You are currently browsing the category archive for the ‘diaries’ category.

image

26-10-2009

ثلاث فصول من مطر تمر على أول يوم رأيتك فيه .. قبلهم كنت أتشقق من جفاف يملأني ويكاد يحولني إلى كائن من تراب .. حتى تلك اللحظة التي رأيتك فيها وهطل المطر .. كانت المرة اﻷولى التي تمطر فيها ذاك العام .. وكنت أنا أشعر أنها المرة اﻷولى التي تمطر فيها هذا العمر .. وتظن أنني أغرمت بك من النظرة اﻷولى كما أخبرك دائما .. لا تعرف أنني لم أكن مغرمة فحسب وإنما كنت مشتاقة أيضا.. لا تعرف أنك كنت الماء الذي فاض على التراب فصارت هناك عاشقة تغرق .. بينما أنت في قلبها تزرع الورد !

لحظتها كنت مهيأة تماما ﻷن أخبرك أنني أحبك وأذوب بك .. ولكن هل كان هذا سيبدو جنونيا جدا لو كنت فعلت؟ .. أن تقابل شخصا للمرة اﻷولى في حياتك ومن اللحظة اﻷولى تخبره أنك تذوب به .. لم أخبرك.. ولكنني تأكدت حينها أنك من اﻵن ستكون في عمري كل العمر .. وأن هذا العمر سيكون كله فصول من مطر .. وفصول من حب ! ♥
.
.

تعرف؟ أنا أخبرك دائما أنني أحب أن أشكو إليك .. رغم أنني أكره الشكوى .. ولم أفعلها مع أحد قبلك .. أخبرك عن وجع أسناني .. عن وجع رأسي .. الصداع الذي يصيبني بعد النوم .. لسعات المطبخ التافهة .. الكدمات الصغيرة في ساقي ﻷنني أتخبط كثيرا .. أخبرك أنت فقط بكل هذا ﻷنني أحب ردودك علي .. أحب حنانك .. فزعك من دبوس يشك إصبعي .. أرتاح بعدها .. ولا أعني وجع إصبعي أو أسناني هو الذي يتلاشى .. وإنما الوجع في قلبي الذي لم أخبرك عنه .. ليس ﻷنني لا أريد .. وإنما كما أخبرتك من قبل .. لا أعرف طريقة لفعل هذا !

17-10-2010

.

.

لا أريد أن أرعبك .. ولكنه كان بلا رأس .. كان يرتدي ملابس رياضية ولكن بشراشيب .. وكان مكان رأسه كأس مفلطح عريض من الصفيح .. ظلّ يرقص بجوار سريري ويقوم بحركات مستفزة و يغيظني .. كتمت أنفاسي وأنا أشعر بالنمل يجري في عروقي .. كأنني كنت مشلولة بالكامل وأستعيد حركتي شيئا فشيئا .. أنت بالتأكيد تدرك هذا الشعور التافه جيدا .. حين تضغط على أحد أطرافك فيصيبه التنميل حتى تفقد احساسك به .. ثم تعود تدريجيا مع وخز النمل هذا .. كان الضغط على جسدي كله .. حتى رأسي .. وفجأة شعرت بالدم يندفع كالطوفان في شراييني .. كالماء في اﻷرض العطشى .. أحسست باندفاعه اللذيذ ولم يضايقني سوى وخز النمل في محجري عيني وأنا أنظر لهذا الشيء .. في اﻷول فكرته أحد أخوتي يريد أن يفزعني ولكنني وعيت حماقتي حين نظرت لكأس الصفيح مرة أخرى .. تأكدت في هذه اللحظة فقط بأنني أنظر إلى شيطان .. حاولت أن أتذكر أي من اﻷدعية .. ولكن حتى “بسم الله الرحمن الرحيم ” لم تأت ببالي .. كنت أحتاج شخصا يذكرني بأول حرف فقط .. لكنني خفت أن أنادي على أحد .. خفت أن يظنني خائفة .. كان إحساس التنميل يختفي شيئا فشيئا وكنت لحظة عن لحظة أعي ما يحدث أكثر .. أغمضت عيني وأنا أقول لنفسي هذا كله ليس حقيقي .. سأعرف بعد لحظات أنني كنت أحلم وسينتهي اﻷمر .. وسأتذكر هذا الدعاء الذي ينتهي بكلمة ” رجيم”  ولكنني أعجز عن تذكر غيرها .. ولكن اﻷمر لم ينتهي ولم أستيقظ من أي حلم .. وكانت هذه أول مرة  .!

.

.

 

 

 

أنا لا أكتب ﻷنني صرت لا أريد أن افصح عن أي شيء  .. فحين أهُم أحيانا بالكتابة عن سعاداتي الصغيرة فأنا أتراجع ﻷنني لا أريد أن أتحدث عنها أمام من هم أقل مني سعادة كما تنص الوصية .. وأنا أعرف محزونين كثر … وحين أهُم بأن أتحدث عن أحزاني الطفيفة فأنا أتراجع أيضا ﻷنني لا أريد لعواطفي السلبية أن تسقط عمدا في قلب شخص يقرأني بسلامة نية ولم يكن مهيئا لذلك ..كان عليّ أن أخرس إذن .. أو أن أتخيل قصة قصيرة عن دودة ساذجة تعيش في الطين دون سعادات أو تعاسات قبل أن يعثر عليها صبي شقي و يغرسها في خطاف سنارة كطعم للأسماك الصغيرة .. كان علي أن أكون هذه الدودة قبل أن أحاول أن اكتب شيئا لا قيمة له لكنه يخبر الكون أنني بخير ولم تبتلعني اﻷسماك المسكينة بعد .. ولكن هل يهتم الكون من اﻷساس  .. أن أكون في بطن اﻷرض أو في بطن السمكة .. هل ثمة فرق .. و هل كان من الحماقة أن أفكر أن سعادتي أو حزني قد تهم قارئ ما .. وهل يجدر بي إذن أن اكون كمحررة لنشرة أخبار تكتب دون أن تخفي شيئا !

.

.

: )

من أجل كل هذه الكوابيس البشعة .. يبدو أن روحي تذهب إلى قاع الجحيم كل ليلة !

أقرأ باقي الموضوع »

“It is your birthday as a writer .. so happy birthday my best best friend”

في الثانية عشر بالضبط جاءتني هذه الرسالة .. شعرت بشعور شخص نسي عيد ميلاده وجاء صديق لا ينساه ليذكره به .. دائما ما كنت أرى هذا المشهد بالسينيما وأتساءل بعدم تصديق: “كيف لأحد أن ينسى عيد ميلاده .. ثم أرددد في امتعاض: “هذا مفتعل للغاية!” ..ورغم هذا كنت أتمنى طويلا أن أنسى عيد ميلادي ويجيء من يذكرني به لأشهق في دهشة :”عيد ميلادي !.. ازاي نسيت !!” .. إلا أن هذا كان من المستحيل أن يحدث .. لأنني أنتظره كل عام بفارغ صبر وأعد الأيام إليه حتى يأتي .. فأكون أنا المدللة لهذا اليوم .. كل طلباتي مجابة .. والجميع يتفنن في إسعادي ورسم ضحكتي بألوان مبهجة في كل مكان .. جاءت هذه الرسالة مباغتة جدا .. في الثانية عشر بالضبط .. وحين شهقت بفرح .. لم أكن أفتعل هذا !

كنت في غرفتي بالطابق الثاني أحاول اعداد كلمة أتمكن من إلقاءها بالحفل في الغد .. أفكر في شيء أستطيع أن أحكيه عن الكتاب لأنني أشعر بالورطة كلما سألني أحد :”هو الكتاب بيتكلم عن ايه؟” .. فأقول فقط أنه ليس موضوعا واحدا .. وإنما مواضيع مختلفة .. وأكتب بين قوسين “نصوص سردية” … ولأنقذ نفسي من هذا المأزق أنشأت صفحة للكتاب على الفيس بوك .. أضع بها مقتطفات منه كي  أضيف إلى ردي :” وده لينك البيج وفيها أجزاء منه” .. وفي الحفل يتوجب عليّ أن أتحدث باستفاضة عن الكتاب .. دون صفحة على الفيس بوك تنقذني .. ودون أن يكفي مطلقا كلمة “نصوص سردية ” فقط !

كتبت وشطبت … وكتبت وشطبت ..ثم مزقت الورقة وخرجت إلى الشرفة وقفت على السور طويلا أجهز ما سأقوله وألقيه على الأشجار والنجوم والسماء والطيور الساكنة على الغصون لتسمعني وحين انتهيت ومض بالسماء شهاب مارق ففرحت جدا وعرفت أن هذا بالمعنى الحرفي إشارة من السماء بأنني سأكون هائلة في الغد !
ولكن الثقة التي تحدثت بها أمام ليل القرية بأكمله لم تتملكني أمام الحضور بالحفل .. فأنا لم أقدم أبدا إذاعة طابور في المدرسة .. ولا شيت راوند في الجامعة ..وكل ما نجحت في إلقاءه كان بعض النصوص من الكتاب ..أولها كان “أنت” .. ومع آخر حرف بالنص .. ارتفع الصفيق عاليا بشكل فجائي جعلني أشعر بارتباك وفرح غامر ..كانت المرة الأولى في حياتي التي يصفق لي شخص ما … فما بالي بكل هذا العدد !

بدأ اليوم حين استيقظت على مطر في الحلم .. كانت السماء غائمة .. ورياح خفيفة تهب على وجوه كل القادمين إلى حفلي الصغير …

استيقظت وأنا أريد أن أردد “رضيت بالله ربا .. وبالإسلام دينا .. وبسيدنا محمد “صلي الله عليه وسلم” نبيا و رسولا ” … كنت قد قرأت مرة أن من يردد هذا الذكر صباحا كان حقا على الله أن يرضيه لآخر اليوم وأنا كنت أتمنى بكل ما في أن يرضيني الله هذا اليوم بالذات .. أن يمر سعيدا ولطيفا ومميزا عن باقي الأيام !
قلت لنفسي سأردده عقب صلاة الصبح .. لكنني نسيت وبدأت في تلاوة سورة الكهف .. تذكرت وأنا أقرأ فقلت لنفسي ثانية سأردده  فور أن أنتهي من التلاوة مباشرة .. لكنني نسيت مرة ثانية .. وحين تذكرت بعد أكثر من ساعتين .. جاء على بالي غادة وأنا أقول لها أنني أرتكب ذنوب ومعاصي كثيرة .. ولكن يوما ما سأتوقف عن فعلها كلها وأتوب .. قالت :”مش يمكن ربنا ينسيكي تتوبي أصلا !” .. لم أرد .. لكنني قلت في رأسي بعدم اقتناع :”إزاي أنسي أتوب !!” .. وعرفت في هذه اللحظة كيف يمكنني أن أنسى التوبة .. هذا لأن كل الذكريات كادت أن تنسيني للمرة الثالثة أن أردد الدعاء .. ولكنني في اللحظة الأخيرة .. وقبل أن أنشغل بأي شيء آخر رددته .. رددته بخشوع شديد وأرضاني الله لأكثر مما كنت أتمنى أو حتى أتخيل !

كان أجمل يوم في حياتي على الإطلاق .. كل من أحبهم على هذه الأرض كانوا حولي _إلا قليلا_ .. وكان أحمد يفعل كل ما بطاقته ليسعدني .. كيف يمكن أن أشكره .. لا أعرف .. وهل ضروري أن أفعل .. لا أعرف أيضا .. هذا لأنني أفكر أنني قطعة من روحه فعل كل ما يستطيع ليسعدها .. أما عني .. فهو روحي كلها .. هل يمكنني إذن أن أشكر روحي؟؟؟  .. أعتقد أنه يمكنني فقط أن أشكر الله كثيرا كثيرا لأنه نفخ في جسدي هذه الروح  …. وجعل لها اليوم عيد ميلاد !

.

الجمعة .. 22 يوليو 2011

.

.

.

أظل عطشان .. وأحلم بيك يا ماي ……(أنا بلياك – إلهام المدفعي)

منذ أكثر من أسبوع وأنا أشعر بالظمأ الشديد .. وليس بإمكان أنهار الكون كلها أن ترويني .. حلقي جاف ..وكأس الماء لا يفارق يدي .. ومع كل رشفة العطش يزداد أكثر .. وشراهتي للمياه تتفاقم .. كأنني فتاة حوّلها دراكولا منذ أيام قليلة إلى مصاصة دماء مسكينة  تجلس مستندة على جدار في شارع مظلم ..تتلوّي من العطش وتحاول بلع ريقها بمعاناة صحراء تحرقها الشمس .. أتذكر الآن يوم الأحد الفائت حين ذهبت لأجري تحليل دم  للمرة الأولى بحياتي.. الممرضة تتحسس وريدي البارز .. تحاول إبرازه أكثر .. تغرس الأبرة برفق .. وأنا لا أغمض عيني بقوة كما اعتدت ان أفعل مع كل ألم … أنظر إلى دمائي وهي تغادر وريدي مذعورة .. لونها يشبه الأسود القاتم جدا وأنا أفتش عن الأحمر ولا أجده .. أدركت بحزن أنها تغادر الوطن في قلبي وليس ثمة طريق يشبه الوريد للرجوع .. فكرت لحظتها أن كل وداع هو بصورة أو بأخرى لا يتعدى كونه نزف .. يوجع ويؤلم ومع الوقت يُنسى .. تخيلت الممرضة هي دراكولا التي شربت من دمي وحولتني إلى هذه الفتاة الظمآنة التي لا تعرف كيف ترتوي .. هذا الشعور الذي لازمني من أول اليوم إلى آخره …بدأحين كنت خارجة من البيت في الصباح و توقفت فجأة عند آخر سلالم البيت :”نسيت أشرب” .. صعدت سريعا وبالمطبخ وجدت كأسا ممتلئا إلى نصفه كنت قد وضعته للتو على الطاولة .. نظرت له برفع حاجب ثم شربته إلى نهايته ونزلت ..

لم أفكر طوال الطريق في أي شيء ..  كنت شاردة وغير منتبهة .. وحين انتبهت في النهاية وددت لو يعود الطريق من أوله لأفكر في حكاية “عن شيطان فتاة” وأتخيل الأحداث القادمة .. أتذكر الآن “إيمان” حين قالت لي في المساء :”الحكاية دي عنك ..أنا متأكدة” ..نفيت… وأخذت هي تصر .. ولكنني الآن لا أنفي .. فأنا أكتب ما كان يمكن أن يحدث لي .. الحياة التي كان من الممكن أن تكون .. تماما كما يقول ساراماجو:”من سيكتب التاريخ الذي كان يمكن أن يكون !” .. حين قرأت هذه الجملة أول مرة وضعت تحتها خطاً وكتبت بجوارها .. “أريد بشدة أن أفعل” ..وكل ما أفعله الآن أنني أحاول وأنا أعرف أن كل الحكايات هي محاولات لكتابة تاريخ كان من الممكن أن يكون … أو سيكون …

وصلت الجامعة في حوالي الحادية عشر والنصف .. ووجدت على الفور غادة وعلا وعزة .. قضينا اكثر من ساعتين رائعتين معا حد أن أحمد حين هاتفني أول ما استيقظ سألني:”مالك مبسوطة كده !” .. التقطنا العديد من الصور .. جاءت أسماء ومنال قبل أن يأتي أحمد بقليل ونغادر.. وانتابني حزن صغير لأنني سأترك أسماء سريعا دون أن أمضي مزيدا من الوقت برفقتها .. أما عن منال فكان الفراق الذي نما بيننا منذ عام كنبات شيطاني يمتد ويتشابك ويفصلنا تماما … وقفت على مسافة قليلة منها أنتظرها تنطق:”ازيك يا دعاء” .. لم تفعل .. ولم أفعل أنا أيضا .. حتى نهاية اليوم حين قابلتها ثانية في حفل ” هشام الجخ” .. ذهبت إليها وقلت أنني لا أتذكر لماذا حتى تشاجرنا .. لا أتذكر سوى أنكِ منال صديقتي فقط … وكنت أعني كل حرف مما قلته .. تصالحنا وتلاشت  كل الأفرع والغصون المتشابكة وأطرافها الحادة بفرقعة اصبعين في الهواء ..تعانقنا بقوة وشوق عام كاااامل كان فيه التجاهل هو سلوكنا ومنهجنا الوحيد … ورغم أن اليوم بأكمله كان رائعا ..إلا أنني اعتبرت هذا الحدث هو نصره الكبير ..

في حوالي الواحدة والنصف ذهبت مع أحمد إلى كورس الألماني … شعرت أن فراو أمل ليست في مزاج جيد جدا .. أحمد قال أنني أتخيل ولو كان ما قلته صحيحا فربما لأننا تأخرنا على موعدنا معها كثيرا…………… ربما … مايهم أنني حين خرجت من الكورس كانت في رأسي فكرة واحدة وهي أنني بحاجة ماسة لأن أذاكر ألماني طويلا بعدما راكمت دروس كثيرة .. وأحببت أن أتخيل أن هذا سبب ضيق فراو أمل ..كي أتحفز أكثر للمذاكرة !

كانت الساعة في حوالي الخامس إلا الربع .. وكنا قد تأخرنا على موعد الحفل كثيرا … ألغينا الغداء واشترينا بالطريق سناكس و زجاجة ماء ولكن بعدما تأخر الحفل أكثر من ساعتين عن موعده عرفنا أنه لم يكن هناك داعِ للعجلة ..

لم نشعر بالملل لطول الوقت وإنما مضى سريعا بين مواهب جميلة تغني وتمثل وتلقي الشعر … أُعجبت بأكثرهم .. ولكن شاب واحد أحدث زلزالا صغيرا في روحي وهو يغني بصوته العذب جدا جدا جدا :

نحلم على كيفنا .. نغلب عذاب خوفنا .. نرسم على كفوفنا .. قلبين وسهم اترمى

ما يهمناش الليل .. ولا ألف جرح و ويل ..طول ما الحياة بتميل .. نعدلها واحنا سوا

قادر أكون وهكون .. عاشق بحب الكون

والأمنيات واللون .. والفجر لما يعود

الأغنية رائعة .. والصوت أكثر من رائع حد أنني فُتنت بالاثنين معا .. ورغم أنني عرفت أن الأغنية لمحمد فؤاد بالأساس _وانا لا أستلطفه كثيرا_ إلا أنني لم أكن سمعتها منه وهذا كافي لأن أنسب الأغنية انتساب كامل لهذا الصوت …

جاء “هشام الجخ” في السابعة والنصف تقريبا .. وكاد صوت التصفيق الحاااااااد والصفير أن يصم أذنيّ .. هذا الصوت الذي ما توقف طوال الحفل وجعلني أتذكر عبارة هشام الجخ عن حلمه :” عايز لما أموت .. العالم كله يقول هشام الجخ مات” .. العبارة التي جعلتني أفكر أنه لو كان بإمكاني أن أحلم حلم غيري  ..لكان هذا الحلم .. غير أنني لا أستطيع أن أفعل هذا .. الأحلام بالنسبة لي أمر حميمي للغاية .. لا يجوز تقليده أو التشبه به ..  ولهذا أنا أحاول أن أصنع أحلامي الخاصة .. أحلامي التي تناسبني وحدي ولا تناسب غيري كحذاء سندريللا .. وأحاول أن أمتلك الإيمان بقدرتي على تحقيقها .. الإيمان الذي تأكدت من وجوده في قلبي لحظة غنى الشاب :”قادر أكون وهكون !” فاهتزت الأرض من تحتي !

عن الحفل مرة أخرى … كان رائعا إلى أقصى حد .. أنظر إلى أحمد بين دقيقة وأخرى .. بسعادة طاغية لكونه حبيبي .. لكونه الرجل الذي يمسك بيدي ويعبر بي منعطفات العالم أجمع ..فكرت بهذا عقب انتهاء الحفل .. بيده التي لا تترك يدي .. بارهاقي وتعبي الذي نام على كتفه .. وهو يوقظني برفق لأحادث أمي .. !

أصل المنزل في العاشرة والنصف تقريبا .. بحكايا وتفاصيل كثيرة .. ورغبة هـــــــــــــائلة بالنوم …. أبدل ملابسي سريعا .. أتفقد الفيس بوك سريعا .. أطمئن على وصول أحمد لمنزله … أشرب زجاجة مياة كاملة … وبعطش كــبـيــر أنام !

