لأنه ليس ثمة أمر آخر تفعله .. توقفت عن القراءة فجأة وهي تتذكر حبيبها .. الشمس بدأت تلسعها .. تهم بالوقوف .. تمسك الهاتف لتغادر الشرفة .. يتصل هو في اللحظة التي تضع يدها على الموبايل ..تتسمر في مكانها .. فرحة كطفلة ضائعة وجدها والدها للتو وأخذها ليشتري لها كل ما يشتهيه ويحبه الصغار ..ورغم أن صوته يعيدها إلى الحياة .. يعيد الحياة إليها ..ينفخ فيها من روحه .. يسحرها من وشاح ملقى بإهمال فوق سجادة إلى فتاة حية بقلب ينبض ..رغم كل هذا كان بإمكاني أن أسمع صوتها باهتا كجدار قديم .. وكل محاولاته لاستمالتها للحديث لا تنجح ..يستنتج أنها ليست متحمسة لمكالمته .. تنفي ببطء ..وداخلها يصرخ :”أرجوك ..لا تذهب !” تشعر أنها تحبه ..تحبه .. تحبه ..إلى مالا نهاية .. تنفعل بحبه كجمرة ..ومكعب الثلج الذي تسميه حنجرتها لا يخبره سوى بالقليل .!
هذه اليومية ليست كاملة .. حذفت أضعاف أضعاف هذه السطور .. وأنا أغير يقيني بأن كل الأشياء لا تصلح للكتابة ..أنا التي ظننت دوما أن الكتابة تصلح لكل الأشياء !






















أبي لم يوقظني هذا الصباح .. رغم أن الوقت تأخر .. كأنه لم يرَ باب الغرفة مغلقا .. والشبابيك ايضا ..كل أشيائي ساكنة كأن الليل تكوم على النهار .دولابي مغلق كـ سر .. الشاشة مطفية .. ولا تنبض بالأصدقاء الداخلين والخارجين في الماسنجر .. كشهيق و زفير ..الفوضى مرتبة و مطوية بعناية و ترجوني أن أستيقظ سريعا لأبعثرها وأنشرها مع الموسيقى كأنني أقف كل صباح على سطح بناية عالية تداعب السحاب وأنثرها كالمطر .. كل الهدوء و كل الصمت يشي بأنني لم أنهض بعد ..وأبي لم ينتبه لهذه الوشايات على غير العادة ..رغم أنني شعرته يفتح باب الغرفة مرة ثم يغلقه .. كأنه لم يراني !! .. صحوت باستغراب وضيق لأنني تعودت على اسطوانات الصباح التي أسمعها منه والتي صارت تشبه في أذني : ” يا حلو صبح يا حلو طل .. يا حلو صبح نهارنا فل!”..بدلت ملابسي في عشر دقائق استطعت خلالها أن أقلب غرفتي رأسا على عقب كأن قنبلة انفجرت في الحجرة وخرجت وأنا أقول :” ماشاء الله علي ..أنا أتطور” .. الدولاب مفتوح على مصراعيه والملابس متدلية منه كلسان يغيظ به كل من يفكر دخول الغرفة في غيابي .. أو يحاول التذمر من المنظر ..حقائبي مكومة على المكتب .. الرجل في السماعات يغني بحماس .. والأحذية مبعثرة مع ملابس النوم على الأرض .. الغرفة تحتاج للاستئصال فورا من المنزل ..أنظر لها مرة أخيرة ثم أذهب إلى الراوند .. ولأنني دائما متأخرة .. فتكون المقاعد كلها مشغولة وأقف دقيقتين حتى أكتشف مقعد شاغر أو حتى يدلني أحدهم عليه .. هذه المرة رغم أن القاعة كانت ممتلئة عن آخرها ..إلا أنني وجدت كرسي بسهولة وجلست عليه دون أن ينتبه أحد لدخولي ..أويتلفت حوله لمساعدتي في إيجاد واحدا ..هذا دفعني لأتساءل :هل شعر أحد بقدومي؟ .. هل رآني أحد ؟ .. جلست ولم أشعر بنظرات خالد زميلي التي تراقبني طوال الوقت ..والذي أتجنب النظر في اتجاهه دائما كي لا يظن أنني أبادله النظرات ..لأن كل شاب يتخيل أن أي فتاة تنظر في الاتجاه الذي يجلس به..فهي تنظر إليه .. أحدهم قال لي مما يزيد عن 6 سنوات ..أنه في كل مرة تمر فتاة من أمامه فتعدل من وضع طرحتها .. أو تنظر لشيء ما خلفه .. فهو يتأكد من أنها تحاول لفت نظره .. وفيما بعد اكتشفت أن كل الرجال يفكرن بهذه الطريقة .. ولن أبرأ الفتيات .. فأنا أدري أن معظم الفتيات يحاولن جذب أنظار معظم الشباب .. لكنهن لا يقصدن هذا الشاب تحديدا كما يتخيل كل واحد منهم .. ما يهم أنني عرفت بعد قليل أن خالد غير موجود .. رغم أنني أردته اليوم فقط أن يأتي وينظر إلي لأشعر أنني موجودة_ فقط _… جلست في أحد الجوانب وحدي أستمع لشرح الدكتور .. دون زميلة تخبرني بأي شيء بين وقت وآخر .. ودون زميل أتفادى النظر باتجاهه ..انتهى الراوند .. وصعدت للدور الأعلى لأثبت حضوري .. رفضت السكرتيرة وكتبتني غياب .. أقسم لها أنني حضرت الراوند من بدايته .. وهي تصر .. وتخبرني أن تسجيل الحضور في بداية الرواند .. وليس في نهايته .. ألوي شفتي بامتعاض ..وأنزل السلالم وحدي ..و أنا الوحيدة .. أتوحد أكثر .. أضع السماعات في أذني ..والموسيقى تهيج كبحر ..أجلس في الكلية طويلا ..انتظر قدوم الأصدقاء .. لا أحد يأتي .. اهاتفهم .. لا أحد يرد ..تمر صديقة مسرعة .. ألمحها من ظهرها .. لا أفكر بمناداتها لأنني صرت أعرف أن صوتي الذي لا يتكىء وهنه على شيء سيسقط في الفراغ ..ولن يصل… أغادر .. أعود لغرفتي ..وأنظر في المرآة طويلا .. المرآة تراني .. أغلق عيني .. أصوّر المرآة وعيني مغلقة .. أيضا تراني .. أضع “طرحة” زرقاء على شعري .. تراني … أرتدي نظارة شمسية .. تراني ..أروح وأجيء .. أصنع عصير برتقال ..وأعود أشربه أمام المرآة .. تراني … تراني … تراني …! .. لماذا شعرت إذن طوال اليوم أنني غير مرئية !










































































تعليقات كـ الندى و المطر و الورد