بعد أقل من أربع ساعات نوم .. في تمام التاسعة صباحا تفتح أمي باب غرفتي لتوقظني … لا أتذكر ما قالته بالضبط .. لكنني أتذكرني وأنا أرفع رأسي من فوق الوسادة وأنظر باتجاه الباب .. أرى خيالها ومن وراءه يطل النور بفضول يحاول أن يخترق الظل ويدخل ..قالت شيئا من قبيل أنني سأتأخر .. وقلت أنا بصوت يقظ رغم النوم الكثير :”حاضر يا ماما ..أنا صاحية أهه”

لا أشبه أخوتي حين تأتي أمي لتوقظهم فيردون بهمهمات واهنة وضعيفة وممتلئة بالنوم .. حتى ولو كانوا يقظين أصلا .. يغيظني هذا جدا وأعتبره “دلع” مفرط .. وربما بسبب هذا الغيظ بالذات أتعمد دائما أن أجيب بصوت صاحي و بكلمات واضحة مهما كنت غارقة في النوم ..أو على الأقل طالما كنت أعي هذا .. استيقظت وفور أن تنبهت واكتشفت أن أمي توقظني في الموعد الذي أردته تماما بينما أنا كان يتوجب عليّ  أن اوقظ أحمد في الثامنة بالضبط  و مرت أكثر من ساعة دون أن أفعل ..اجتاحتني عاطفة قوية تشبه تأنيب الضمير لأم أهملت طفلها الوحيد ….هاتفته وغادرتني هذا الشعور فورا أول ما وجدته صاحيا يرتدي حذائه وعلى وشك النزول .. كنت قد تأخرت كثيرا على معاد كورس “ICDL” .. وكان مصدر سعادتي الكبير هذا الصباح أنني توضأت وصليت الفجر قبل أن أنام .. ولن أضطر مطلقا إلى سحب قدماي من تحت البطانية ووضعهما تحت الماء … غسلت وجهي ..وأسناني سريعا جدا (وهذه إشارة صريحة يا وفاء بأنني فتاة نظيفة “واخدة بالك؟؟؟”) ثم ارتديت البنطلون والجاكيت فوق رداء النوم .. أتحرك باتجاه باب المنزل ونصف قدمي داخل مقدمة الحذاء بينما طرفه الخلفي مثني تحت كعبي .. الحقيبة على ذراعي دون مراجعة لمحتوياتها.. يد تمسك بالموبايل والأخرى تحكم من لف “الطرحة” حول رأسي … بالطريق اشتريت قالبين صغيرين من الشيكولاتة .. واحدة لي كفطور .. و الثانية لـ معلمتي “إيناس” التي تشرح لي الـ “Icdl” ..

أصل إلى مكان الكورس ..أدق الباب ويبدو أنه لا أحد بالداخل ..أهاتفها فتخبرني بكلمات سريعة وموجزة أنها دقيقتين فقط وستكون عندي … أسند كتفي على الجدار الملاصق للباب وأنتظرها .. في الشقة المقابلة مجموعة من الشباب يروحون ويجيئون وهم يتحدثون بصوت عالي .. أحدهم يقول شيئا وهو ينظر إليّ باستفهام .. بينما الآخرين يميلون برؤوسهم لأغدو في مجال رؤيتهم .. أشعر بالإحراج قليلا فأفضل النزول إلى الشارع وانتظارها أمام مدخل العمارة .. أستند إلى سيارة بينما الوقت يمضي بطيئا .. أقرر في رأسي أنني لن أعطيها قالب الشيكولاتة وسألتهمه أنا فيما بعد .. ولم يكن هذا القرار نتيجة غضبي المفتعل من تأخرها .. وإنما كان في الحقيقة طمعا بالشيكولاتة .. تأتي بعد ربع ساعة تقريبا ..تعتذر وهي تلهث .. تخبرني أن زوجة أخو زوجها وضعت مولودها الأول هذا الصباح .. واضطرت أن ترافقها في المستشفى وتأخرت رغما عنها .. تسألني عن اسم بنت جميل وتبرر أن زوجة أخو زوجها لم تفكر طول التسع شهور الماضية في اسم للمولود .. ولم تحاول حتى الكشف عن نوعه .. تخبرني أيضا عن حب عائلتها للمفاجآت وطول بالهم .. باختصار تحكي لي قصة حياتها وقصة حياة زوجة أخو زوجها .. لكنني لن أتفضل بحكيها طبعا لأنني الآن أحكي قصة حياتي وحدي .. والمساحة هنا لا تسع غيري ! ..

المهم ..أخذت الكورس برغبة مميتة في المغادرة والنوم طويلا طويلا طويلا .. عدت إلى المنزل سريعا وكنت في غاية سعادتي للمرة الثانية هذا الصباح حين جئت لأبدل ملابسي  ووجدت رداء النوم أسفل الجاكيت .. غطست بفرح أسفل البطانية وغطيت وجهي  وأغمضت عيني.. دقيقة … دقيقتين … ثلاث … عشرة … ربع ساعة ولم يخطفني النوم بعد .. أزيح البطانية وأغادر الغرفة .. أجلس في الصالة مع أمي وشيماء … نتحدث ونتحدث ونتحدث “plauderen und reden…plauderen und reden  ” ..أجلس أمام الشاشة .. أستمع لأغنية “بالي معاك” مرات كثيرة وأشعر بالأغنية كما قلت بالضبط .. تسير في دمي .. تتكور في شراييني .. عند القلب تماما .. تقتلني !.. أهدأ جدا رغم النبض السريع في قلبي .. أمي تقف ورائي .. وتزايد على قتلي حين تمرر أصابعها في شعري … بهدووووء … أغمض عيني .. وأهوى … أهوى ..أهوي مع الأغنية :”بالي معــاك .. بالي .. بالي .. بالي ….يا أبو الجبين عالي .. عالي … عالي ” … أتمنى وأتمنى لو تدوم هذه اللحظة إلى الأبد …هذه اللحظة التي تكفي فتنتها لأن تملأ عمرا بأكمله …. ” القلب لو قال آه يا حبـيـبي آهاته بتكــويــني … امتى بقا الدنيا يا حـبيـبي بـقـربك هـتحلالي … بالي معاك … بالي ..بالي .. بالي … بالي “

 

أتأخر مرة ثانية على ميعاد كورس اللغة الألمانية .. ويتكرر مشهد الصباح بحذافيره وزيادة عليه رشة توتر .. أمي وشيماء يصرخون في … أسماء تدور حولي ..  أبي يجلس في السيارة أسفل المنزل ويطلق “الكلاكس” دون توقف .. سريعا سريعا أغادر .. ألتقي بأحمد ونذهب إلى الكورس معا … نصل ..و أفرح جدا برؤية “فراو أمل” .. تبدو لي اليوم أجمل من أي يوم مضى .. انتبهت لأنها لا تضع هذه المرة ملمع شفاه .. وربما لهذا كانت بطبيعتها أجمل.. لا أدري .. أعرف فقط أنها كانت حصة رائعة ممتلئة بالمنافسة بيني وبين أحمد .. برسومات “فراو أمل” التي تجعلنا نكتشف معاني الكلمات دون استخدام اللغة العربية … بتمثيلها للكلمات التي لا يوجد طريقة لرسم معناها .. أحب طريقتها في الشرح جدا ..و لو كنت تمنيت فيما سبق أن أصير رسامة بعد شغفي برسام مذهل .. أو  “مصوّرة” بعد فتنتي بمصورين عظام .. أو أحببت كوني سأصبح طبيبة بعد تعلقي بمسلسل “Grey’s Anatomy” .. فإنني اليوم أقول ليتني كنت معلمة بعد ولعي بطريقة شرح “فراو أمل” ..!

انتهينا من الكورس وخرجت منه إلى مركز “IT Acadmy ” .. من أجل دفع رسوم “Icdl” وتقديم بعض الأوراق .. ومنه إلى النادي حيث جلست أنا وأحمد لأكثر من ساعة ونصف .. يذهب هو ليحضر بيتزا ..و أجلس أنا على الطاولة وحدي أراقب الأطفال وهم يطلقون فقاعات الصابون .. ويغمرون المكان بنتف الثلج والضحكات … وثمة طفل صغير عمره لا يتجاوز الثلاث سنوات يفرد ذراعيه وربما جناحيه وهو يدور حول ..أمه .. وربما يحلق … يدور دورته في المكان ثم يجري مرة واحدة باتجاهها بالأجنحة المفرودة فتضمه .. كأنه .. طير .. وكأنها العش .. وأنا أفكر بأنه ليس في الوجود علاقة أجمل من علاقة الطيور بأعشاشها ..  يأتي أحمد ..نجلس معا نلتهم البيتزا والبطاطس الساخنة ونحن نتابع مباراة الزمالك مع الأفريقي التونسي … الأهلاوية يجلسون في جانب ويصفقون مع كل خطأ يرتكبه الزمالك … والزمالكوية يصيحون ويهللون وينفعلون … كنا مشغولين بالحديث والثرثرة أكثر من متابعة المباراة حتى الكارثة في نهايتها … في البداية ضحكنا على ما يحدث .. وشيئا فشيئا بدأ الأمر يتطور ويغدو كارثة فعلا … وبالمناسبة أنا أعتذر كثيرا كثيرا لتونس على هذا الانفلات وهذه الهمجية الغير مسبوقة .. لن أدافع أو أبرر أو أقول شيئا عن الفتنة التي يخلقها فلول النظام السابق كما يشيع الجميع .. فقط أنا أعتذر لتونس دون مبررات وأنا أعرف انه اعتذار صغير من فتاة ضئيلة مثلي لن يصل صوتها مطلقا ..وربما لهذا لايسعني سوى أن أدعو:”ربنا لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا” … !


شيماء تتصل بعد الثامنة بقليل فور أن وقعت الإمضاء .. فنغادر أنا وأحمد إليها ثم نذهب ثلاثتنا إلى موعدي مع الطبيب لأرجع إلى المنزل قبل منتصف الليل بقليل بكيس أدوية أكبر من سابقه و روشيتة تأمر بأخذ عينة من دمي بعد أسبوع … دمي الذي يتباطىء الآن في شراييني … يمضي بهدووووووء وتعب بعد يوم طويل شاق … أطول من طاقتي على الحكي … من مشواري مع أبي بعد كل هذا .. من آيس كريم بالشيكولاتة والفانيليا لم يغادرني طعمه بعد .. من أحاديث كثيرة كثيرة  …. سأرويها لاحقا لأنني الآن …… زهقت وتعبت !

 

أخيرا فقط …سأدير أغنية ” بالي معاك بالي بالي بالي بالي …. يا ابو الجبين عالي عالي عالي عالي ” … وسأناااااااااااام !

 


كل هذا الملل كثير جدا على نهار واحد … وهذا غريب ..لأن شعور الملل لا ينتابني من الأساس إلا نادرا .. حتى وإن كنت أجلس صامتة وهادئة ومنزوية ولا أجد ما أفعله لساعات طويلة فأنا لا أشعر بالملل .. دائما ما تحتلني فكرة تسليني وتأكل الوقت بنهم وجوع شديد .. أما اليوم .. فلا شيء على الإطلاق .. كأنني حمام سباحة فرغ من مياهه وبهجته ومرحه و على أرضيته تتكوم أوراق الخريف الجافة بطريقة تثير الوحشة والحزن .. لا أستسلم لكل  هذا .. أبحث عما يسليني ولو قليلا .. أحاول تحميل فيلم كوميدي يشجع على الضحك .. يبدأ التحميل .. وأنا أجلس أمام الشاشة أتابع الأرقام المتزايدة .. 1% … 2% … 5% … 9% ..15%.. 17% … 22% …28% .. يتوقف التحميل لخطأ في الملف .. أزفر بحنق .. أراقب الأصدقاء ..أون .. أوف ….أون …أوف .. تنقطع الكهرباء … وأتحول أنا إلى “أف” طويلة جدا … أبحث عن شيء آخر أفعله ..أمسك ديوان “أزهار الشر” ..لـ “بودلير” .. وأبدأ القراءة :

أنا غرفة انتظار عتيقة

مليئة بالورود الذابلة

يملئها خليط عجيب

من أزياء فات زمانها

ولا يتنفس فيها عبير عطر مسكوب

إلا الرسوم النائحة

ولوحات بوشيه الشاحبة *

وتحت الأبيات يتحدث “سارتر” عن فكرة الضجر عند “بودلير” .. أندهش جدا ..لأنني لم أكن أعرف مسبقا أن الكتاب سيتحدث عن مزاجي الحالي ولهذا تناولته .. أندهش أكثر لأن الديوان ممتلىء بعواطف لا أول لها من آخر .. وأتساءل كيف يتصادف أن أفتحه الآن بالذات ..على هذه الصفحة بالذات .. أتذكر ولاء وهي تقول ” لا شيء يحدث بالصدفة حقا” ..و أنا المفتونة بالصدف أصلا.. المفتونة بها حد أنه حين تحدث واحدة فأنا أعيد كل شيء في رأسي من البداية بحاجب مرفوع وتأمل مذهول بأسبابها !

من حوالي أسبوع عاهدت الله بشيء .. وكان هذا سر صغير بيني وبين ربي .. وفي الأيام التالية لهذا العهد صار الشيطان يوسوس لي كثيرا كي أنقضه ..حتى اللحظة التي فتحت فيها المصحف لأقرأ وردي اليومي  .. وقع بصري أول ما فتحته على الآية :”وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضو الأيمان بعد توكيدها وقد جعلتم الله عليكم كفيلا إن الله يعلم ما تفعلون” …هل ثمة ما يسمى صدفة إذن .. لا أعتقد !

أفتح الديوان مرة أخرى ..أتابع القراءة :

كل الوحوش التي تدمدم وتزمجر وتزحف

داخل نفوسنا الآسنة الوضيعة

هناك واحد هو أشدها دمامة وخبثا

وهو وإن كان قليل الحراك ..ضعيف الصوت

مستعد بجولة واحدة أن يصنع من الأرض أنقاضا

وبتثاؤب واحد أن يبتلع العالم

إنه الضجر الذي يحلم بالمشنقة وهو يدخن نرجيلته

وفي عينيه تلتمع دمعة لا إرادية

أنت تعرفه أيها القارىء ..هذا الغول الناعم

أيها القارىء المرائي _ياشبيهي_ ..يا أخي !*

هذا الوحش يتلبسني الآن ..يتثائب وهو يشفط الهواء من حجرتي .. يحلم أيضا بشفط مياه كل حمامات السباحة في العالم أجمع … يحلم بأن ينفث على فراغ أرضياتها أوراق الشجر اليابسة.. الأوراق التي نسيت من فصول طويلة كيف يكون شكل العصفور المَرِح !

عدت من الجامعة إلى قريتي الصغيرة بعد الامتحان من طريق مختلف تماما أسير عليه للمرة الأولى .. أطول كثيرا لكنه مسلي جدا .. كنت ممتلئة بالضحك والدهشة والتأمل .. الطريق يمضي بمحاذاة ترعة طويلة جدا ورغم أنني فتاة ريفية من قمة شعري حتى كعب حذائي إلا أن كل ما وقع عليه بصري اليوم كان جديدا جدا على عيني لأن بلدتي تفتقده كثيرا .. ربما لأنها ليس بها ترعة وأنا لا أفهم كيف لقرية أن تكون بلا ترعة؟ ..كأنها إبرة بلا خيط ..أو مصباح بلا ضوء ..أو شجرة بلا ورق .. كأنها شيء ما عصي عن الاكتمال .. في الحقيقة كان هناك ترعة صغيرة تسير بطول القرية وتم ردمها من سنوات بعيدة كطريقة وقائية ضد الناموس والحشرات .. كنت حينها صغيرة جدا وكنت أذاكر درس أعمال محمد علي باشا الكبير التي مازلنا نفخر بها حتى الآن في مادة الدراسات الاجتماعية .. كان من أهمها شق الترع والقنوات ..وكنت  أرددها كثيرا لأحفظها وسط صخب آلات الردم تقارب منزلي ..أرددها وأنا أتساءل كيف يكون شق الترع إنجازا .. وردمها إنجازا أيضا؟ … لم أفهم هذا أبدا .. لكنني تجاوزته وكفى ..!

من الشباك أراقب فتيان يسبحون في الترعة كقراميط صغيرة  .. يرشقون بعضهم بالمياه ويكركرون .. أضحك عليهم وأنا أصنع من ورقة الامتحان مروحة صغيرة أهوّي بها على وجهي … أحسد انتعاشهم وأتمنى لو كنت فتى صديقهم يلهو معهم ويسبح غير عابئا على الإطلاق بأي عدوى فيروسية أو بلهاريسيا تخترق جلده وتراوده عن صحته .!

على حافة الترعة ينتشر نبات البوص وأشجار الموز .. ونساء وفتيات يغسلن الصحون والملابس .. أشفق عليهن وأراهم طيبين جدا حد أنهم قادرين على غسل الترعة بطيبتهن وقلوبهن البيضاء .. لا أعرفهم لكنني أتيقن من أنهم بمنأى تام عن كل الصراعات والأحقاد والضغائن والتلوث الذي يطول كل العالم ويبعد كليومترات قليلة فقط عن ترعتهم وأرواحهم .!

بطول الترعة وعلى مسافات متباينة يجلس رجال عجائز بيد كل واحد منهم سنارة طويلة يطوحها في الهواء قبل أن يلقيها في الماء وينتظر … أندهش منهم لأنني دائما ما فكرت أن الصيد يليق بالصغار فقط .. في صغري كنت أنطلق دائما مع محمود ابن خالي لنصنع السنارات ونذهب للصيد.. ورغم أن أمي كانت توبخني دائما على هذا إلا أنني كنت وقعت في غرام الصيد في تلك الفترة من حياتي .. أتذكر الآن لحظات سعادتي حين كنت أهرب من أمي وأرافق عمرو و وليد للأراضي الطينية .. نستخرج الدود من التربة .. نقطع الدودة الطويلة نصفين .. ونضعها في حلقة السنارة كطُعم للسمك … كأبو قردان سعيد يجوب الحقول .. كانت فرحتنا بالعثور على الدود لا توصف … أتذكر  آخر مرة رافقتهم في رحلات صيدنا الصغيرة هذه .. وكانت “آخر مرة” لأنني تشاجرت يومها مع وليد وتوعدني بالضرب إن رافقتهم في رحلة أخرى .. بعدها قررت الذهاب وحدي والقيام بكل شيء وحدي .. حملت سنارتي على كتفي كصياد همام وطبق بلاستيك صغير في يدي لأضع فيه السمك .. وجلست تحت شجرة طوال النهار أدعو بخشوع شديد من أجل غمزة .. وحين عدت البيت آخر اليوم بقرموط صغير وبضعة سمكات وطلبت من أمي أن تقليهم لي في الزيت .. ضربتني .. و توعدتني هي الأخرى بالضرب مرة ثانية إن كررت فعلتي .. كانت تخشى عليّ من الانزلاق في الماء والغرق .. لم تعرف أبدا أنها في هذه اللحظة تحديدا حولتني من “صيادة” لـ سمكة .. ومن أبو قردان لـ طُعم .. ومن فتاة تمتلك رئتين ..لأخرى تتنفس بخياشيم … أتذكر الآن حين قلت أول أمس أنني “في قدم الدنيا .. كرة “… وأشعر أن الجملة الصحيحة هي أنني “في بحر الدنيا .. سمكة ساذجة وحيدة .. تبتلع الطعم دائما !”

أعود للترعة السعيدة التي مررت بطولها اليوم .. ماذا كان بها أيضا؟ .. آه ..على الضفتين أعمدة إنارة .. وأسلاك الكهرباء تمر من فوق الترعة لتصل بين الأعمدة .. على الأسلاك تحط أسراب العصافير .. يتوزعون على الثلاثة أسلاك كحروف موسيقية .. شعرت لحظتها أنني أمام نوتة موسيقية هائلة .. وليس ثمة موسيقار يعزفها .. تمنيت لو امتلكت عصا اوركسترا وجناحين لأحلق في الهواء بمحاذاة الأسلاك وأطلق الموسيقى من أعشاشها .. تأوهت في قلبي وأنا أردد “الجمال من هنا يفيض .. ويغرقني وحدي !”

عدت وأنا أتنفس من خياشيمي ..وأنوي الكتابة عن كل هذا فور أن أصل إلى المنزل .. عن طاولة البلياردو المنصوبة على حافة الترعة أسفل سقف عشة وتدعو للضحك .. عن الحمار الذي يهز ذيله بسعادة وهو يتناول البرسيم.. عن الصبيين اللذين يقودان جرار زراعي ويمصان القصب .. عن القارب الصغير الذي يجلس به رجل وامرأة يلقيان بالشباك في منتصف الترعة دون أن يخطر ببالهما أن وضعها هذا رومانسي جدا وأن ثمة فتاة فقيرة .._ريفية أيضا _ تمر على الطريق مسرعة تحلم بقارب يشبه قاربهما و لحن يدور في قلبها ونهر صغير توافق على استبداله بترعة سعيدة !

 

29-8-2010

 حين تجد روحك فارغة من كل شيء وأنت صامت تماما .. لا شيء بإمكانك أن تقوله على الإطلاق .. يكون هناك الكثير ليقال .. وأنا على هذا الحال منذ بضعة أيام .. تقريبا لا أتحدث إلا معك في الهاتف .. وبقية الوقت أكاد أكون صامتة تماما .. ولأنك اليوم كنت غائب أكثر من اللازم .. فأنا كدت أنفجر بصمتي .. لا .. لم أقارب الانفجار نهائيا .. على العكس .. أنا هادئة جدا بما يدعو للريبة .. لا أفكر في الموت كما كتبت من قبل .. لكنني أفكر في الانتحار دائما .. الانتحار فقط .. دون سبب واضح .. دون أية تعاسة أو عذابات .. الفكرة لا تفارق رأسي .. تلح عليه دون يد لي في هذا .. ودون أي نية بالإقدام عليها نهائيا .. هي موجودة وكفى …. منذ قليل وقفت على سور الشرفة .. العشرة سنتيمترات الوحيدة في هذا العالم التي أرتاح جدا في الوقوف عليهم .. وتنهاني أنت وأمي عن هذا .. أمي تصرخ في وتوبخني وتهددني بحرماني من المكوث في الطابق العلوي ثانية .. وأنت تهددني بزعلك .. وأنا لا أعِد كليكما بالابتعاد عن الشبر الوحيد في الكون بأكمله الذي يخصني وحدي ولم يقف عليه غيري .. وقفت ظهري للخارج .. ووجهي لجدار الشرفة حتى إذا زُلت قدمي فأموت وأنا أنظر إلى السماء وإلى العلو الشاهق الذي حلمت دائما أن أتسلقه .. أميل بجسدي للوراء .. واجدى يداي متشبثة بفرع نحيل جدا من شجرة العنب التي تتكىء على واجهة منزلنا .. الفرع أنحل من قلم رصاص وضعبف للغاية .. لكنه يشعرني بالأمان الذي احتجته جدا في هذه اللحظة ويجعلني أفكر أن الأشياء ليس عليها أن تكون قوية جدا لتأمنّا ..وأن الأمان في النهاية ينبع من داخلنا نحن !

الحقيقة أنا لا ينقصني أي شيء لأكون أسعد مخلوقة على وجه الأرض .. وأنا كذلك فعلا ..ولكن كيف أتغلب على رأسي التي تود هلاكي .. أشعر أن جسدي تسكنه روح خاسرة .. خاسرة جدا .. والشيء الوحيد الذي نجحت فيه هو السيطرة عليّ تماما ….. حكيت لك قصة الريشة السوداء قبل قليل .. هل بعد هذا كله غريب أن أعثر على ريشة سوداء .. وهل لازلت تشك أن الريشة طارت من قلبي .. أنا متيقنة من هذا !

الأدهى أن رغبتي برمي روحي تلك تقترن برغبة سيئة أخرى .. وهي الاستماع إلى أغنية the mystic’s dream  حينها .. في كل مرة أتخيلني أموت أسمعها تدور في رأسي ولا تتوقف عن الدوران .. وبالمناسبة ..أنا لا أفكر في الموت بمعناه الكامل .. لا أفكر في انتهاء حياتي وفنائي وقبري وحسابي وآخرتي .. أنا أفكر في احساس الروح لحظة اجلها فقط .. أوقبل هذا مباشرة ..لا أفكر في أكثر من هذا إطلاقا .. !

هل أنا مذنبة جدا؟ .. نعم أنا مذنبة وسيئة جدا……… وأحبك .. ورغم كل هذا أحبك جدا .. أحبك بجنون غبي … حد أنني حين وقفت على السور ورغبت بإلقاء روحي .. فكرت أنني أريد أن أموت وأنا أفكر بك .. وأن المسافة بين الطابق الثاني والأرض ليست كافية لأتذكرك كلك .. نظرت إلى أعلى ورأيت طائرة بعيدة للغاية تومض وتنطفىء بتتابع منتظم .. تمر من فوق السحاب بقليل وربما من داخله .. وجدت أن السقوط من عليها أجمل .. ويكون الوقت بين قفزي في الهواء ووصولي إلى الأرض ممتعا للغاية .. وكافيا بأن تمر صورك الكثيرة أمام عيني .. وبأن أتذكرك وأنت تخبرني أنك تحبني وتذوب بي .. الطائرة تمر بجوار نجمة .. تشبهها تماما دون وميض ثابت ..وتظهر أنها تمر بمحاذاتها وجوارها ..أنسى الطائرة وأتخيل علو النجمة اللانهائي .. وبتغيير صغير في الخطة يكون القفز من على سطح النجمة لا يقاربه وصف ويكون لا داعي لأن أقف ظهري إلى الفضاء .. ويكون الوقت كافيا بالكاد لأن أتذكرك كلك ..لأنك الرجل الذي لا يحصى كما تقول غادة السمان ..

أنا أحبك بطريقة لن تتخيلها مطلقا .. وأعرف أنك أيضا تحبني جدا ..لأنك حين وقفت معي في الشرفة كدت أحدثك عن كل هواجسي تلك وقلت:”تفتكر هيحصل إيه لو رميت نفسي من هنا؟” ..أجبت:”هموت” .. ظننتك لحظتها لم تسمعني جيدا وأعدت السؤال:”لو أنا أنا رميت نفسي” .. وكررت أنت:”أنا هموت” .. وأنا التي أظن نفسي أفهمك دائما .. ليس من المرة الأولى فقط .. وإنما دون أن تتحدث أيضا .. فهمتك هذه المرة .. من المرة الثانية !!

 

 

3-9-2010

 كنت غارقة في سحابة من السكينة .. بهذه الدرجة من الإيمان التي تجعلك تعيش وعلى شفتيك ابتسامة صغيرة صافية .. وفي عينيك نظرة تفاؤل … رأسي خال من الأحلام المزعجة التي تعتريني دائما .. وفي داخلي يقين أنني حين أنام بعد قليل لن أحلم بكوابيس كثيرة ككل ليلة

صليت الفجر .. وقرأت في المصحف قليلا .. وجلست يعدها أسبح الله وأردد كل الأدعية التي سمعتها وحفظتها يوما .. قرأت دعاء سيدنا جبريل مرتين بعد أن عرفت أن من يقرؤه قبل النوم مباشرة يأتيه النبي المصطفى “عليه الصلاة والسلام” في المنام .. قرأته ثم أغمضت عيني وأنا أصلي على الرسول عليه الصلاة والسلام حتى اختفيت في النوم تماما ..

ولم يتغير شيء .. لم يتغير أي شيء .. كان نوما ممتلئا بالأحلام المزعجة والكوابيس الشريرة إلى أقصى حد .. واستيقظت من النوم على مشهد كل العروق في ذراعي نافرة جدا .. وأحد يناولني شيئا حادا ويأمرني بقطع عروقي كلها ..!

حتى في النوم لا يفارقتي هذا العذاب !

عن ماذا أريد أن أخبرك؟ عني ..ربما .. عن اليوم الذي قضيته دونك تماما ..ربما .. عن الأشياء التي أريد أن أفعلها وأؤجلها دائما بلا سبب فأكتفي بإحصائها في ورقة كي لا أنساها ولكن يبدو أن هذا غير مهم لأنني لا أعود لهذه الورقة أبدا .. عن المذاكرة التي لن يكفيها كل الوقت المتبقي على الامتحانات ولا حتى ضعفه مرتين .. وأنا عاجزة عن البدء حتى الآن وأصنع كل يوم جدولا جديدا للمذاكرة وأمزقه في اليوم التالي  .. عن الشوق الذي كاد يسحقني طوال النهار ويحولني لذرات غبار بإمكان الريح أن تطيرها إليك فتنفضها عنك دون اكتراث وأنت لا تتخيل أن الشوق بعثرني إلى الحد الذي أتى بي إليك.. عن أغنية “قهوة لـ فيروز كراوية” التي أدرتها منذ أن ظهر كوكب الزهرة حتى اختفى تماما في العاشرة وسبع وعشرون دقيقة بالضبط و أنا أقف في الشرفة قبالته أنظر إليه وأغني مع كراوية :”طب ممكن نسرق ساعة وتشرب قهوة معايا بقا “..تقول “بقا” لأنها فاض بها كثيرا ولم تعد تحتمل هذا البعد .. ويخرج الصوت من السماعات حالما ومشتاقا ..جميلا إلى الدرجة التي ينبغي معها أن يهدأ الكون كله تماما ..وينصت في صمت وإغماضة عين ..ورغم هذا..الحياة حولي لا تهتم به على الإطلاق .. صوت القطار الطويل جدا .. السيارات الذاهبة والآتية ..فلاح يشغل موتور المياه ليروي حقل الأرز .. أطفال يتشاجرون أسفل المنزل ..جار يستعد للزواج قريبا ويفرش شقته التي تشع فوضى وضوضاء وفرح  ..ضجيج لا ينتهي.. وأنا وحدي في هذا العالم هادئة تماما و مغرمة بأغنية تشتاق لفنجان قهوة معك .. عن ماذا أريد أن أخبرك أيضا .. عن تذكري بأنني لم أنظر لصورتك منذ ليلة الأمس و هذا لا يحدث إلا نادرا لكنني تجاهلت هذا وقررت أن أغمض عيني وأتذكر ملامحك وحدي .. وكالعادة أرى الحسنة الصغيرة في خدك الأيسر بوضوح تام .. وأعجز عن تحديد بقية ملامحك لأنها لا تترك مساحة في عقلي لشيء آخر .. أخبرتك كثيرا أنني أحبها ..وأنها أول شيء أتذكره بوجهك .. لكنها تزعجني في هذه اللحظة .. وتجعلني أشتاقك أكثر .. أود لو تكون نقطة شيكولاتة نسيتها وأنت طفل وبإمكاني حين أراك أن أمرر إصبعي عليها و آكلها وأنا أرى المكان حولنا يمتلىء بألواح شيكولاتا بالبندق والكريما وبالونات العلك المصابة بارتفاع في السكر و غزل بنات و كل ما يشتهيه الصغار ويحول الصيف إلى كيان طري وشهي قابل للحب والحياة وصنع بالونات الدهشة الصابونية … تعرف؟ أنا أيضا لدي في ذراعي الأيسر شامة صغيرة بشكل وبحجم حبة توت تحلم بأن تلتقطها أطراف أصابعك مرة وتزرعها في حديقة منزل يخصنا وحدنا بجوار شجر ياسمين وبرتقال وعلى الأرض نعناع كثير يغطيها تماما ويلون حياتنا بالأخضر ..

عن ماذا أريد أن أخبرك أيضا .. عن  الصباح الذي يحويني دونك هذه اللحظة وأنا أحلم بأن أخطفك من نومك ونجلس معا  نشرب قهوة صباحية ونحن نستمع لموسيقى نحبها و رأسي مائلة علي كتفك قليلا ..!

تعرف أيضا .. أنا مرعوبة من أن أرفع رأسي من على هذه الشاشة الآن ولا أراك جالسا بجواري ..مرعوبة جدا!

 

سعيدة لأنني أخيرا تمكنت من تطيير طائرة ورقية بعد أن قرأت غادة قائمة أمنياتي وفكرت أن تساعدني في تحقيق أول أمنية .. أهدتني طائرة ورقية يوم الأحد الماضي ..تفاجأت بها وسعدت إلى أقصى حد .. سعدت بتفكيرها الدائم في كيفية إسعادي ومساعدتي في تحقيق أحلامي الصغيرة جدا ..والكبيرة

شكرا بحجم الوجود كله ياغادة  :)

 

 

أعترف أنني تعثرت كثيرا حتى أتمكن من تطييرها وساعدتني أسماء بشكل كبير حد أنني كنت أتسلق سور عالي وأنا أمسك بالطائرة ..وأسماء تقف على الأرض تمسك طرف الخيط ..أنا أرفع الطائرة قدر ما أستطيع كأنني أعلقها في الهواء بيدي ..وأسماء تجري للأمام والطائرة خلفها .. وبعد أن سقطت مرات كثيرة وكدنا نفقد الأمل … نجحنا أخيرا !

الآن سأضع علامة صح ونجمة بجوار هذه الأمنية..  ثم نشرب  بيبسي ماكس معا ياغادة ..أليس كذلك؟

طيري يا طيارة …. فيروز

في حلقي وأذناي تشتعل أعواد ثقاب لا جدوى من النفخ فيها لتنطفئ وتتوقف عن إحراقي .. رأسي ثقيلة كحجر على وشك السقوط .. كنت صباح الأمس في أحسن حالاتي .. ووجدتني مع المساء أشعر بأعراض برد أحاول تدفئتها بليمون ساخن و نعناع دون فائدة .. أعطس ثلاثا ..ولا يوجد احد ليشمتني ..أتيقن أن الملائكة تفعل فأردد ثلاثا أيضا ..يهدينا الله ويهديكم .. أسخر من نفسي بعدها وأنا أتساءل هل للملائكة تمرد ونكران ؟ هل ثمة عاصي في جند السماء؟ .. أعجز عن التحدث تماما ..أزفر وتمتلىء عيني بالدموع ..جدران غرفتي لا تبتسم والمرآة مرهقة كثيرا .. لم أنم جيدا .. والصداع يشطر رأسي نصفين .. مستيقظة من الخامسة فجرا بنوم متقطع وحلم كنت فيه قارورة على سطح البحر .. المياه تملأني و أردد :”عطش يا مطر !” .. أرقد على السرير أنفر من الحرارة العالية .. لست واعية تماما لكنني متذكرة للراوند الذي لا مفر من حضوره لأن اسمي مكتوب في قائمة الاستيفاء وحوله دائرة .. والسكرتيرة حذرتني بأنني لو غبت يوم واحد إضافي فسأحرم من دخول الإمتحان .. ألعن الراوند ألف مرة .. وأسماء أختي تطل عليّ بين الحين والآخر .. تسخر بضحكة :”هتروحي المدرسة يا سارة !” .. أختي مفتونة بالأفلام وكلامها اليومي عبارة عن اقتباس من هنا وآخر من هناك .. لا أفهم ماذا تقول وأظن ان عدوى هلوستي انتقلت إليها .. أردد آية قرآنية ..أتبعها بأغنية .. أفكر في القيام لصلاة الفجر .. وفي رأسي تنطلق رقصة … أقف مع وفاء قليلا ..تهم بأن تحكي لي عن الفقد الذي يتشعب داخلها ..تضع يدها على جبهتي ..تخبرني عن الحمى التي التي تقتات على جسدي .. يأتي شاب لا أعرفه .. تعرفنا “دعاء” .. “محمد” ..يتساءل بشهقة :”دعاء شعبان؟!” يقول أن هذه أول مرة يراني فيها ..أبتسم في داخلي للمرة الأولى هذا النهار وأنا أقول في سري :”يبدو أتني مشهورة دون أن أعلم !” ..أستأذن وأمضي برأس يزداد ثقله .. لا يعاودني الابتسام .. والصورة أمامي تهتز كتلفزيون ضعيف إرساله . أعواد الثقاب بدأت تشتعل في عيني .. أنظر فأرى بومة عربية … وإذا أغلقت عيني غراب إنجليزي !

من ليلة الإثنين وهي لا تتوقف عن سماع أغنية “Early on Tuesday” .. وبما أننا الآن في صباح الأربعاء ..فجدير بها أن تفعل ..!

هذه الأغنية لكما .. أعني لها وحدها ..لأنك لم تسمعها بعد .. لكنها منذ وقت طويل تسمعها كل ثلاثاء .. كل سفر .. وهي لا تعرف هل يجب أن تحب الثلاثاء ..أم تكرهه ..لأنك تسافر في واحد وتأتي في الآخر .. ونهار سفرك لا يتبق معها شيء سوى هذه الأغنية .. أنت تضيع منها في هذا اليوم .. وتضيع الأماكن معك ..وتبقى وحدها تنتظر الثلاثاء القادم وتعد الأيام إليه بطريقة مثيرة للشفقة .. عرفت أن هذا سيحدث منذ أن كتبت في الماضي حين سافرت “يوم فارغ كصحرا”  ..رغم أنها لم تكن تعرفك جيدا بعد..ولم يخطر ببالها يومها أنك ستكون كل العمر ..وجودك كان يسعدها فقط ..بطريقة بسيطة وسهلة و واضحة ولا تدعو للشك بأن كلاكما يطمع في أكثر من هذا الفرح الصغير.

الآن أنت بعيد .. وكثيرا ما تنساها في البعد .. وهذا يثير غيظها ..ويدفعها بخيبة  إلى التفكير كطفل داعبه أخيه الأكبر قائلا :”نحن وجدناك على عتبة مسجد” .. فيلتهم الشك رأسه ..ويفسر بغباء كل تصرف تافه من والديه بأنه ابن الشارع حتما .. وبأن هذين الشخصين المللقبين بأباه وأمه لا يحبانه حقا .. يشفق على نفسه ويسخط من كل العالم حوله .. ورغم يقينها من أنها قطعة من قلبك إلا أنها تكون هذا الطفل التعيس الأحمق حين يتوراى ظلك وتسقط من تفكيرك سهوا ..تغرورق عينيها ..تتشرد في البحر ..يحفها البلل وصدى الموج.. يعتريها الألم لعودتها إلى السقف القاحل منتوفة الريش..ترهبها حين تلقيها لليل ونحيب النجوم المحترقة وتتذكر كل الأشياء إلا هي بينما هي تفقد ذاكرتها إلا إياك ..تفكر بحيرة كيف تكون معها وتحتويها فلا يراها أحد ولا تر سواك .. تنطق “حبيبتي” وتنظر إليها بطريقة تجعلها ترجوك كل مرة :”توقف” ..لكنك لا تفعل ..فتغض هي بصرها في خفقان قلبها المسموع .._نحن نفعل ذلك حين نعلم أن الجمال أمامنا فاره وباهر ..وأمر متابعتنا التحديق قد يؤدي لموت وشيك ..فالسكتات القلبية هي الأقرب للصدر المغرم_ كيف يكون كل هذا وتستطيع أن تنساها فور أن تدير ظهرك وتبتعد قليلا ..تتركها للجلوس في الشرفة بمسند خلف ظهرها وتحديق مقداره أكثر من ساعتين في كوكب الزهرة..تفكر .. حين تقترب منها ..أخبرتني أن السر يكمن أحيانا في أصوات الاقتراب .. الأكمام .. احتكاك القماش بالجلد ..ذراعك حولها ..صوت ساعدك الثابت ..وبعدها لونك على لونها ..ياه؟ ..أنى للإختلاف بينكما أن يختلط معا في إنسياب ..يرتد رأسها للخلف ..ينكشف جبينها قليلا ..وتستطيع لحظتها أن ترى ذقنها المرتفع ..إنها تنظر لقامتك في خيالها ..وأنت مطوق إياها .. محيطا بجسدها ..محكما من شد قلبها لصدرك ..فيبهت نبضها .. وحين يصير ذلك فلأنها تحبك أكثر ..فوهن القلوب لا يحدث إلا حين يقترب عشاقنا منا .. تفكر في الأيام التي تمضي دونك .. تربطها بفتلة في الأيام التي تحويك ..أمس مثلا حين ذهبت إلى المرور لاستخراج بدل فاقد لرخصتها .. تذكرت رأسها الملقى على كتفك الأيسر في قاعة السينما ..لأن اللقطات كانت تحكي عن الروتين في بلد يشبه العسل الأسود .. وكانت هي تعيش الروتين بكامل صورته .. في النهاية رأتك تضحك على صورتها البشعة في الرخصة الجديدة .. شعرت أنها تتلاشى من كل هذا وتفكر فقط في رأسها وكتفك والضحك الكثير الذي ملأكما وقتها ..تمضي على الأماكن التي مررتما بها .. تراكما ..لازلتما تضحكان وتتحدثان ..وكلما عبرتما بمكان مالت أغصان الأشجار تجاهكما ..تعيش أسبوع على تفاصيل أسبوع ..وتشتاقك … تتوقف عن الاستماع إلى الأغنية .. لكنها تمشي وهي تدندن بفقد :

The only place I wanna to be is lost with you

Yes the only place I wanna to be is lost with you

كنت في الحلم ساحرة بقوى خارقة .. أنظر لمن يضايقني بغضب فيطير للوراء ولأعلى باندفاع غير مرئي صوب وسطه .. رجليه وذراعيه مفرودتان إلى الأمام يود التشبث بالهواء  قبل أن يذهب إلى السماء مباشرة و يسهل على ملائكة الموت قطع كل هذه المسافة بين السماء والأرض لقطف روحه .. لم اكن ساحرة شريرة لكنني كنت قادرة على الإيذاء لحظة الغضب .. استيقظت من الحلم بإبتسامة مثل أن شخصا أعطاني قطعة حلوى  وتذكرته الآن حين احتجت لأن أكون هذه الساحرة لهذه اللحظة .. كنت أفتح الهوم على الفيس بوك .. ووجدت أشخاص نفد صبري عليهم ..عباراتهم مبتذلة وصورهم غير لائقة .. شعرت أن “remove” لا تكفي وأنني أود لم أضعهم أحياء في الآلة الضخمة التي سحقت جثة “آمو” .. وحرقتها ثم حولتها إلى تراب في آنية حملها طفليها ومضوا بحزن هائل انتقل منهم إليّ ودكّ قلبي .دكّا .. شعرت أن هؤلاء الأشخاص هم الجديرين بالمحرقة ..رغم أنهم لم يفعلوا على الإطلاق ما يستحق هذا .. هم فقط سيئين .. لكنني في غضبي متطرفة .. وإن كنت لا أقدم على فعل متطرف إلا أنني أتخيل أشياء بشعة لمن غضبت عليهم بإبتسامة مائلة دنيئة وفرح بخيالاتي  كصاعقة عكسية من الأرض إلى السماء أنظر لبرقها وأفرح.. جعلني هذا أعود للحلم مرة ثالثة حين تذكرتني وأن أطيرّ الناس بسحري وأبتسم ..وعرفت أنني كنت مخطئة حين فكرت دائما أن لي حياتين ..واحدة في الواقع والأخرى بالحلم .. هذا لأنني أحلم كثيرا كثيرا كثيرا بصورة غير محتملة .. بمجرد أن أغمض عيني أرى أشياء كثيرة  حتى وإن كنت مازالت نصف واعية .. كأن باب عيني هو منفذ العبور لحياتي الأخرى .. فكرت الآن أن ما يحدث هو فقط استكمال للواقع بمشاهد غير واقعية .. لازلت أتمنى أن أكون هذه الساحرة بعصاة في رأسها نجمة وشر بالغ !

لثمان ساعات متواصلة لم تترك يدي ذراع أبي .. عشت الأمان بكامل صورته وأنا سعيدة بأمنية تمنيتها في الصباح وتحققت في المساء .. بعلامات كثيرة على الدرب تجعلني أصدق أنني لن أموت قبل أن أحقق المائة أمنية.

.نهار الخميس .. كتبت الأحلام وخرجت قابلت غادة .. تمشينا قليلا وأخبرتها بأمنياتي في المدونة .. وتحدثنا كثيرا حول امكانية تحقيقها ونحن واقفين في محل ظهرنا لطاولة لا ننتبه لها .. وحين انهينا حديثنا وانتبهنا وجدناها فارغة إلا من كان بيبسي ماكس موضوع في منتصفها كأنه ينصت إلينا ويبتسم .. قالت غادة أن هذه علامة .. وأنا صدقتها إلى درجة لا تصدق .. ومشيت بعدها وأنا أتذكر رواية الخيميائي و العلامات إلى الكنز .. صدقت أنني سانتياغو  راعي الأغنام الذي سيصل إلى كنزه في النهاية لأنه فقط تتبع قلبه والعلامات .. كنت أفكر في كل هذا وأنا أقطع تذكرة إلى الأسكندرية وأركب اتوبيس الساعة الثالثة .. ذاهبة لأبي .. بنية الإقتراب منه أكثر ..لم أكن أفكر على الإطلاق في نزهة رائعة كما قال اخوتي وأحمد .. كنت أريد فقط أن أمضي يوم بصحبة أبي .. أنا وهو فقط …في الأتوبيس يجلس ورائي امرأة وطفلة في الخامسة تقريبا وطفل يصغرها بعامين أو أكثر اسمه أحمد .. الطفلة تسأله طوال الطريق بإلحاح .”بتحبني يا أحمد ؟ بتحبني يا أحمد؟” بكلمات غير مفهومة يقول لا ..فتواصل بنفس الإلحاح :”طب أعمل إيه عشان تحبني ؟ ..أسمع كلامك يا أحمد ..أسمع كلامك يا أحمد؟ ..ولا أفضل أقول أحمد من دلوقتي لحد ما نوصل ؟” واندفعت تقول أحمد دون أن تستريح وتلتقط أنفاسها لحظة :”أحمد ..أحمد .. أحمد ..أحمد ” كنت أضحك عليها وأتمتم “مسكينة مثلي تحب أحمد !” ..أحمد يتركها وينام ..بإزعاج تعلي من صوتها :”متنامش يا أحمد وتسيبني .. اصحى كلمني ..اصحى اصحى اصحى ” …تعجبت وضحكت لهذا التشابهة  الغير محتمل بيني وبينها .. هذا لأنني أفعل هذا مع أحمد كل سفر ..حدث هذا من يوم واحد فقط ..في نهار الثلاثاء .. حين أراد أن ينام في القطار وأزعجته وأيقظته ليقول لي :”أنا فاكرك ..انتي بتاعة كل مرة” .. التفت ورائي أنظر للفتاة وأنا أتيقن من أن الزمن يشبه دائرة كما قال ماركيز وأنني حين أموت ستكون هناك فتاة أخرى تقوم بدوري الذي أخذته انا من فتاة تشبهني رحلت من زمن.!

وصلت في الخامسة تقريبا ..أبي يفتح لي الباب بسعادة و “حمدالله ع السلامة” .. أستلقي للراحة قليلا .. بعدها نصلي العصر ثم أعلق يدي في ذراع أبي ونخرج معا .. نثرثر ونضحك كثيرا .. أكتشف أنني التي وضعت الحدود المكهربة بيني وبين أبي في السنوات الماضية .. و أن أبي التقط يدي فور أن مددتها .. فكرت أن أمي قد تكون السبب في هذا .._دون قصد منها بالطبع..وبقصد مني أنا_ هذا لأن علاقتي بها قوية ورائعة وكنت أتعامل مع أبي من خلالها .. كل طلباتي كنت أقولها لأمي لتنقلها إلى أبي .. أكتفي بحنانها ولا أرغب بأي شعور زائد .. ظننت أنني هكذا سعيدة حتى اكتشفت ألوانا أخرى للسعادة برفقة أبي .. هو لا يدري كيف يجعلني أستمتع .. فيقرر أن يفعل كل شيء .. يحادثني في أموري التافهة وأموره الجادة .. يمر على كل المحلات يريدني أن أشتري من كل شيء شيء .. حتى حين دخلنا محل المفاتيح لنسخ مفتاح انكسر .. تفحص المكان من أجل أي شيء يستطيع أن يجلبه لي .. رأى في العرض سلاسل كثيرة .. فقال:”أجبلك سلسلة لمفاتيحك” ..وحين أوشك أن ياتي بواحدة مسكت يده وأنا أصيح بضحكة “بابا ..استنى .. مكتوب “سلاسل كلب” !” .. ضحك وضحكت وسكت هو سريعا بينما أنا واصلت ضحكي في الداخل …ذهبنا لتناول الغداء .. ساندويتشات برجر وسفن آب لي وبيبسي له .. أخذناهم وتوجهنا إلى الكورنيش والبحر .. أنا كعادتي أسقط كاتشب وسفن على ملابسي .. أرتبك وابحث عن منديل في الحقيبة .. فأتفاجىء بأبي يخرج منديله بسرعة ويمسح ما أسقطه برفق .. لم أتوقع هذا .. وتذكرت حينما كنت طفلة صغيرة لا تفارق أبيها ..وكان يفعل هذا دائما .. عدت هذه الطفلة لهذا اليوم .. وازداد هذا الشعور حين تملكني الانهاك والتعب والسهر في نهاية اليوم وكدت أنام على نفسي ..أحسست أن أبي يود أن يحملني حتى سريري … كنت متعبة إلى أقصى حد بعد أن تمشينا من الابراهيمية حتى محطة الرمل .. كنت أنظر للسماء بين الحين والآخر أفتش عن كوكب الزهرة .. لم أجده في البداية .. وتذكرت أحمد وهو يقول في كل مرة أريه له أنه لا يشاهده إلا من شرفتنا .. كدت أصدق هذا حتى وجدته في النهاية باهتا ولا يسطع كـ كوكب الزهرة عندنا .. فكرت أنه يبهت في البعد .. مشيت وأنا رافعة رأسي أنظر إليه ..اندهشت جدا وسقطت شفتي السفلى حين جاءت طائرة ورقية يطيرها صبي على الشاطىء و وارته تماما .. للحظة آمنت أن هذه الطائرة هي قلبي الذي يشب ليرتفع قليلا فيقارب الكوكب الباهت .. ليسطع قليلا أكثر .. لم أكن أتخيل و أدعي هذا .. كنت أصدقه بكل قواي .. حدث هذا للحظة واحدة خفت على نفسي بعدها من الكتابة .. كررت في سري :”قلبي في صدري .. والطائرة لصبي على الشاطىء .. قلبي في صدري ..والطائرة لصبي على الشاطىء” .. هززت رأسي لتسقط كل الأفكار الغبية التي تشبه عنكبوت يلف عقلي بخيوطه ويكاد يلتهمه .. فكرت بعقل :كوكب الزهرة باهت لأجل أنوار المدينة المشتعلة في السماء .. فرحت لأنني الريفية التي يليق بها وبحبها ليل القرية ..حيث هناك بإمكانه أن يكبر ويسطع ..و يسكن السماء بأمان..!

أبي يقترح الذهاب لمكتبة الأسكندرية .. يعرف أنني أهوى الكتب .. نذهب هناك ونسأل فنعرف أنها تغلق في السابعة .. ندخل محل الكتب المجاور .. اتصفح العناوين سريعا ونغادر .. نصل لمحطة الرمل …أتجاهل بسعادة محلات الملابس .. وأذهب مع أبي ناحية محلات الأجهزة والأدوات ..أحب هذه الأشياء جدا من صغري .. وحين كبرت ..صار مفروضا عليّ ان أذهب مع أختى تجاه محلات الملابس التي لا أكره أكثر منها ..أكره البائعات حين ينطقن حال أن أدخل “بتدوري على حاجة معينة” ..أكره البروفات والمشاجب والملابس المعلقة ..أكره الانتظار أمام البروفا من أجل قياس بلوزة لا تعجبني لكنها تعجب أمي وأختى ..أكره كل ما يتعلق بهذه المحلات .. لهذا كنت في غاية السعادة حين دخلنا كل محلات الأجهزة نبحث عن “mp5″ كـ هدية لأمي أبي يصمم على شرائها .. نبحث عن واحد ياباني ..والمحلات زاخرة بالصيني ..أبي يشتري راديو لنفسه ..ويسخر قائلا: “الناس بتتقدم وأنا برجع ورا” ..أخبره أن الراديو هذا مزاج .. وطعم الاستماع إليه أشهى ألف مرة من الآي بود والام بي فايف وكل هذه الأشياء .. وأنا أشترك مع أبي في هذا المزاج .. من فترة كنت لا أستطيع النوم إلا إذا أدرت راديو بجواري على الإذاعات العريقة كالشرق الأوسط والبرنامج العام وصوت العرب .. أنا مفتونة بالقديم .. ويستهويني كل ما يدل على الأصالة .. أحب الأماكن القديمة والعمارات القديمة وأحتفي بأشيائي القديمة ..وربما هذا سر ولعي بالتاريخ وبرغبتي في دراسته .. نأخذ الراديو ونجلس على الكورنيش نجربه ونجرب المحطات .. كل الترددات تأتي بالشرق الأوسط .. نزوي حواجبنا ..نغير الموجة .. والشرق الأوسط لا تغادر كـ جار ثرثار مستفز ..نعود للمحل سريعا قبل أن يغلق فيقول البائع أن الإرسال سيء في الأسكندرية بأكملها .. ولو تجاوزنا حدودها ناحية العجمي مثلا فسيتضح الإرسال ..نقتنع ونغادر مرة أخرى إلى البحر .. أضع رأسي على كتف أبي ونجلس حتى الثانية صباحا نستمع لأم كلثوم تغني :”ياترى يا واحشني بتفكر في إيه ..عامل إيه الشوق معاك عامل إيه فيك الحنين ” ..تكررها طويلا وتعيد وتزيد .. وأنا لا أفكر سوى في حجم الأمان داخل قلب أبي وأنني لا أريد أن أغادر هذا القلب !

كانت الأرض مصابة بالحمى هذا النهار ومثيرة للشفقة لأنها في أشد الحاجة لكمادات مياه باردة وخافض للحرارة ورعاية مكثفة لم يفكر أحد من أبنائها أن يوليها إياها ومضوا جميعا يلعنون حرارتها وسقمها دون أن يخطر ببالهم مساعدتها .. بينما أنا كنت أمر في طريقي علي صيدليات كثيرة وأفكر : ماذا لو دخلتهم جميعا وطلبت إخراج الأدوية الشراب الخافضة للحرارة وسكبها على الأرض و  غرس الأقراص في التربة .. فهل سيتكاتف أحد معي؟ ..  مشيت وأنا أشعرني أتعرض للشواء ولا أطيق هذا الحر وأتمتم في سري :”لا بأس عليك ِ أيتها الأرض المسكينة .. أنا أشعر بكِ” ..في طريق عودتي كنت أضحك ضحكات مكتومة بيني وبين نفسي وأنا أتذكر لقطات تناولي للغداء مع صديقات أخرج معهن للمرة الأولى .. كان وقتا ممتعا و سعيدا ومجنونا وتملؤه الضحكات حتى الدموع … وسريعا نسيت الأرض ومرضها وتضامني المفروض عليّ بالقوة .. وأحسست  أنني ممتلئة بالحب كسماء تمتلىء بالسحب ..فكرت في اليوم كحياة منفصلة عن حياتي السابقة .. وأخذت أعد على أصابعي : أحب أمي لأنها أعدت لي فطوري سريعا عندما استيقظت وأصرت على أن أتناوله قبل أي شيء وكل شيء .. أحب أسماء أختي لأنها جاءت بجانبي برفق في السابعة والنصف صباحا تسألني :”الساعة سبعة ونص .. عاوزة تصحي امتى؟” قلت في نعاس :”تسعة ونص” ..فخرجت بهدوء وأخذت هاتفي الفاصل شحن ووضعته في الكهرباء” ..أحب أحمد لأنه حين هاتفني في الواحدة قال “حبيبتي” بسعادة .. وسمعتها مختلفة جدا وأحببته لأجلها ..أحب غادة لأنها بغض النظر عن كونها الفتاة الأروع على الإطلاق إلا أنها كانت على حق فيما أخبرتني به سابقا وكنت أنا أخالفها بحمق .. أحب أسماء لأنها كانت جميلة جدا هذا النهار .. ولون الطرحة الزهري والفيست المنقوش بالورود ..جعلها تشبه نسمة خفيفة في هذا الصيف .. أحب علا لأنني شعرت فور أن رأيتها شعور غير محدد لكنه سعيد ..أحب وفاء لأنها أعطتني لب خشب ..أعرفه للمرة الأولى ..وشعرت وأنا أتناوله أنني منقار الخشب وأنني في الليل سيتحول جذعي إلى جذع شجرة …كنت أقشره وأنا أتذكر ابن عم صديقتي أمل في المدرسة .. كنت أراه دوما دوما بكيس لب في يده وقشرة لب ملتصقة بشفته السفلى .. ولم أكن أعرف كيف بإمكانه أن يثبتها هكذا بعفوية دون أن تسقط ..وهذا الأمر عذبني لوقت طويل .. وجعلني أذهب كل نهار بعد خروجي من المدرسة لأشتري لب و أقشره بصورة طبيعية ثم أتحسس شفتي فلا أجد القشرة .. فآخذ واحدة وأبللها ثم أضعها بحرص شديد على شفتي السفلى .. وبعد محاولات كثيرة صعبة ومكلفة أنفقت عليها مصروفي اليومي نجحت أخيرا .. ولم أعد بعدها لشراء اللب ولا للنظر لهذا الصبي على أنه خارق !… أصل لإصبعي الثامن في العد وأقول ..أحب هبة لأنها شربت البيبسي دون مبالاة بعد تعليقي المقرف أنا و وفاء .. هذا إلى جانب أنها فتاة عفوية وقادرة على الدهشة كطفلة .. أحب مي لأن لون أحمر الشفاه كان ممتزجا مع لون الطرحة بشكل جميل جدا ورائع .. أحب هايدي لأنها قالت أنها تعرفني منذ سنوات كنت فيها “سامنتا” .. وأنها لم تتخيلني بهذا الشكل .. أحببت أنها حاولت أن تشرح هذا ولم تستطع لكنني كنت أفهم .. تقول أنني أكتب بطريقة وأعيش بطريقة .. قالت بالضبط : “بتركزي في الكتابة ..وبتضيعي في الحياة ” .. تذكرت لحظتها النهار الذي جلسته بأكمله لأفكر كيف يكون شكل الشاعر .. وكنت اتخيل الشاعر كائن خرافي ..لا علاقة له بالحياة التي نحياها .. وربما علاقته بها مختلفة تماما .. ويراها بشكل مختلف .. وعنيت هذا حرفيا .. بما يعني أنه يرى النساء الجميلات آه متكررة .. ويرى الرياح بيت شعر ويرى المربع و الدائرة سجن والمستقيم قوس كمنجة و البحر سماء مقلوبة .. والسماء بحر عاند الجاذبية وارتفع … وحين حدث ورأيت شاعرا وجدته انسانا طبيعيا جدا لا يختلف عن بائع السوبر ماركت .. وأحببت هايدي جدا .. ثم لويت شفتي لأنني  لم أجد اصبع حادي عشر لكنني أكملت  ….. أحب داليا لأن لها نظرة طفل على وشك البكاء ..بها شيئا ما يشبهني لا أعرفه .. ربما الأخضر في عينيها الذي يجعلها ترى الوجود بلون العشب الصغير النابت في قلبها .. أحب أبي لأنه قال حين وصلت المنزل :”مكلمتنيش ليه آجي آخدك عشان الحر ده” .. أحب أمي مرة أخرى دون سبب واضح .. أحب عامل الزجاج الذي رأيته يحمل لوحا زجاجيا وكاد أن يسقط منه فارتجف وانتقلت رجفته إليّ ..فشعرت لحظتها أنني كائن حي جدا ! ..أحب بائع الجرائد على الرصيف  الذي رأيته من شباك سيارة الأجرة حين كنت شادرة وأحدق فيه دون أن أراه .. فقرب يده من وجهي وأصدر صوتا ليفزعني .. وانفزعت فعلا و رأيته … وتعجبت بعدها كيف عرف هذا الشخص أنني أغرق في أشياء سيئة وتعيسة ليجيء وينقذني منها … أحب الله لأنه منحني خمس دقائق إضافية ألحق فيها صلاة الظهر ففرحت جدا .. أحب الله لأسباب واضحة وخفية لا تعد ولا تحصى .. أحب الله لأنه قال لي “كوني” … فكنت … أحب الأرض لأنها ثابتة جدا تحت قدمي وتحملني بكل هذه الأسباب الوجيهة للحب … لهذا سأدعو لها بإخلاص شديد أن تُشفى سريعا !

 

6-6-2010

يبدو أن التفكير في السعادة .. يجذبها ويجعلها تأتي على عجل .. هذا لأنني فتحت صفحة فارغة لأكتب عن مساء أمس والسعادة التي كانت تغمرني تماما ..ولم أكد أهم بأن أفعل حتى جاءتني مسج من أحمد يخبرني أنه يحبني .. سعدت جدا ..وقررت أن أكتب عن اليوم بدلا من أمس وعن قلبي الذي دق سريعا وارتبك في الدق ..لأنه فرح فجأة ..بدلا من تباطؤه في الدق أمس لأنه كان مطمئن جدا ويشعر بأمان يكفيه عمر …كنت أصنع فنجانا من الشاي بالنعناع لنفسي فرأتني أمي وطلبت أن أجعلهم اثنين .. وبعدما فعلت وضعتهم فوق الصينية وخرجت أبحث عن أمي .. وجدتها بالجنينة أسفل المنزل .. فجلست على السلم الصغير المؤدي لها ووضعت الصينية بجانبي وانتظرتها تأتي .. أمي تنادي عليّ لأذهب عندها .. أخذت الشاي وجلسنا معا أسفل شجرة برتقال بجوار النعناع النابت في الأرض نحتسي الشاي على مهل ونثرثر .. كانت حرارة النهار القاسية قد انخفضت .. والهواء المصنوع على شمس الظهيرة .. قد برد كثيرا بعد هذه الساعات ..كما الشاي الذي برد قليلا لأنه لم تمر عليه  كل هذه الساعات بعد .. الهواء يتغلغل شعري ورئتي وروحي ..ويملأني أنا و أمي .. أسندت رأسي على كتفها .. ضحكنا على أشياء كثيرة لم أعد أذكرها .. راقبنا الصبيين الواقفين أمامنا بمسافة طويلة عند نهاية البراح .. يمسكان بطائرة ورقية.. والطائرة عالية جدا جدا .. وتحلق بمهارة يمامة .. أخبرت أمي أنني أغار منهما ..وأنني طوال طفولتي كنت أحلم بطائرة تطير على هذا العلو .. ورغم انني اشتريت طائرات ورقية كثيرة من البائعين على شاطىء البحر في أيام المصيف ..إلا أنني فشلت دائما في جعلها تطير وتحلق .. حتى أبي كان يعجز عن تطييرها .. وكان يرجع السبب دائما في أنها مثقوبة ..لهذا يمر من خلالها الهواء وتسقط .. أمي قالت أن أصلا هذين الولديين لو رآهما أبي الآن سيغضب وسيطردهما لأنها يعبثان فوق الأرض المحروثة ..قالت أنها تستطيع أن تذهب هي وتطردهما وتعاقبهما بأن تأتِ لي بالطائرة .. ضحكت وأنا أعرف أنها حتى ولو فعلت فستكون هذه الطائرة اليمامة في أيديهم ..نعامة في يدي .. وستنثقب بمجرد أن ألمسها ويتغللها الهواء ولا تطير ! .. أمي تقول فجأة : “فاكرة لما كنت بغنيلك وانتي صغيرة..: يلا يا سمارا هنطير طيارة .. ونروح الجنينة ونشبك إيدينا !” أضحك مرة أخرى وأنا أتذكر هذه الأغنية بعد أن نسيتها سنوات طويلة جدا جدا ولم تأتِ برأسي مرة واحدة .. تذكرتها غابرة في الأول .. ثم اتضحت الذكرى حتى شعرت أن هذا كان أمس .. أو منذ دقائق قليلة .. أو يحدث للتو ! .. آذان المغرب يرتفع .. والليل يشرق والفناجين تفرغ .. ونواصل الجلوس قليلا ونحن نقتلع الأعشاب الضارة التي تحيط بالنعناع .. ونضعها في كيس ..ونلقي بها في الخارج .. الليل يكتمل وجوده ..أصعد لأعلى .. وفي الشرفة أنظر ناحية الغرب وأرى كوكب الزهرة ساطع جدا … أتذكر أحمد فور أن أراه .. وأبعث له بمسج .. ولا أدري السر في هذا .. لا أعرف لماذا يذكرني كوكب الزهرة بأحمد كل مساء .. هذا الكوكب يمسكني من قلبي .. و يجعلني أكمل الصفحة ..لأنها بدأت بـ ” بحبك” من أحمد .. وستنتهي بـ ” وأنا كمان بحبك ” مني …. وهكذا يكون الكمال !

حتى أعثر على روحي ..سأرتق الفراغ بالموسيقى

كيف يمكنني أن أضع يدي في رئتي ولا أشعر بأي شيء؟ ..داخلي هش جدا .. سيستغرق وقتا طويلا ليلتئم بالهواء .. فارغة مني ..كبحر فرغ من أسماكه أو سماء فرغت من غيومها أو كتاب فرغ من سطوره أو أشجار نفضت طيورها و وقفت صامتة جدا.. لا شيء يمكن أن أحكيه عني .. قائمة اهتماماتي في صفحتي الشخصية على الفيس بوك فرغت عن طريق الخطأ لتغدو أكثر صدقا .. كان مكتوبا ” كل الأشياء تستهويني بدءا من التاريخ والدين والحب والحرب حتى تتبع النمل” ..والآن ليس بإمكان أي شيء على الاطلاق مهما بلغ تشويقه ان يجذبني ..الرواية التي كدت أموت وأقرأها على المكتب منذ شهرين ونصف تماما بقلم في منتصفها ..أو قبل منتصفها بقليل ..ولا أرغب بإكمالها ..وربما أرغب لكنني فقدت الحماس الذي يجعلني أفعل ..الحكايات والأفكار التي تأتي إلى رأسي لا أريد تدوينها .. وأنساها سريعا ..لا أوزع الورود على غادة وأسماء كما أفعل كل عام ..وحين سألتني غادة من أسبوعين :”شجرة الورد عندك طلعت ورد ولا لسه؟” وأخبرتها نعم تعجبت :”وفين وردتي؟” أجبت :”أنتظر فقط أن يزهر الياسمين أيضا” وكنت كاذبة لأن هذا هو الجواب الذي طرأ على رأسي لحظتها .. تجاوزت الحد المسموح به من أيام الغياب في الكلية ..ولا أهتم ! .. السكرتيرة أخبرتني أن أذهب إليها يوم الخميس قبل الماضي “عشان تظبطني” .في الخفاء ..ولم أذهب .. كنت أعيش على السفن آب والشاي بالنعناع والفراولة المثلجة .. ولا أقارب الجبن .. الآن أفتح الثلاجة وأفتش عن الجبنة البيضاء والأرز والآيس كريم ..كنت لا اطيق التحلية التي تسببها ملعقة سكر واحدة على الفنجان .. الآن أضع ثلاث وأزيد ويبقى طعم المرارة في الشاي ..سنوات طويلة وأنا أعجز عن النوم لساعتين متواصلتين .. الآن أستيقظ للضرورة فقط …غادة تخبرني أن حياتي مملة جدا ولا أفعل بها أي شيء .. وأنا لا أشعر بالملل .. عندما يباغتني أحمد ذات فراغ ويسألني “ماذا تفعلين” فأخبره أنني أتفحص الردود على مواضيعي التي يسرقها البعض ويعيد نشرها تحت اسمه ..دون مبالاة أقرأ الردود وأبتسم وانا أعرف أنها لي .. فيقول :وليه متكونيش انتي اللى واخداها ” أندهش قليلا وحاولت مرة واحدة فقط أن أشرح أن هناك تواريخ تبين الأقدم والأحدث ..كأن هذا هو الدليل الوحيد !! .. وندمت على محاولتي للتوضيح هذه لاحقا ..إذ لا شيء أكرهه أكثر من التبرير أو الشرح .. وحين قال لي ذلك مرة أخرى ..فقط أطرقت وسكت .. كأنني السارقة التي لا تملك حيلة للدفاع وسعدت بسكوتي هذا فيما بعد .. رغم أنني حين اخبرت غادة عن هذا بغصة صغيرة ..ضحكت وقالت :”ماهو ليه حق يا دعاء.. ما انتي كلامك معانا مفيهوش أي عمق الصراحة” بادلتها الضحكة وانا أقول في داخلي “ومن قال أنني عميقة أصلا أو حتى أريد هذا .. أنا طافية كقطعة خشب لن تتمكن مهما حاولت من أن تصير سمكة .. أنا عادية جدا و ربما أقل ..ولكن هذا لا يمنع من أن اكون كـ زر قميص يحلم بأن يصير يوما حبة ذرة وينمو ويكبر .. ..كلما حاولت أن أكون أفضل ..أجدني في اسوأ حالات الارتداد ..إنني على وشك الفقد ..أنظر خلفي دائما .. يراودني اسمي وألتفت ملبية ..وما من جبل أو كهف يحتفظ بالصدى لأؤمن به .. احتجت إلى ذراعيك في تلك العتمة .. دس رأسي في صدرك كان كفيلا بأن أنفجر باكية ..أو أظل صامتة لتمسح على كتف الحزن ..مثل حيوان أليف وتختلس خدي في إصبع يداعب حتى النعاس ..كنت سأنطق بكلمات غير مفهومة ..وأخبرك بأشياء تدعو للضحك من شدة سخافتها لأعدها السبب الرئيسي في ظلمتي لكني حقيقة أمتعض مني ومن سلبيتي ومن عدم مقدرتي على الامتناع عن الدمع والمصيبة الكاملة كانت أن لا أحد يفهمني .. بالأمس بعثت ثلاث رسائل طويلة مكونة من واحد وعشرين رسالة مدمجة معا عن حلم المنزل الصغير والأطفال ونزهة نهايات الأسبوع ولم يأتيني رد ..وتم تجاهل أمنياتي كلها كأنها لم تكن .. لم أحنق وقتها .. لكنني حانقة الآن وحزينة .. وحين حاولت أن أنسى وأتسلى بمشاهدة التلفزيون باغتني مشهد أبكاني حتى ذبت في دموعي …رغم أن المشهد لم يكن دراميا جدا .. كان لفتاة ترقص على وتر حزين حزين حزين ..لم تكن مائعة لينة وإنما مكابرة إلى أقصى حد .. تتمايل ..تتهادى وتكاد تهوي ..شعرت أنها ترقص آمنة مطمئنة على الحافة ..لا تخشى السقوط والتكسر ..تخيلت لحظتها النجوم تنطفىء وتتساقط ..تنفرط من عقد منثور طالما تاقت فتاة فقيرة مثلي من لمسه .. انتهت الرقصة وشعرت بقلبي يطفو على صدري ..يحرك رأسه بحثا عنك …وما أنت عالم …قلبي لم يعد أدراجه بعد … وإن لم يجدك سريعا ..سيلتئم مكانه بالهواء أيضا !

أول أيام 2010 ..وتجد صعوبة في كتابة الرقم الذي لم تعتاد يدها عليه بعد .. وربما لأنها المرة الأولى فقط ..اليوم الجمعة ..لا شيء يميزه سوى أنه عيد ميلاد من تحب ..وتفكر طوال اليوم في كيفية اسعاده ..ولا تعني لهذا اليوم فقط ، وإنما لعمره الآتي .. استيقظت بعد التاسعة بقليل من حلم أكلت فيه التوت فأغمى عليّها..استيقظت وهي تقارب أصابعها من طرف لسانها ببطء تبحث عن طعم التوت .. لم تجد شيئا .. طعم كالمياه ..وشعور بالعطش .. أمها تناديها .. نهضت ..ذهبت إليها..حوار قصير هادىء تحول لعاصفة ..الشرر يتطاير من عين أمها وفمها لأنها خالفت أوامرها .. تحاول أن تشرح أنها فعلت قبل أن تعطيها هذه الأوامر .. تحدثت الفتاة كثيرا ..وكان حديثها كله بلا جدوى لأن أمها لم تتوقف عن اسماعها كل ما يجرحها ويفجر الدموع في وجهها ..سمعتها صامته و عجزت عن ابتلاع كل هذه الكلمات فأحسّت أنها ستموت بغصتها ! ..كانت العزلة هي الحل الأمثل .. صعدت لأعلى ..مقتنعة تماما أنها لم ترتكب أي خطأ ..لا ينتابها أي شعور بالذنب ..فقط هي تتألم من كل الرصاصات الطائشة التي اخترقتها وجعلتها تنزف كثيرا .. تشعر ببرودة شديدة في كل خلية من جسدها .. برد يكفي لإنشاء مصنح ثلج داخلها .. قلبها يرتعش .. جلست للأرض ..ملتصقة بالحائط ..دفنت رأسها في التجويف الفارغ بين ذراعيها المتقاطعين ..ترتجف بشكل واضح .. جسدها الذي يتألم مثل انك تبرد السكين عليها.. تنتفض كخوف قطرة من فم البحر .. كخريف يطرد أوراقه ..رفعت رأسها ..تربت على كتفيها بيديها المتقاطعتين ..”ستكونين بخير !” أمسكت هاتفها .. بشوق شديد لسماع صوته ..وربما لم يكن شوق بقدر ما كانت تشعر أن وحده حديثه بإمكانه أن يجعلها تبتسم وتنسى …هاتفته… لم يرد. ..البرد يقتات على أطرافها ..والغرفة المغلقة تتطبق على صدرها .. لم تعد تحتمل أكثر .. أسرعت بفتح النافذة وباب الشرفة ..الشمس رائعة .. كذهب منثور على الأرض يغريها بأن تجلس عليه ..فرشت سجادة وتناولت كتابا عن حياة محمود درويش الشعرية وبدأت القراءة وهي تشعر بالدفء يتسلل إليها كـ حبيب ..انهمكت في القراءة وتذكرت حين قالت لصديقتها أن وحدها القراءة تشغلها .. وأنها حين يطاردها الوجع في كل مكان تختبىء منه في رواية .. وتنغمس بتفاصيل ليست تفاصيلها ..وحياة ليست حياتها ..وتتهلى إلى حين ! ..لكنها لم تكن تقرأ رواية ..والسطور ليست مسلية كثيرا .. هي تقرأ لأنه ليس ثمة أمر آخر تفعله .. توقفت عن القراءة فجأة وهي تتذكر حبيبها .. الشمس بدأت تلسعها .. تهم بالوقوف .. تمسك الهاتف لتغادر الشرفة .. يتصل هو في اللحظة التي تضع يدها على الموبايل ..تتسمر في مكانها .. فرحة كطفلة ضائعة وجدها والدها للتو وأخذها ليشتري لها كل ما يشتهيه ويحبه الصغار ..ورغم أن صوته يعيدها إلى الحياة .. يعيد الحياة إليها ..ينفخ فيها من روحه .. يسحرها من وشاح ملقى بإهمال فوق سجادة إلى فتاة حية بقلب ينبض ..رغم كل هذا كان بإمكاني أن أسمع صوتها باهتا كجدار قديم .. وكل محاولاته لاستمالتها للحديث لا تنجح ..يستنتج أنها ليست متحمسة لمكالمته .. تنفي ببطء ..وداخلها يصرخ :”أرجوك ..لا تذهب !” تشعر أنها تحبه ..تحبه .. تحبه ..إلى مالا نهاية .. تنفعل بحبه كجمرة ..ومكعب الثلج الذي تسميه حنجرتها لا يخبره سوى بالقليل .!

 

هذه اليومية ليست كاملة .. حذفت أضعاف أضعاف هذه السطور .. وأنا أغير يقيني بأن كل الأشياء لا تصلح للكتابة ..أنا التي ظننت دوما أن الكتابة تصلح لكل الأشياء !

 

الثالثة والنصف بعد منتصف ليل يمضي بطيئا جدا كأنه كهل بساق مكسورة و عصا ضائعة .. وهي وحدها .. تحاول مد يدها لتساعده على المشي أسرع قليلا .. تغمض عينيها وتدعي النوم ..لا تفكر بأي شيء ..تمر ساعة ولازالت تدعي .. تستسلم لصحيانها وتحاول أن تتسلى لتنسى النظر في الساعة كل دقيقة ..تتذكر مصطفى محمودفي كتابه الأحلامالذي أنهته من بضع ساعات حين قال : “أحسن تسلية تضيع بها وقت فراغك أن تجلس وحدك في عزلة وتغمض عينيك وتتذكر العواطف التي شعرت بها وكل الدوافع التي تأرجحت بينها وكل الأفعال التي أتيتها والكلمات التي قلتها والنيات التي أخفيتها ثم تحاول أن تصل لحقيقتك وستجد أن حقيقتك ستدهشك وتفاجئك كأنها حقيقة رجل آخر لا تعرفه” ..تغمض عينيها وتبحث عن الفتاة الأخرى في داخلها .. تكتشف أن الليل الكهل يمضي في قلبها .. وليس ثمة مصباح يساعدها في البحث.. هذا بجانب أن الفتاة الأخرى لا تقف في منتصف طريق وتصيح ها أنا ذا !” ..وإنما تختبىء في طرقات ضيقة وأزقة وكلما سمعت وقع خطواتها تقترب منها ركضت لأماكن أضيق وأبعد لا تطالها الأولى .. شعرت أنها تركض داخلها و رئتيها تلهث ..توقفت بيد تستند على جدار ويد أخرى على قلبها الذي يدق كثيرا وجذعها ينثني إلى الأمام من التعب .. هذه اللعبة لا تسليها وإنما ترهقها وتستنزفها ..والفتاة الأخرى بعيدا تضحك وتكركر.. لعنت مصطفى محمود ولعنت الكتاب بأكمله.. ذكّرت نفسها أنها رغم إعجابها الشديد بهذا الكتاب إلا أنها كرهته بشدة أيضا ..لأنه قال :”المرأة كمية مهملة حتى نحبها ..فتوجد ..وفي الحقيقة نحن لا نحبها لذاتها وإنما نحب الوهم الذي صنعناه منها “!!! ..كرهته جدا حين قرأت هذه الجملة و أزاحته بعيدا عنها رغم أنها كانت قبلها تتلهف لإكماله فكانت تقرأ فصلا من أوله وآخرا من آخره بحماقة أنها هكذا ستنهيه أسرع.. هذه الجملة جعلتها تراجع كل السطور التي قرأتها لتكتشف أنها موجهة إلى الرجل فقط .. حتى في هذه الفقرة التي جعلتها تتذكر الكتاب الآن قال :”حقيقة رجل آخر لا تعرفه” …وأنه حين تحدث أخيرا عن النساء تحدث بطريقة أغاظتها جدا وأحرقت دمّها :”الكراسي والأشجار والحيوانات والنساء والفواكه تظل أشياء لا معني لها حتى نطلبها ونشتهيها ونجري وراءها فتنبض بالحياة والأهمية ” !!!! حتى حينما تحدث عن الطفولة فإنه تحدث عن الطفل الذكر ولم يتحدث عن الطفلة الأنثى على الإطلاق .. وروعة الكتاب وفلسفته العميقة وأسلوبه البسيط والساحر لا يشفع له نهائيا هذا الموقف ضد المرأة وإنما يسيء إليه أكثر لأنه كون رجل على هذا القدر من العقل والذكاء والحكمة والثقافة والوعي ويعتبر المرأة مجرد رغبة وشيء يشتهيه الرجل لا أكثر.. ويؤكد على هذه الفكرة طوال الصفحات كأن العالم فرغ من كل ما به إلا هذه الرغبة فهذا مخزي جدا ولا يُحتمل !

الرابعة والليل العجوز لا يمضي وإنما يجلس ليستريح بين دقيقة وأخرى ..نهضت من سريرها ..توضأت ..و صلّت ثم جلست في مكانها قليلا..شعرت بالبرد يخترق عظامها وملابسها الخفيفة ….وتعطس ..وضعت على كتفيها شال صوف وأدارت التلفزيون .. قلّبت القنوات عن ضجر ..أفلام..مسلسلات ..أغاني ..برامج تافهة جدا ..أخبار تعيد نفسها ..ملل ..ملل..ملل ..أغلقته سريعا و عادت لسريرها ..أخرجت الرواية من أسفل الوسادة .. “اليزابيث كوستلّولـ كوتسي” .. أول عشرين صفحة..تبدو ممتعة وتحمل طابع فلسفي مثير ..تتذكر أنها اشترتها لهذا السبب .. لأنها تريد مؤخرا أن تدرس الفلسفة .. وكل ما يخيفها أن تصبح فتاة منبوذة يكرهها أصدقائها لأنها صارت تفلسف كل الأشياء وترى الحياة من خلف نطارتها السميكة ذات الحواف السوداء ..وتنطق في حديثها كلمات صعبة و دمها ثقيل كـ الدنكوشوتية والأبيقورية والرواقية واليوتوبيا والبراجماتية والايغوسنترية ..” وتتحدث عن فرويد وسارتر ومانويل كانت و كولهر ..تطمئن نفسها أنها ستجعل كل هذا سرا ..وأنها ستدرسها فقط لتفهم العالم والحياة ونفسها ولن تخبر أحد ..لازالت تقرأ الرواية والليل الشيخ يكاد يصل إلى المسجد المجاور ليؤذن الفجر .. ربما نسي عصاه هناك عقب صلاة العشاء .. ستدعو كثيرا أن يجدها .. لأنها تعبت من إسناده كي يمشي أسرع دون فائدة ستستريح قليلا .. ربما تنام !

 

ساكنة جدا .. كريح احتبست في رئة ميتة ..رأيتها ..تصعد سلالم المستشى ببطء ..تبحث عن قسم القلب بحيرتها الأولى .. تود لو تسرع لأن الثقوب السوداء في قلبها تتسع كثيرا ..لكنها تمشي بالبطء ذاته ..لماذا تفعل هذه المرة ما توده ..وهي تتجاهل كل رغباتها منذ فترة ليست قصيرة لأنها ترغب فقط في تجاهلها ..”غباء !” ..تصل أخيرا لرفاقها ذوي القلوب الضعيفة .. الطلبة تلتف حول الدكتور وهو يشرح على احدى الرفاق .. يتكلم بسرعة ..يبتسم بين الجمل ..الطلبة يبادلونه الابتسام ..وهي تخجل من أن تبتسم في حضرة كل هذا الألم .. التأوهات تملأ العنبر .. تملأ المستشفى .. تملأها ..تشطرها نصفين .. نصف يتعذب من أجلهم .. ونصف يحسدهم لأنهم بإمكانهم رتق الثقوب بالآه .. أما هي فتمضي .. لا تتأوه .. لا تضع يدها على قلبها .. لا تدثره من البرد الذي يأكله كحبة فراولة .. تعرف أنه سليم تماما ..ولن يرتبك في الشاشات الكثيرة ..لكنها تتيقن من كونه مليء بالثقوب الصغيرة التي تضيق حتى تختفي في النهار وتتسع كثقب الأوزون في الليل حتى يصير بإمكانها أن تبتلع الكون دون غصة .. ينتهي الدكتور من الشرح .. تغادر مع بقية الطلبة إلى قاعة الراوند .. تعيش أكثر لحظات يومها غربة بين فتيان وفتيات فشلت طوال أربع سنوات مضت في معايشتهم ومجاراتهم كـ رفاق !.. تجلس بوحدتها الأولى والثانية والثالثة واللانهائية ..ساكنة جدا .. الأغنية في أذنها تتشكل على وقع النبض .. تلائم قلبها تماما ..تعدد “forty one ways to die” ..تقاطع ذراعيها على الديسك أمامها ..تلقي برأسها فوقهما .. تغمض عينيها .. لا ترى عالمهم .. تتمنى و تتمنى لو لا يراها بدوره .. تصدق أن هذا حدث .. ورغم الموت الذي ينساب داخلها بواحد وأربعين طريقة .. تخترقها أحاديث الفتيات كأسهم شاردة .. كـ “وليام تيل” فاشل يقتل ابنه بكل الطرق ..ثم يجلس بجواره يقضم التفاحة ..احداهن تشتكي أن رأسها سيحترق لكثرة الكتب التي قراتها .. تجيبها الأخرى أنها لا تمتلك صبرا تقرأ به ” ميكي ماوس” ..تغيظها الأولى ..لا تأبه  للأخيرة .ترفع رأسها لذات الرأس المحترق ..تمسك في يدها كتابا ..لا تستطيع أن ترى العنوان .. تكتشف طريقة ثانية وأربعين للموت ..تشبّ بجسدها ..تفشل مرة أخرى ..تخرج من سكونها أخيرا وتسأل ذات الرأس المحترق ا أن تريها إياه ..تناوله لها بود ..”لعنة الفراعنة …. أنيس منصور” ..ترتاح و تعيده إليها..تعود لسكونها .. حسنا ..هي تحب أنيس منصور ..ولكن الفراعنة بلعناتهم لا يستهوها كثيرا..ينتهي الراوند .. تغادر بالبطء ذاته .. وبعد ارهاق طويل على مكاتب الموظفين من أجل امضاء وطابع ودمغة ..تعود لبيتها .. أمها تشاهد برنامج ديني بعين دامعة .. تسألها عن سبب دموعها قبل أن تنتبه للبرنامج .. فتجيب أنها تحلم لو كانت أفضل .. تدخل غرفتها وهي لا تفكر بحال أفضل لنفسها .. تتكور على السرير كجنين ..ساكنة جدا .. والريح في صدرها تتحول لاعصار … في حالتها هذه تستطيع تشكيل كلمات كرماح وأسهم ..تصوبها كيف تشاء .. اجتماع ما يتضاد يؤلم كثيرا .. عليها الانتظار حتى ينصهر أحدهما !

صباحكم بالونات ملونة وشيكولاتة وطراطير ولعب وهدايا وعيديات وبمب و صواريخ و أطفال يركضون أمام البيوت ببنادق الخرز  وضحك كثير و رقص وأغنيات وموسيقى و لمّة كبيرة وفرحة لا أول لها من آخر.

 

“لأنني توصلت أنه لو حدث أن نمت ليلة واحدة بعد هذه الأيام الثلاثة نوما هنيئا دون أن تعتريني الأحلام المزعجة فسيكون هذا دليل نجاحي في عزلتي”

 

حلمت هذه الليلة بساحة كبيرة تمتلىء بالأطفال الرضّع المذبوحين وأنا في منتصفها يكاد يغمى عليّ من الهلع

24-11-2009

لست سوبر جيرل ..ولا أنتمي لملائكة تشارلي ولا أستطيع أن أطلق على نفسي أي لقب مميز لأن نفسي هذه تخذلني كثيرا..!

امممم هل يصلح هذا السطر كمقدمة لأقول أنني فشلت في اليوم الثاني فشل ذريع…حسنا هذا لا يعني أنني فشلت كليا ..لأنني لم أنتهي بعد ..ولأنني لازلت أحاول .. وهذا جيد ! ..وإن كنت شعرت بالاحباط للحظات فأنا لم أستسلم له وكأن “ساراماجو” يقف ورائي وهو يهمس في أذني:”للهزيمة وجه حسن :أنها غير نهائية ..وللانتصار وجه قبيح :أنه دائما نهائي !” ..لم أسقط كلي ..فقط أنا تعثرت بقلبي وكدت أنكفىء على وجهي لولا اليد التي أمسكتني بقوة لكيلا أقع ..!

لم أتردد كثيرا قبل أن أقرر السقوط .. هذا لأنني سقطت عن عمد ..بمعنى آخر ..لم أفكر حتى أن أجاهد نفسي ..فتحت الموبايل وهاتفته ..قرار اتخذته في لحظة واحدة لم أراجعني فيه ..ككل قرارات حياتي من أكبرها حتى أصغرها ..فكرت في هذا لأول مرة وجلست بعدها أحاول أن أتذكر مرة واحدة .._مرة واحدة فقط_.. تمهلت فيها في قرار وراجعته في رأسي أكثر من مرة ..ووجدت أن هذا لم يحدث قط .. وأنني منذ أن ولدت وأنا أنفذ كل فكرة تفكر فقط في طرق رأسي صحيحة كانت أم خاطئة ..ضايقني هذا قليلا لأنني شعرت أنني هوجاء أكثر مما ينبغي ولكنني ارتحت حين وجدتني طوال عمري أتحمل عواقب أفعالي وحدي ..ولا ألقي بأي ضرر ولو صغير جدا على أي شخص آخر_أو هكذا أظن!_ بغض النظر عن قلق أمي الذي يلازمها طوال الوقت عليّ حد أنني حين نزلت اليوم من الطابق العلوي وجدتها تتصفح المدونة كأنها تبحث بين كلماتي عن شيء ما يريح قلبها ……….لا أعلم ..فلربما كانت تبحث فقط عن شيء يبرر قلقها الغير مبرر ..تركتها في بحثها حتى انتهت ..ثم وجدتها تسأل: لماذا تفرّين كل مرة بزجاجة ماء فقط؟!..أعترف أنني اندهشت من سؤالها جدا ..لأنها تركت كل السطور وكل الحديث وكل ما في المدونة وسألتني عن كلمة عابرة لم يتوقف عندها أحد ..عرفت لحظتها أن أمي مختلفة جدا وأنها لا تقرأني كأي عابر ..سكت ثانية ثم قلت أنني فقط أعطش كثيرا ..وهذه الاجابة ليست صحيحة تماما ..لأنني لا أشرب الماء لحظة العطش فقط ..أنا أشربه حين يجف قلبي .. وحين أشعر بالحياة تقف في حلقي ..وحين أرغب بأشياء كثيرة أعجز عنها ..فلا أملك إلا أن أبلل قلبي ثم أبتلع الدنيا كقرص اسبرين وأنام .!


_طوال النهار وأنا أفكر في شيء واحد ..ماذا لو تغير هو؟ ..ماذا لو قلّ حبه لي أو انتهى؟ ..هذا التفكير أدمع عيني ..وجعلني أنوي البعد لو أحسست يوما بهذا ..لأنه الرجل الذي نجح في جعلي أنتعل السماء وأمشي ..لهذا لم يعد بإمكاني أن أرضى بما هو أدنى..!

(هل تظنني أنانية بعد أن قرات السطر السابق ..سأدعك تظن هذا ..ولكن دق في قلبي مسمارا قبل أن تظن أن باستطاعتي أذيتك ..لأن كلاهما كفيل بقتلي ! ..وفكر _حين تقرر انتقاما صغيرا مني_ ..بالأطفال ينامون على الأرصفة وتوقظهم أحذية الجنود أحيانا ..بالمساكين ينامون قبل السابعة تحسبا لفاتورة الكهرباء..بملابس اليتامى يرقعها الحظ وبقايا الاحسان من هنا وهناك ..بسكك القطار تصطك أسنانها بعد سماع حكايا الراحلين ..بصوت معدة طفل لم يأكل سوى الجوع والماء الذي تشرب منه القطط ..وحين تشعر أن هذا ليس كافيا لاثارة شفقتك ………فكر بي أعيش بدونك !)_


كان السقوط لذيذا .. يشبه الشيكولاتة التي أهداها لي والتي لازلت أشعر بطعمها في فمي حين أفتقده كثيرا ..وكنت في تلك اللحظة أفتقده أكثر من أي وقت مضى ..حتى سمعت صوته فصرت كمن يرتدي مظلة ويقفز من طائرة فوق السحاب ..يسقط في الهواء بنشوة التحليق كأنه قطرة مطر ..وحين يلامس الأرض لن يفكر في أكثر من أنه هذه اللحظة يلامس الأرض ،وكل الانتشاء والسعادة التي أحسها لن تعدو عن كونها ماضِ تلاشى سريعا كالحلم ..كالدخان !

أجمل ما في هذا النهار ..حين قال لي “أحبك جدا” ..فسكت وجاءني احساسا أن شيئا قويا وعميقا ومؤثرا يحدث .. مثل الصمت الساحر الذي يخيم على كل شخص شاملا المتفرجين في اللحظة التي تسبق تتويج الملك ..في هذا الصمت يكون الصوت المسموع فقط هو خفق زوج من اليمام يطير عبر المشهد الملكي !

أجمل ما في هذا النهار ..هزيمتي الجميلة أمام حنيني لصوته !

وأسوأ ما في هذا النهار ..هزيمتي الجميلة أمام حنيني لصوته !

 

 
 
النهار الأول من الأيام الثلاثة الني نويت العزلة فيها لأسباب كثيرة ..أهمها اكتشافي أنني لفترة طويلة لم أقاوم نفسي قط ..أفعل أشياء كثيرة ربما تكون سيئة ..لمجرد أنني أريد هذا ..كهذا الرجل الذي صادفه عمر بن الخطاب في السوق يشتري أشياء كثيره ..وحين سأله عن السبب ..برر الرجل أنه يشتهيها ..فرد عمر:”أوكلما اشتهيت اشتريت؟!” ..كأنني هذا الرجل الذي لا يجاهد نفسه قط ..و زيادة عليه لا أستطيع الالتزام بشيء ..كل الأشياء التي يجب أن أفعلها لا تتم .. لأن نفسي لا تريد ..ولأنني لا أقاومها ..فأنا أستسلم وكفى ..لهذا اتخذت قرارا بحرمانها من كل ما تحبه كوسيلة لتهذيبها واعادة سيطرتي عليها ..حرمتها منه ..من أسرتي ..من أصدقائي ..من النت ..الموسيقى ..الكتب ..حتى من الطعام .وكل ما أملكه هذه اللحظة هو زجاجة ماء …أنا لا أعاقبها ..وإنما أتصالح معها ..لتأتي لحظة واحدة أشعر فيها بالرضا التام عنها…أترك نارها تخبو كي تصير رمادا بإمكانه أن يشتعل من جديد ..أذيقها طعم الموت مرة ..كي تقدر الحياة لاحقا ..أكتشف أسوأ ما فيها كي أصل لأفضل ما بها..!

أمي تكره عزلتي لهذا قامت من عدة أشهر بافراغ غرفتي بالطابق الثاني من كل شيء وتركتها على البلاط كي لا أنزوي بها كما تعودت أن افعل ..لكنني صعدت إليها في الصباح ..وفرشت أرضيتها بسجادة كبيرة ..ثم غطيتها بوسائد كثيرة كـ سرير ..و وقفت على عتبة الغرفة أنظر لسريري الجديد أسأله :”أي الأحلام ستهديني؟!”..لأنني توصلت أنه لو حدث أن نمت ليلة واحدة بعد هذه الأيام الثلاثة نوما هنيئا دون أن تعتريني الأحلام المزعجة فسيكون هذا دليل نجاحي في عزلتي ..أعترف أنني صرت أنام كثيرا ..لكنني طوال الليل أصافح الأشباح والأموات وأقف في مقابلة ثعابين ضخمة على وشك أن تنقض عليّ ..ما لاحظته في كل هذه الأحلام هو وقوفي في مواجهة كل خطر جامدة ..رغم أن داخلي ينتفض ….إلا أنني أمثل الشجاعة على الأشباح والثعابين .هل تبدو شجاعتي تلك ذات قيمة؟ ..لا أظن!..هل لهذا علاقة بما قاله أورهان باموق:” يرى الانسان أكثر كوابيسه واقعية ..وهو متعب!”…لا أعرف!..فكرت أنه لو كانت الحياة بلا معنى ..فسيصلح حصول المرء على نوم هانىء معنى جيد لها ..قرأت من فترة طويلة عن حكيم يتحدث عن النوم كمعنى للحياة كلها ..لا أتذكر حديثه بالضبط ..ما يمكنني تذكره قوله أنه إذا تمكن المرء أثناء نهاره من مقاومة نفسه عشرة مرات ..ومصالحة نفسه عشرة مرات ..و الضحك عشرة مرات ..والتوصل لعشرة حقائق في صحيانه كي لا يواصل البحث عنها في نومه ..ثم جلس أول الليل يحصي فضائله الأربعين فسيحصل على نوم آمن مطمئن لن يضطر فيه أن يعاقب ذاته أو أن تعاقبه بأرق أو كوابيس وسيكون حينها وصل لمعنى ذات قيمة للحياة ..لا أدري ماذا جعلني أتذكر هذه الأشياء الآن والتفكير فيها ثم الاقتناع بها رغم أنني حين قرأتها لم تشغل رأسي مطلقا ولم أتوقف عندها لحظة..

بدأت يومي قبل أن أفتح عيني وأنا أسمع ضجيج الحياة في الخارج ..فعرفت أن الفجر فاتني ..رغم أنني تنبهت لحظة الآذان إلا أنني غفوت مرة أخرى ..لهذا بعين مغلقة كانت رأسي تقول :”خطأ أول: تفويت صلاة الفجر حين غفوتي متعمدة! … خطأ ثان: الضجيج بالخارج يوحي أن الساعة في حوالي العاشرة وأنتِ لم تنوي العزلة كي تبالغي في الكسل وتدللي نفسك أكثر !”..يدي تبحث عن الموبايل المغلق على الوسادة وعيني لازالت مغلقة..فتحتها حين أمسكته وضغت على زر الفتح..ثم أغلقته سريعا وأنا أواصل :”خطأ ثالث: فتحت الهاتف رغم نيتك على اغلاقه طوال الثلاثة أيام.. فقط لأن نفسك أرادت هذا وأنتِ لم تقولي لها لا !…نهضت وأنا أواصل عد أخطاء يومي الذي لم يبدأ بعد ..نظرت في المرآة و شعرت أنني جميلة هذا الصباح لولا عيني المنتفخة قليلا لأنني كنت متعبة وكنت أبكي في الحلم ..فتوجهت للمطبخ و صنعت كمادات لبن لأجل عيني ثم وضعتها عليها لعشر دقائق وأنا أتذكر صديقتي التي نصحتني مرة بكمادات اللبن بعد البكاء ..وقتها كنت أبكي كثيرا ولا أنام لأحلم وكانت عيني محمرة ومنتفخة طوال الوقت ..أما هي فكانت شخصية سعيدة على الدوام لا تهتم سوى بالموضة ومساحيق التجميل وماسكات الوجه ..لم أرها أبدا باكية ..ولم تحكي لي قط عن أي مشكلة رغم أننا كنا نتحدث كثيرا وكانت لها حكايات طويلة لا تنتهي بنقط وإنما بضحكات كثيرة أشاركها إياها وأنا أحلم في حياتي بحكايات مثلها أرويها طويلا وأوزع الضحكات على كل العابرين ..حين أعطتني نصيحة كمادات اللبن تساءلت في سري لحظتها :”كيف لفتاة مثلها أن تعرف شيئا بخصوص البكاء؟”..ونسيت هذا السؤال حتى اللحظة التي قرأت مقولة نيتشه :”ربما أعلم أكثر من غيري السبب في أن الانسان هو الحيوان الوحيد الذي يضحك ..لأنه وحده يتألم أشد الألم الذي أجبره على اختراع الضحك” ! ..بعدها لم أعد أتعجب من أن صديقتي تلك تعرف شيئا بخصوص البكاء .. وحين جلسنا بعد فترة طويلة وتجاذبنا أطراف الوجع .. كاد يصعقني حجم الألم بداخلها ..وتأكدت وقتها أن ليست كل الأشياء كما تبدو ..!

بعد منتصف النهار بقليل كدت أتراجع عن هذا كله ..أن أفتح موبايلي وأهاتفه وأتناول فطوري وأشرب عصير برتقال وأتصفح النت ثم أجلس على سريري أتابع قراءة الراوية باستمتاع ..شعرت بالندم على ما أفعل ..وبأنني أشتاقه أكثر مما أطيق ..وأنه لا داعي لهذا العذاب ..لكنني تراجعت عن تراجعي وأنا أذكر نفسي أنني أفعل كل هذا من أجل أن أخلق إرادتي ..من أجل أن أكون فتاة قوية لا يمتلكها شيء ..من أجل أن يحبني أكثر !

أجمل ما في هذا النهار هو أمي حين أتت وجلست في مواجهتي وهي تمسك معصميّ بكلتا يديها وتتحدث وهي تحركهما باتجاه بعضهما بشكل صقفة ..ثم تحركهم بشكل أسرع فلا تقابل كفوفي بعضها ولا تحدث الصقفة ..هي تضحك ..وأنا أضحك أيضا .. كثيرا ما تنسى أنني قاربت الواحد والعشرين من العمر وتلاعبني كأنني طفلة في الرابعة ..وأنا أيضا أنسى وأعود هذه الطفلة لهذه اللحظة ..!

أما أسوأ شيء ..هو أنني أتممت أربع فضائل فقط من الأربعين فضيلة ..!

 

 


 

كنت على وشك أن أخبره أنني اليوم مختلفة كثيرا كأنني لست أنا..ولست شخصا آخرا أيضا .. ولا أستطيع أن أطلق على نفسي “لا أحد” ..لأنني أشعر بوجودي دون أن أدري ماهية هذا الوجود .. كأنني يرقة في طور التحول إلى فراشة عند مرحلة من دورة حياة الكائنات نسي عالم الأحياء بنظارته المدورة وشعره الأشعث أن يسميها لأنه انشغل بأطوار أخرى أكثر أهمية و وضوحا منها ..كنت على وشك أن أخبره أنني أستنزفني منذ الصباح و أفكر في أشياء كثيرة جدا لا أكاد أميز منها شيء أو أن أصل لشيء و لا أستطيع أن أشرحها أو أحكي عنها لكنني أشعر بها بصورة لا يمكنني تجاهلها ..وكل ما يمكنني فعله حيالها أن أضغط بسبابتي على جانبي صدغي وأنا أنطق :”الألم هنا تماما وليس بأحد عالم”..فكرت أنني سأجن لو لم أهز رأسي كثيرا وأنفض عنها كل هذا الغبار الذي يحجبني عن العالم ..ويحجب العالم عني ..لكنه في كل مرة كان يتكوم أكثر وينهكني نفضه دون جدوى فتوقفت اطمئن نفسي بأنني أملك من الغباء ما يحميني من الجنون حتى آخر العمر ..ألقيت بجسدي على السرير برأس دامع وأنا أتمتم :”ساعدني يا الله !” ..وحده الله يأبه لي وبإمكانه دوما أن يفهمني دون محاولاتي الواهية للشرح .. أثق أن الله يهتم لأمري حقا ..لكنني لا أثق بأى كائن على الأرض يمكنني أن أسكب رأسي في كفيه بيقين أن ما سيبديه من اهتمام لن يكون زائفا بالقدر الذي سيتطلبه الموقف ..ماذا أفعل إذا كان الشك يعتريني في كل شيء ..كل شيء بلا استثناء حتى أن كل القناعات والقيم والمبادىء والثوابت التي كنت أمتلكها بالأمس فقط ..فرت من يدي كالماء ..لأكتشف أن قبضتي لا تحوي سوى الفراغ ..وحين حاولت طوال النهار اللجوء للكتب وجدتني أشك في صدق كل سطر أقرأه..لأنني لا أثق في الأساس بمن كتب ..أنا الآن فتاة فارغة إلا من هواء يعصف !

منذ قليل كنت أتصفح دفاتر قديمة مكتوبة برصاص بهت كثيرا  فوق الأوراق التي تغير لونها للأصفر مما جعلني أراجع تواريخ كل الصفحات لأكتشف أن العمر يمر سريعا حقا ويمضي وكأنه لم يكن.. وأننا عند النهاية سنكتشف أن كل هذا كان كفرقعة اصبعين في الهواء لم يبق من صداها شيء وكل ما يسعنا فعله هو محاولات فاشلة للقبض عليه و لكن لولاها لما صدقنا أن كل ما مرّنا مرنا فعلا ..كـ ألبوم صور أو يوميات كانت تُكتب بدقة متناهية اكتشفتها وأنا أقرأ شهر نوفمبر لعام 2004..رغم أنني كنت أكتب باللغة العامية وبأسلوب رث كثيرا .. إلا أنني لم أكن أنسى تفصيلة واحدة مرت بيومي أو رأسي حد أن ساعتين فقط من اليوم كنت أدونهما في ثلاث ورقات وأكثر ..وأتساءل الآن كيف امتلكت كل هذا الصبر والدقة الذي كتبت بهما هذه اليوميات ..لكنني ضحكت من نفسي حين انتبهت أنني في هذا العام كنت بالصف الثالت الثانوي .. وكان بإمكاني أن افعل أي شيء بالدنيا لأهرب من المذاكرة التي حولها عفريت “الثانوية العامة” لشيء بغيض للغاية لم أفلح في التكيف معه سوى في يوم 3-5-2005 تحديدا بعد أن أخذنا أبي في اليوم السابق في فسحة رائعة لم تتكرر روعتها حتى الآن ..في مقابل أن أذاكر شهرين فقط ..أفعل بعدهما ما أريد في حياتي كلها ..ورغم أن هذا لم يتنفذ كليا حتى الآن ..لكنني أعرف أنني يوما ما سأصل للكل الذي أريده !

توقفت كثيرا عند عبارة :”I hate myself ..although I love it more than any one can do !” ..كتبتها في فترة امتلكت فيها كل الأسباب الكافية لأن أكره نفسي ..لكنني كنت أعرف في أعماقي أنني أحبني كثيرا ..أعرف أن كلنا نحب أنفسنا ..ولكن هل ثمة خطأ لو قلت أنني أحبني أكثر مما ينبغي ؟ ..أعني أنني أحب اسمي كثيرا .. وحين أمسك قلما وأشرد أكتشف حين أعود من شرودي أن الأوراق تمتلىء باسمي وتفيض .. وأنني حين أريد أن أكتب شيئا ما وأعجز ..أو حين أحتار في الكتابة ..فأنا أكتب اسمي وأغلق الصفحة برضا تام !

أحب شكلي ..حتى عندما يذبل وجهي وأعرف أنه باهت جدا وليس جميلا ..ولكن ألا يكفي أني أحب شكلي أنني لا أرى في نفسي حاجة لأي رتوش حين أريد الخروج !

أحب كل ما أكتبه ..وإن كنت لا أعيد قراءته إلا فيما ندر ..إلا أنني أحب كتاباتي جدا حد أنني رفضت فكرة صديقة بتقدمي لمسابقة أدبية في الجامعة لأنني لا أتقبل أن يحكم أحدهم عليها أنها سيئة ..حتى ولو كانت سيئة جدا وكنت على دراية كاملة بمدى سوءها ..فأنا أعرف جيدا أنها ليست الأفضل وربما لا تكون جيدة على الاطلاق ..لكنني أحبها جدا .وأرفض مقارنتها مع كتابة أخرى !

أحب اختياراتي كلها ..بدءا من الأشخاص الموجودين في حياتي حتى أصغر أصغر الأشياء وأنا أثق أنهم الأفضل في كل شيء وليس هناك من هم افضل وإن اكتشفت عيوبهم فيما بعد ..فأنا أحبها أيضا ..لأنها فقط ..جزءا من اختياراتي .

أحبني حين تأخذ كل الأشياء في الانحدار ..فأرفع رأسي ..!

بكل بساطة أنا أحبني من أقصاي إلى أقصاي … فهل في حبي هذا أمر غير عادي؟


ما نويت فعله هذه اللحظة هو شراء دفتر جديد وقلم رصاص جديد وتدوين التفاصيل الصغيرة جدا جدا حتى نهاية الشهر !

أول أول ما أفعله عند اقترابي من باب المنزل هو نزع الدبابيس من الطرحة لأخلعها فور تجاوزى لعتبة البيت .. ومن ثم أحل عقدة شعري وأطلق سراحه حتى صباح آخر .

لم أتعود أبدا على مشابك الشعر ..كانت في طفولتي أكثر شيء يبكيني رغم ألوانها وأشكالها الكثيرة التي تشبه قلوب الصغار ولعبهم .. والتي حرصت أمي دائما على شرائها بشكل كل الأشياء التي أحبها لتغويني بارتدائها كـفراولة كنت أفشل في التهامها وأحزن و نجوم كانت تلمع وتضيء بطريقة جعلتني أكرهها لأن أمي نسيت أن شعري وقتها لم يكن الليل وأن الشمس تشرق في خصلاته وتسطع وأن هذه النجوم لا تناسبني كثيرا… بالإضافة لطيور صغيرة فاردة جناحيها تأمل أن تطير من رأسي سريعا وفي منقارها عدة شعرات توزعها على أعشاش الطيور الفقيرة التي لا تملك سوى القش .

كل هذه الحيل لم تفلح يوما في جعلي أرغب بهذه القيود وأفرح بها ..وأفهم الآن أن اختلافي عن اخوتي كان في حلّي لعقدة شعرى كرغبة في التعبير عن حريتي ..وإن شبّهني أبي دائما بالغجر .. فلا يهم ..وإن اصطنعت الغضب  من هذا التشبيه فأنا سعيدة به في سرّي لأنني أتذكر حكايات الغجر التي أحببتها كثيرا في قرية موكاندو وأحلم بانضمامي لسيركهم الذي يتنقل بين البلاد يحتفل بالحياة ويسعد الصغار والكبار ويمضي ..!

أكتب هذا كله الآن _في السادسة والنصف صباحا على التحديد_ لأنني انتبهت منذ قليل بالمصادفة أنني تجاوزت عتبة المنزل مما يزيد عن 15 ساعة ولازال شعري معقودا ..لم أندهش وأتساءل :”كيف نسيت أن أحلّه؟!” لأن سؤالا آخرا يطاردني بإلحاح :” هل لهذا علاقة بشعوري منذ الأمس أن هناك حبل ملفوف حول قلبي يعتصره ببطء ليخرج الدم منه قطرات ضئيلة لا تكفي للنبض فأجلس بوهن في ركن الغرفة عاجزة عن الانضمام لاحتفالات الحياة مع جماعات الغجر؟!”

4757076-lg

سأحكي لكِ عن الغياب يا وفاء ..عن الفقد الذي يتشعب وينتشر داخلي كماء انسكب و أجهل كيف اوقف جريانه .. لأنني أعيش الغياب الآن بصورة لن تتخيليها قط .. ولم أتخيلني أنا يوما عليها .. هل ستصدقين لو أخبرتك أن دعاء تنام كثيرا .. وكثيرا هذه لا تعني ثلاث أو أربع ساعات كما تعودت .. ولكن تعني أنها بالكاد تستيقظ .. وهذا غريب لأنها حين شعرت أنها ستختفي في الحب مرة أخرى ظنت أن النوم سيجافيها إلى ماشاء الله وسيشطرها السهر وانشغال البال ..وكان بإمكان هذا أن يحدث فعلا لو لم يكن هو الرجل الذي بعثه الله إليّها ليهبها أمان عمرها الضائع وراحة بال عمرها الآتي ..فتعود في وجوده طفلة ترغب فقط في تناول الآيس كريم و تشعر بالسعادة دون أن تفكر أنها سعيدة ..ليس أكثر من ..هو معها ..هي معه.. طفلة ذاكرتها سبورة جديدة تماما ..خالية من الخدوش.. دعته ليكتب عليها أجمل الحكايا .. لكنه تجاهل دعوتها للكتابة .. وفعل ما رآه مناسبا لطفلة أكثر ..فأحضر طباشيره الملون و رسم بيتا ريفيا صغيرا في مقابلته شجرة برتقال وحبل غسيل يمتد من النافذة إلى فرع الشجرة ..عليه أفرد أنا قمصانه بينما هو يلون الأرض بالأخضر .. حينها وقفت أمام رسمته تلك كثيرا باندهاش كبير أفكر فقط :”كم يفهمني هذا الرجل !”

أخبريني عن نظريتك التي ذكرتيها وفاء .. لأنني حين امتنعت عن الكتابة وطويت الرواية على قلم إلى حين لا أعرفه بعد .. ثم تماديت في الاختفاء عن كل الأشياء إلا عنه  كنت أريد فقط أن أعود فتاة ساذجة جدا لا تملك أية أسلحة تقاوم بها حبه الذي يجتاحها باستبداد .. ويسيطر علي قلبها بطريقة أشبه بالفتوحات منها للغزو  رغم أنها ليست حربا “اطلاقا” .. وأن قلبها هو ما تفتّح له.. كباب كهربائي انفتح بمجرد اقترابه منه.. لهذا لم يكن هناك من داعي لأن أعلن استسلامي وأرفع راية بيضاء.. أو حتى حمراء وأدعي المقاومة ..وإن لمحني أحد أقف في مواجهته بـ راية ما ..فسيتساءل حتما عن معنى راية بشكل قوس قزح  تحمل كل الألوان بفرح  ..هذا لأن حبه لم يأتني على هيئة غارات عشقية تضرم النار في قلبي وتمضي ..ولا عواصف تقتلع أشجار غاباتي وتختفي .. لأنه الرجل الذي يمشي بهدوء على حواف دروبي كلها .. وهو يغرس أغصان الزيتون بسلام .. ويغني لسرب الحمام الضائع عله يأتي وفي منقاره قش كثير يجعلني به وطن ..!

غبت بارادتي أياما يا وفاء..أياما بدلت فيها كل عاداتي حتى نوع الموسيقى الذي أحبها دون أن أنتبه أنني أفعل هذا حقا إلا حينما قفشتني أختي أغني :”متحيرة ومتغيرة .. وكأني لسه صغيرة”..فاتسعت عيناها وهي تهتف :” دعاااااااء !..فين موسيقتك وأغانيكي الغريبة؟!!.. الحب شكله غيّرك كتير وبقيتي _بالقاف_ تسمعي أغاني البنات الطبيعية !”.. فعرفت لحظتها أنني عدت فتاة ساذجة جدا ..ولكن ليس بإرادتي !

أنا الآن غائبة عن كل شيء يا وفاء ..ليس لأنني مختفية في الحب .. ولكن لأن شيئا ما يدفعني نحو الغياب .. غائبة عن النت .. عن الراوند .. عن الاصدقاء .. عن الروايات .. عن المدونة .. عن الموسيقى .. عن كل شيء وأي شيء .. حتى عن دعاء نفسها .. أنا في مكان بعيد أجهله غاب فيه هو .. وحتى يعود .. لا طاقة لي بهذا الفقد !

6192363-lg

غـــيــــــــــــــــــــــــــــاب

love

طوال النهار وأنا أحاول أن أحصي قطرات الفرح التي غمرتني بها في أيام قليلة.. حتى شعرت أن العطش/الحزن لن يقاربني مرة أخرى وبأنني ارتويت إلى الأبد..كأنني شربت شربة لا أظمأ/أحزن بعدها أبدا.. كنت أتساءل: هل بالجنة نهر اسمه الفرح؟ ..لو كان ..لكنت صدقت أن الله يسكبه في قلبك ..كي تأتي إليّ و تقطّره على قلبي ..قطرة ..قطرة .. وكل قطرة تغمرني كشلال يدفعني إلى حيث تيارات الفرح ..لأكون جزءا من معجزة أبدية ..تبدأ في السماء ..وتنتهي في قلبي !

معجزة لم تحدث قبل الآن لأن كلانا كان ينطق السحر بطريقة خاطئة !

معجزة اكتمال البدايات بنهاياتها حين تكون أنت السماء وأنا الأرض ..أنت المطر وأنا العشب ..أنت النهر وأنا المصب ..أنت النجمة وأنا الضوء..أنت الرياح وأنا الشراع ..أنت البوصلة وأنا الجهات ..أنت الجناحان وأنا الجسد ..!

معجزة صغيرة جدا بحجم الفراغات بين أصابعي حين تشغلها أصابعك !

لو مت الآن فسأكون راضية تماما عني .. لأنني أخيرا عشت !


تأكدت اليوم أن الله يحميني بكل الطرق الممكنة والمستحيلة !


8634056-md

سحر صديقتي تدعوني للانضمام لفريق المسرح ..لا أعرف لماذا جاءتني أنا بالذات لتقدم لي هذه الدعوة .. لم أسألها ..لكنني شعرت بلمعة في عيني أضاءت الصورة أمامي للحظة ..بحاجبين مرفوعين ليتيحا لبقية ملامحي مساحة أكبر للتهليل.. “وااااااو..فريق المسرح!!” تعلقت بالفكرة كطفل يتشبث بكل المشاوير وينطق لكل شيء :”أنا عاوز من ده !” ..بنفس حماسي الكبير من عدة أيام حين علقني صديق في مشوار لمبارة مصر والجزائر ..وتركني معلقة حانقة ..لأن أمي رفضت ..دون أن تعطيني مساحة ضيقة حتى للنقاش ..فجلست بجوارها أزفر واتمتم:” يووووه بقا .. كل حاجه لأ ..لأ!” .. وهي تتصفح كتاب في يدها وتتظاهر  بعدم سماعي ..أعلي من نبرة صوتي .. ولا فائدة ..تبدو منهمكة بالقراءة جدا .. أعود لغرفتي بدبدبة في الأرض و حنق متزايد ..غاضبة من صديقي الذي علقني بفكرة على ارتفاع سطح منزلنا ومضى.. يدي متشبثة بالسور ..جسدي متدلي لأسفل وأصابعي تتزحلق .. نفس الوضع الذي تركني عليه ابن عمي أمس حين اقترح مشوار مجنون جدا إلى مولد السيد البدوي _الذي يوافق اليوم_ “الليلة الكبيرة” كما يقول ..يخبرني عن ” الشوادر” ..فتعلو علامة الاستفهام رأسي كما في أفلام الكرتون ..يشرح : شوادر جمع شاردة وهي خيمة كبيرة للذكر ..شعرت لثانية أنني أتحدث مع المعجم المحيط! ..أسأله : هل يتطوحون هناك وهم يهتفون :”الله حي .. سعده جي” .. ينفي وينقطع الخط دون تفاصيل أكثر .. وبالطبع لا أحاول الذهاب لأمي والاستئذان منها لأنها هذه المرة لن تنهمك في القراءة وتدعى عدم سماعي كما فعلت من عدة أيام ..وإنما (………………) .. تجنبت الشر وجلست وحدي أتخيل “القراطيس” الملونة ..والرجل الذي يدور وهو يشبه الطاحونة دون أن يسقط أو ينتابه الدوار .. و”مراجيح الموالد” التي لم أرها في حياتي سوى على شاشات التلفزيون .. هذا إلى جانب المجانين اللذين سأتأملهم بدهشة ونظرة ساخرة وهم يتمسحون بضريح سيدي “مش عارف ايه” وتتوسل احداهن :”سايق عليك النبي الواد يقبل في المدرسة السنة دي !” ..لو ذهبت اليوم سيكون أجرأ ما أقدمت على فعله هذا العام .. لكن ما الجدوى من ذهابي ..وأنا أعرف أنني سأعود بلا “حمص” _لأنني لا أحبه أصلا_ ..ولا يوجد مولد بلا حمص .. زفرة أخرى دون تمتمة ودبدبة هذا المرة ..وأعود لجسدي المعلق في الهواء للمرة الثالثة في أسبوع واحد  بسبب فكرة المسرح هذه ..سحر تتمنى قدومي .. و تشجعني للذهاب .. وأنا بعد كل التعابير الحماسية التي ظهرت على وجهي أخبرها أنني سأفكر في الأمر  .. تقول أنني سأقوم أولا بتأدية دور صغير من رأسي أمام المخرج كي يقرر إن كنت أصلح أو لا ..فكرت لحظتها أنني سأمثل مشهد من فيلم “gone with the wind” حين عادت سكارليت أوهارا إلى “تارا” بعد أن حرقها الشماليون.. تكاد تموت من الجوع تنحني على الأرض تفتش في الحقل عن شيء تأكله حتى تجد جزرة يابسة_ وهي أميرة القصور_ فتقوم وتقف في مكانها وهي تمسك الجزرة وتقول بمرارة وقوة :” أقسم أني لن أجوع ثانية ..حتى لو اضطررت أن أكذب أو أخدع أو أسرق أو حتى أقتل ..لكن أقسم أني لن أجوع ثانية” هذه الجملة التي لخصت شخصية سكارليت أوهارا في الفيلم بأكمله .. _أعشقها !_

ما يهم أنني تراجعت عن الموضوع بأكمله حين تذكرت آخر مسرحية شاركت بها في أيام المدرسة .. حين جعلوني أرتدي شيئا أبيضا فضفاض جدا بتفصيلة غريبة لا أعرف كيف تمكنت من ارتدائه لكنني كرهت شكلي جدا به ..ولم يكن هناك مساحة للاعتراض أو التراجع .. وما زاد الطين بلة ..الكحل الذي أخفوا به عيني حتى شعرت بدائرتان سوداوتان يكادا يبلعا وجهي والضوء القادم إليه..كأنهما هاويتان لا عينان .. كنت أمتلك جسد ملاك و وجه شيطان .. وكنت في الدور أفرد ذراعي أمامي وأتفوه بكلام لا أتذكره الآن .. لأنه لم يكن كلام مضحك ولا شيق ..كان حديثا لا أفهمه ..ساعدني أحدهم في حفظه ورددته بغباء كببغان ..مع بعض الحركات كبهلوان … أووووه هذا سيء جدا …لن أعيد التجربة مرة أخرى … آسفة يا سحر !

9799335-mdأبي لم يوقظني هذا الصباح .. رغم أن الوقت تأخر .. كأنه لم يرَ باب الغرفة مغلقا .. والشبابيك ايضا ..كل أشيائي ساكنة كأن الليل تكوم على النهار .دولابي مغلق كـ سر .. الشاشة مطفية .. ولا تنبض بالأصدقاء الداخلين والخارجين في الماسنجر .. كشهيق و زفير ..الفوضى مرتبة و مطوية بعناية و ترجوني أن أستيقظ سريعا لأبعثرها وأنشرها مع الموسيقى كأنني أقف كل صباح على سطح بناية عالية تداعب السحاب وأنثرها كالمطر .. كل الهدوء و كل الصمت يشي بأنني لم أنهض بعد ..وأبي لم ينتبه لهذه الوشايات على غير العادة ..رغم أنني شعرته يفتح باب الغرفة مرة ثم يغلقه .. كأنه لم يراني !! .. صحوت باستغراب وضيق لأنني تعودت على اسطوانات الصباح التي أسمعها منه والتي صارت تشبه في أذني : ” يا حلو صبح يا حلو طل .. يا حلو صبح نهارنا فل!”..بدلت ملابسي في عشر دقائق استطعت خلالها أن أقلب غرفتي رأسا على عقب كأن قنبلة انفجرت في الحجرة وخرجت وأنا أقول :” ماشاء الله علي ..أنا أتطور” .. الدولاب مفتوح على مصراعيه والملابس متدلية منه كلسان يغيظ به كل من يفكر دخول الغرفة في غيابي .. أو يحاول التذمر من المنظر ..حقائبي مكومة على المكتب .. الرجل في السماعات يغني بحماس .. والأحذية مبعثرة مع ملابس النوم على الأرض .. الغرفة تحتاج للاستئصال فورا من المنزل ..أنظر لها مرة أخيرة ثم أذهب إلى الراوند .. ولأنني دائما متأخرة .. فتكون المقاعد كلها مشغولة وأقف دقيقتين حتى أكتشف مقعد شاغر أو حتى يدلني أحدهم عليه .. هذه المرة رغم أن القاعة كانت ممتلئة عن آخرها ..إلا أنني وجدت كرسي بسهولة وجلست عليه دون أن ينتبه أحد لدخولي ..أويتلفت حوله لمساعدتي في إيجاد واحدا ..هذا دفعني لأتساءل :هل شعر أحد بقدومي؟ .. هل رآني أحد ؟ .. جلست ولم أشعر بنظرات خالد زميلي التي تراقبني طوال الوقت ..والذي أتجنب النظر في اتجاهه دائما كي لا يظن أنني أبادله النظرات ..لأن كل شاب يتخيل أن أي فتاة تنظر في الاتجاه الذي يجلس به..فهي تنظر إليه .. أحدهم قال لي مما يزيد عن 6 سنوات ..أنه في كل مرة تمر فتاة من أمامه فتعدل من وضع طرحتها .. أو تنظر لشيء ما خلفه .. فهو يتأكد من أنها تحاول لفت نظره .. وفيما بعد اكتشفت أن كل الرجال يفكرن بهذه الطريقة .. ولن أبرأ الفتيات .. فأنا أدري أن معظم الفتيات يحاولن جذب أنظار معظم الشباب .. لكنهن لا يقصدن هذا الشاب تحديدا كما يتخيل كل واحد منهم .. ما يهم أنني عرفت بعد قليل أن خالد غير موجود .. رغم أنني أردته اليوم فقط أن يأتي وينظر إلي لأشعر أنني موجودة_ فقط _… جلست في أحد الجوانب وحدي أستمع لشرح الدكتور .. دون زميلة تخبرني بأي شيء بين وقت وآخر .. ودون زميل أتفادى النظر باتجاهه ..انتهى الراوند .. وصعدت للدور الأعلى لأثبت حضوري .. رفضت السكرتيرة وكتبتني غياب .. أقسم لها أنني حضرت الراوند من بدايته .. وهي تصر .. وتخبرني أن تسجيل الحضور في بداية الرواند .. وليس في نهايته .. ألوي شفتي بامتعاض ..وأنزل السلالم وحدي ..و أنا الوحيدة .. أتوحد أكثر .. أضع السماعات في أذني ..والموسيقى تهيج كبحر ..أجلس في الكلية طويلا ..انتظر قدوم الأصدقاء .. لا أحد يأتي .. اهاتفهم .. لا أحد يرد ..تمر صديقة مسرعة .. ألمحها من ظهرها .. لا أفكر بمناداتها لأنني صرت أعرف أن صوتي الذي لا يتكىء وهنه على شيء سيسقط في الفراغ ..ولن يصل… أغادر .. أعود لغرفتي ..وأنظر في المرآة طويلا .. المرآة تراني .. أغلق عيني .. أصوّر المرآة وعيني مغلقة .. أيضا تراني .. أضع “طرحة” زرقاء على شعري .. تراني … أرتدي نظارة شمسية .. تراني ..أروح وأجيء .. أصنع عصير برتقال ..وأعود أشربه أمام المرآة .. تراني … تراني … تراني …! .. لماذا شعرت إذن طوال اليوم أنني غير مرئية !

9172522-md

from heaven to dust

لن أقول أنني فتاة بقلب جريح مكسور فائض بالخيبة .. لأنني لا أجيد تمثيل هذا الدور .. وكما أخبر صديقي دائما :” أنا فتاة صامدة .. صامدة حتى النهاية .. وإن كنت أتألم أو أفتعل الألم أحيانا .. فأنا أستطيع تجاوز أي شيء .. مهما كان ” .. كل الطعنات التي أصابت قلبي مباشرة تدوات والتأمت تماما من فترة لن أسميها قصيرة وإن كانت كذلك .. لأنني لا أملك إلا عمري .. ويوم واحد هو شيء كبير جدا أندم على تفويته .. ولكن كل الجروح والاصابات  تحتاج بعد مداواتها لعلاج طبيعي ..لطبيب يعيد الحياة في الجزء الذي أنهكه الجرح وأضعفه سوء الاستخدام .. وهذا ما يحتاجه قلبي تماما .. سلامته من أي خدش في هذه اللحظة لا يعني أنه سيقوم بوظيفته بأحسن ما يمكنه أن يفعل .. في الحقيقة كنت أعتقد هذا .. كنت أعتقد أنه برأ تماما حين ألقيت بقميص الحب على وجهه فارتد نابضا .. حين اعتقدت أنني بإمكاني أن أتبع العلامات على الدرب وأخطو بثقة مرة أخرى وأنا أردد قصيدة لمحمود درويش تشبه :” هنالك حب صغير يسير على قدميه الحريرتين ..حب فقير يبلله مطر عابر ..فيفيض على العابرين”* .. كأنني أمتلك قلب صبية في الرابعة عشر من عمرها .. في الصف الثاني الثانوي على التحديد .. حين يكون العالم كله لا يزن مثقال ذرة من خردل في قلبها .. و تمضي وهي تفكر في لون الدماء في شرايينها الزرقاء .. وتقبض يدها وتبسطها وتتخيل .. هكذا يدق قلبها ..! وتعيد حركة يدها ذاتها بشكل أسرع وأسرع حين تخجل .. وحين تضطرب .. حين تحب .. وحين تعشق.. حين تخاف .. وحين تفرح .. وحين تلهث وراء أشياء كثيرة لن تطالها في النهاية .. لكنها تتيقن من أن قلبها يدق أسرع وأسرع بتناغم لا مثيل له مع انقباض يدها وانبساطها …! كانت فتاة ساذجة جدا .. تفكر في قلبها ورئتيها كثيرا .. وتدعي أحيانا أنها تحب من كل رئتيها .. وحين يصحح لها أحدهم :” أنتِ تحبين من كل قلبك !” تنفي بشدة .. وتجزم أن الهواء العالق على رئتيها تخلل يوما رئة من تحب حين وقفت في مواجهته ذات صدفة وقت لم تقدر الدماء أن تفعل شيئا يربطهما معا كما الهواء .. تدعي أنها ستحتمل توقف قلبها عن الدق .. لكنها لن تحتمل أبدا توقف رئتيها عن التنفس .. لأنها حين كانت طفلة تسبح مع صبي في الحادية عشر  من العمر ويلهوان معا بفريقي الغواصين البلاستيكي الذي يحمل السيوف .. ويتبارى في الوصول إلى الكنز المفقود في أعماق البحار .. فكرت بطمع أن تستولى على فريقه وتصل إلى الكنز وحدها لكنه غضب و وأمسك برأسها وغمره تحت الماء وهو يضحك على غرقها الوشيك .. لم تستطع التنفس ..شعرت بالماء في رئتيها وكادت تموت لأن كل الهواء على الأرض عجز عن الوصول إليها بينما كان قلبها يستمر في الدق دون مبالاة .. _ربما أسرع قليلا؟ … ربما_ شعرت به يدق .. ولم تتمكن هذه المرة من أن تقبض يدها وتبسطها مع نغمته .. كل ما احتاجته كان أن تتنفس فقط !.. بعدها لم تستطع أن تقول أنها تحب من كل قلبها .. لأن رئتيها صارتا الأهم .. وصارت عبارة غزل تشبه :”قلبي يدق بك” .. لا تساوي شيئا بجوار :” أنا أتنفسك” ..

أوووووووه .. تعبت  وسأعترف ! .. لا أمتلك الصمود الذي أتحدث عنه في كل دقيقة .. أنا أتهشم كآنية .. قابلة للكسر كغصن طري .. وتتقاذفني الرياح كالورق الجاف .. وأريد شخص يعاملني بالمس … كأنني ثلج مبشور في راحتيه .. عبثا يحاول دسه عن الشمس كي لا يذوب !

3809602-md

ستكون جملة ساذجة جدا لو قلت “يبدو أن هناك شيئا ما في الهواء أو الماء يجعلنا نُرهق سريعا” ..لأن كل الأصدقاء يحدثونني عن تعبهم والصداع الذي يفتك برأسهم عقب أي جهد تافه .. رغم أنهم كانوا أكثر احتمالا وقوة في السابق .. لا أحد يعرف سبب محدد لهذا التعب .. أو سبب يمكننا تعميمه علينا جميعا .. صديقة تفكر أن الصداع قد يرجع لعملية “الليزك” التي أجرتها مؤخرا ..وصديق رياضي يفكر بأن أصدقاءه الغير رياضيين لا يتعبون سريعا مثله رغم أن العكس يجب أن يكون الصحيح ..أخرى تقول بيقين أن السبب هو تغذيتها غير السليمة والريجيم الذي تقسو به على نفسها .. وآخر يردد أن مناعته الضعيفة تمكن أصغر الميكروبات من النيل منه ليشعر بتعب غير مبرر طوال الوقت ..وأنا أعرف أن مناعته لا دخل لها بالأمر لأنها صامدة منذ عمر ..وآخرون يكتفون بأن يقولوا أنهم لا يعرفون سبب محدد لاجهادهم .. أما عني فأول ما سأقوله وأتحدث عنه ..هو خصامي الكبير مع النوم الطويل ..ولم يتمكن أي تعب حتى الآن مهما كان أن يصالحني معه .. كلنا متعبون بكل ما في الكلمة من انهاك وارهاق وتراخي .. وأنا لا أبحث عن سبب لأنني أشعر أن التفكير صار شيئا صعبا على رأسي .. وأردد بسذاجة كـ بائع متجول :”يبدو أن هناك شيئا ما في الهواء أو الماء يجعلنا نُرهق سريعا “…أشعر بحجم قلبي يتقلص كثيرا .. ربما يضمر لقلة الاستخدام ..أو يتآكل من سوء الاستخدام ..والدم الذي يضخه في جسدي لا يكفيني أبدا فأشرب كميات كبيرة من عصير الرمان على سبيل التعويض وأسكّره جدا ليعادل دمي الذي صار مالحاً نتيجة لتضاؤل حجمه فأصبح مركزا ولزجا ويمشي في عروقي كـ كهل بدين مصاب بروماتيزم في المفاصل .. ويبدو أننا نهرم حين نصل لهذه النقطة بالذات ..فنفكر في المستقبل بتعب ونَفَس متقطع وحنين كبير لكل ما فات ..لهذا أنا أشرب عصير الرمان وأحاول أن أعيد الشباب لدمي وأُحَلّيه لأنني أريد أن أفكر في الماضي وكأنه حدث للتو ..والحاضر كأنه سيستمر بلا بداية أو نهاية .. بيقين أنني سأفلح في محاولتي هذه ..وإن كنت فشلت هذا الصباح فسأعتبر فشلي هذا كان محاولة في المحاولة .. لأنني كنت أجلس في الراوند وأنا أفكر في أشياء مبهجة سعيدة أود أن أفعلها فور خروجي من باب القاعة …تهيأت لضحكات كثيرة ينثني معها جذعي إلى الخلف فتندلق الكولا من يدي أو حين أضع بها قطعتين من “النعناع” ..فتفووووور وتفوووووور وتنسكب عليّ و على ملابسي قبل أن أكون انتبهت لفورانها .._لأنني في كل مرة لا أفعل_ ..فأمد ذراعي للأمام لأبعدها عني حتى تهدأ الصودا وتستكين ثم أشربها بلذة كبيرة.. تهيأت لأحضان طويلة أغمر بها صديقة لم أرها منذ أن بدأت الدراسة وكلمات تشبه :”وحشتيني .. مالك احلويتي بزيادة …اياكي تغيبي تاني” ..لأنني لازلت حزينة من المشادة التي نشبت أمس بيني وبين إيمان فور أن رأينا بعضنا رغم أنني كنت أستعد للقائها بشوق كبير وحنين لأني لم أقابلها مما يقارب الشهر ..من 26 يوما بالتحديد ..وعلى الرغم أننا تصالحنا سريعا .. لم نقل ” كلاكيت تاني مرة” ..ونحاول جمع الشوق الذي تبعثر ..في حضن .. فكرت بكل هذا وأكثر وأنا جالسة في الراوند أستمع للدكتور الذي يشرح بحيوية مختلفة عن كل الدكاترة الآخرين الذين أشعر أن ما يقولونه مجرد تعويذات وهمهمات في عملية تنويم مغناطيسي لكل الطلبة الجالسين أمامهم .. وربما أكون استمديت حيوية تفكيري من شرحه الحيوي ..لكنني بعد الراوند حين التقيت أصدقائي عقب جولة سريعة في الهواء وزجاجة ماء صغيرة..جلست في المقعد الخلفي في سيارة إحدانا فوجدتني أتهاوى عليه ..ولا أعرف كم مضى من الوقت حتى استجمعت قواي وغادرت إلى منزلي بكلمات قليلة تقتصر على :” أنا مروّحة ..أشوفكم بكرة ..باي باى”..ومضيت وأنا أتخيل التعب الذي سألقيه على سريري بإهمال ثم أجلس على الكرسي المجاور له أشرب عصير الرمان و أقول : “يبدو أن هناك شيئا ما في الهواء أو الماء يجعلنا نُرهق سريعاً !”َ

yea

الراوند الأول هذا العام كان ” نفسية وعصبية” ..الدكتور يتحدث عن أمراض نفسية كثيرة ..وأنا أتابعه بشغف وصحيان كبير ..و خرجت من الراوند وأنا أفكر بضيق: ” لماذا نسي أن يتحدث عن دكتور جيكل ومستر هايد ؟” .. كلمة الطب النفسي لدي مرتبطة كليا بهذه الحالة الغريبة  وأتخيل أن أي حالة غيرها شيء تافه  عابر  غير مهم ..فكرت أن مستر هايد سيأتيه ليلا .. وبضربة واحدة سيوقعه على الأرض و ينهال عليه بعصاه حتى يفقده الوعي تماما ثم يقطع رأسه ويضعها بجواره  .. وأخيرا يركله بقدمه ليتأكد أنه أنجز مهمته بنجاح ..وذنب الطبيب الوحيد أنه نسي أن يذكر اسمه في محاضرة ..وهذا سبب وجيه وقوي جدا بالنسبة لمستر هايد لأنه يقتل دون أسباب في الأصل .. أما دكتور جيكل سيكون في نفس الوقت بجوار مدفأته يحرق هدوءه و طيبته .. ولا يشغل رأسه شيء .  الجميع ينفي وجود هذه الحالة في الواقع ..  فهل يجب أن أصدق أنها خيال اخترعه كاتب المغامرة :”ستيفنسون” في القرن قبل الماضي ..و اجتهد الأدباء ومخرجين السينيما بعده في اعادة تخيلها كل بطريقته .. وفي خلال ثمانون عاما هناك خمسة أفلام بعنوان :” the strange case of Dr.jekyll and Mr.Hyde” آخرها أنتج في  “2008″ ..هذا بالاضافة إلى روايات كثيرة أخرى مثل ” بئر الحرمان” لاحسان عبد القدوس في شخصية ناهد ونقيضتها ميرفت .. و”كلب الموت” لأجاثا كريستي ..وغيرها وغيرها … الغريب جدا في الأمر والذي لا أستطيع ان أستوعبه حتى هذه اللحظة …أنني يوم رجعت من الجامعة ورأسي مشغولة بهذا الأمر شاهدت ليلتها فيلم “hide and seek”  عن ديفيد ونقيضه ” تشارلي” ..وحين أدرت التليفزيون في اليوم التالى ..تفاجأت بنفس الفيلم مرة أخرى !!!! ..ومصادفة  مشاهدتي لهذا الفيلم في هذا الوقت بالذات ولمرتين متتاليتين يصعب عليّ تصديقها أو تجاهلها ..أو حتى التفكير في مغزى لها .. كل ما استطعت التوصل إليه ..أو ربما لم أتوصل إليه لأنه كان يقينا عندى منذ البداية ..أن هذه الحالة ليست غريبة أبدا … ليست غريبة على الأطلاق .. لأن في  الأساس كلنا ” دكتور جيكل ومستر هايد ” …و لكن بدرجات متفاوتة !

6377379-md

في ثمانية وأربعين ساعة لم أنم سوى أقل من ساعتين …أجلس وأنا أتحدث وأبتسم وأضحك .. لكني أتهاوى في داخلي ..كنت أشعر بجسدي كله يئن ..ويطيعني بغباء شديد .. وحين اختفيت في سريري  متأهبة لنوم طويل جدا أفيق منه صباح السبت على مضض لأذهب إلى الراوند .. أتفاجأ بأني نمت في صباح الجمعة ..واسيقظت في صباح الجمعة أيضا.. خمس ساعات فقط ..أنهض بعدها بنشاط كأنني انتهيت للتو من تمارين الصباح فوق ربوة خضراء عالية .. كنت أقول لصديقتي :”أنا أصحى الأربعة وعشرين ساعة ..لكنني طوال الوقت أشعر بالتعب والرغبة بالنوم  الذي أعجز عنه ..ولا أنجز أي شيء “.. لدي أوراق مؤرخة بتواريخ الأيام القادمة ..وفي كل ورقة الأشياء التي أريد أن أفعلها في التاريخ المكتوب أعلاها..وكل ما أنجزه أنني أؤجلها .. وأعيد تأجيلها .. ولا شيء أكثر !

3843831-md

أبي يوقظني بإلحاح ..وأنا لم أنم سوى نصف ساعة فقط ..لا أملك سوى أن أقول ” حاضر” ..وانطق يووووووووه طويلة لا تقارب أذنيه .. أفكر أن لا أحد من أصدقائي يوقظه أبيه صباح كل يوم دراسي ..والكل يذهب أو لا يذهب بارادته باعتبار أننا لم نعد تلاميذ في الصف الثاني الابتدائي ..فلي الحق أن أستيقظ وحدى ..وأذهب وحدي .. لكن أبي يعاملني كانني الطالبة الوحيدة على وجه الأرض ..التي ستغلق الجامعة في غيابها ..نهضت برغبة كبيرة في النوم ..بعينين نصف مفتوحة أتهاوى بين الجدارن ..أرغب في خمس دقائق فقط اضافية في السرير ..لكنني ضحيت بها حفاظا على ضغط أبي طبيعيا في أول الصباح..ارتديت ملابسي على عجل دون أن يكون لدي ما أتعجل له لأن الراوند ملغي اليوم ..و لن اقترب من المحاضرة ..فكرت أن ارضاء أبي سبب كافي .. ولم يغادرني الضيق إلا حينما تهيأت للمغادرة ووقفت أمام المرآة مزهوة بنفسي ..ابتسمت لـ دعاء ..وخرجت وأنا أقول ” يجب أن تتوقفي عن عادة الابتسام في المرايا!” لأنني لم يحدث أبدا أن نظرت في مرآة ولم أبتسم ..حتى في أيامي السيئة جدا .. حدث هذا مرة واحدة فقط ..أستطيع أن أحددها الآن بالتاريخ والساعة و الدقيقة ..كنت أبكي وعيون الماء تتفجر .. نظرت في المرآة وأنا أغسل وجهى ..وقفت لحظة بجمود أراقبني وأنا أتساءل : هل سأبتسم ؟ ..كان سؤالا تافها جدا بالنسبة للموقف .. وكنت أكثر تفاهة حين حزنت لأنني عجزت عن الابتسام واكتشفت أن هذا لم يحدث من قبل ..لم أستسلم لهذه الذكريات ..نسيتها سريعا وأنا أفكر أن صورتي في المرآة غير مكتملة ..ويلزمها صورة شاب وسيم يبتسم بجواري لأنني كنت أغني :” جدع انت يا جميل الصورة ..يا مزقطط زي العصفورة ..قرب جنبي واسمع قلبي هيقولك كلمة صغيورة “

” يلا اتأخرتي !” ..أبي يستعجلني فتتحول ابتسامتي وأغنيتي  لضحكة في وجهه وأنطق “حاضر”.. أركب السيارة بجواره وأختي الصغرى بالمقعد الخلفي ماضية نحو اليوم الأول في حياتها الجامعية بحماس كبير ..أبي يعيد عليّ ما يقوله منذ أسبوع :”تاخدى اختك تشتريلها بالطو وتعرفيها الأقسام ..وما تسيبهاش !” ..أنطق أيضا :”حاضر يا بابا” ..وأضحك الآن جدا وانا أتذكر أنني تركتها عند بوابة الجامعة حين صادفت هي صديقة لتسلم عليها ومضيا معا بتشجيع مني لأن يجربا متعة الاكتشاف وحدهما ..هل أبدو أخت كبرى سيئة؟ …هذا صحيح ..لأنني أفشل دوما في تأدية هذا الدور …لكنني أعرف أيضا أن آخر ما تريده هي ..هو أخت كبرى تمسك يدها في الشارع والكلية ..

أنا أيضا أقابل صديقتي ..نصعد للمحاضرة ..نلقي نظرة على المدرج ونكتشف أنه معمل تدجين للانفلونزا ..نخرج سريعا بانتشاء كبير وثرثرة وضحكات كثيرة ..نتجول أسفل الكوبري ونتأمل الجو العام ..الشباب الصغير يراقب الفتيات الصغيرات ..ويراقبنا أيضا ..ونحن نريد أن نخبرهم اننا أصبحنا “كبار” .. نحن الآن في الفرقة الخامسة .. وبما أن الفرقة السادسة في أجازة .. فلا يوجد من هم أكبر منا ..وهذا ليس جيدا كما يبدو ..لأنني حين كنت في الفرقة الأولى كنت أقول : ” أريد أن يحبني شاب في الفرقة الثانية أو الثالثة أو الرابعة .. أو الخامسة ..أو السادسة !” أما الآن …!! وإن كنت لم أعد أبحث عن الحب لعلمي أنه سيأتي يلهث ورائي بمجرد أن أعطيه ظهري وأمضي بتجاهل شديد ، كطفل صغير تظل تلاطفه وتلاعبه وتتحول أمامه لبهلوان كي ينظر إليك فقط ويضحك فلا يفعل ..وبمجرد ان تعرض عنه وتنشغل بشيء آخر يأتيك وحده يحاول لفت انتباهك ويضحك ويبكي..ويفعل كل شيء كي تهتم به ثانية .. وأنا مرهقة جدا وأحتاج للراحة بحجم سنوات عمري العشرين ولم يعد لدي طاقة لتأدية دور البلهوان أمام طفل شقي مكابر لا يكبر .. أكثر ما أضحكني اليوم حين اقترب منا فتى مع صديقه بعلامة صلاة تنمو في جبهته وذقن صغيرة نابتة .. ينظر ويوجه كلامه إلينا قائلا :”هذه فتنة يا أخ محمود!” ..لم أتمالك نفسي أمام عبارة الفتى الأمردا .. والآن أضحك مرة أخرى على الشيخ الصبي وأنا أضع يدي على بشرتي التي تحرقني كثيرا بسبب الشمس .. وأفرغت علبة كريم عليها ولا فائدة ..ألا يكفيها انها لوحتها بـ “السمرة” في نهار واحد .. وإن كنت قمت بأكثر من مشوار تحتها فهذا ليس مبرر لقسوتها معي .._زعلانة منك يا شمس يا برتقاني _

كنت قد ذهبت لمحل حلويات لأحجز “تورتة” لعيد الميلاد غدا ..أختى عيد ميلادها بعد ثلاثة أيام ..وخطيبها عيد ميلاده كان من ثلاثة أيام ..لهذا توصلا معا ليوم في منتصف المسافة بينهما يحتفلا فيه بعيد ميلاديهما معا ..ويتبادلا الهدايا والأحلام .. وصيت البائع أن يكتب على التورتة “أحمد وشيماء” في قلب واحد .. ومضيت وأنا افكر في الجدع جميل الصورة حين ياتي فأتخلى عن أنانيتي لأجله ويتخلى عن أنانيته لأجلي ونكون في منتصف المسافة بيننا “أنا” واحدة ..نقف أمام المرآة نبتسم معا ونستكمل الأغنية : “وقفنا في ألف مراية بالبدلة والفستان ..وهتنتهي الحكاية ..واحنا ملناش مكان … صبرت في البداية ..وهصبر للنهاية ..الصبر عندى هواية ..وأنا وانت والزمان !”

جـدع انـت يا جمـيل الصـورة !

6458803-md

+

الجو الذي أجلس به الآن فاتن..أطفأت النور ..أوقدت شمعة ..أشعلت بخور ..صنعت فنجان شاي بالنعناع ..وأدرت موسيقى رقيقة كنسيم ليلة صيفية جعلت كل الأشياء تنسجم مع بعضها في سحر..وأنا بينها أتلاشى ..أعرف أن الضوء الصادر من الشاشة لا يناسب الوضع كثيرا ..لكنني فتحتها الآن فقط للكتابة ..الجو يغري  بالحب .. بالسهر ..يغريني بكتابة رسائل غرامية لشخص لا أعرفه التقيته صدفة..وبادلني نظرة أتذكرها جيدا كان يبحث بها في وجهي عن ملامح حبيبة هجرته دون وداع ..وأنا أبحث عن حبيب لم يأتِ بعد ..ولم يقل أنه سيتأخر ..!

سأتجاهل الجميع وسأكتب أي شيء وأترك خانة المرسل إليه فارغة لأن اللاحبيب اعتذر أخيرا عن كل المواعيد التي لم نحددها بعد…فهل أخدع قلبي ..وأصطنع الكتابة لرجل سأدعي أنني أعشقه كثيرا ..وأذوب به حتى الثمالة ..كما حدث وكتبت من سنوات طويلة رسالة و ادعيت أنها وصلتني من شخص يذوب بي ..ويسهر الليل لأجلى وأن التجعيد الخفيف في الورقه سببه دموعه التي جفت عليها .. وقتها لم أكن أريد أن أشعر أنني محبوبة ..بقدر ما كنت أريد فقط ..أن يكتب لي رجل ..يكتب أي شيء…كل ما أردته أن تصلني ورقة ..مكتوب في وسطها اسمي فقط بخط كبير ..وينقف اسمه بخط صغير كتوقيع في نهايتها ..لأنه إذا فعل وكتب :”دعـــاء” بخشوع شديد ..سأقرأها وأغادر إلى السماوات كالتلاوات والصلاوات والابتهالات ..لأنني أصدق أن أسماؤنا وحدها تشبهنا ..وأنا أذوب في الأسماء وحروفها .. ومعانيها…!

لم أرغب بحبيب يهاتفني ويطلب لقائي ..أردت كلمات جميلة مكتوبة على مناديل هشة جدا تجعلني أعاملها برقة متناهية لأحافظ عليها وتعيش إلى الأبد ..لم يفهم أحد ..وحين فهم الشاعر الذي أحببته ..بعث لي بقصيدة ملفوفة في “ايميل” ..حاولت أن أتقبل الفكرة ..وأحبها ..وأستبدل رومانسية العصور الوسطى ..برومانسية حديثة تواكب الشاشة التي أضيئها وسط شموع وبخور وموسيقى .. لأكمل دائرة المتناقضات في حياتي …وإن كنت حتى الآن .. أحلم بمنديل هش للغاية ..ومعاملة رقيقة .. وحلمي الصغير هذا كبير جدا على واقع لا يحتملني ويحتمل تفاهتي التي لا تقارب أحد … !

لن أكتب لأحد.. سأعيد هنا كتابة الرسالة التي بعثها لي اليوم رجل يذوب بي ..ويسهر الليل لأجلي ..سأمسك الورقة برفق ..وأتحسس مكان التجاعيد الخفيفة ..حيث جفت دموعه وأقرأ :

” كنت أستمتع بدفء الشمس وصارت تحرق جلدي….كانت مسامي تنتعش بالهواء وأصبح يصيبنى بنزلة برد.. كنت أعشق صوت ام كلثوم…واسترجعت نقدا وجه اليها أنها تطيل... كنت أسرح مع صوت عبد الوهاب..ثم انتبهت الى تلك النحنحة بين المقاطع لازالة الحشرجة كنت أستيقظ مع الفجر لأسمع صوت الكروان يردد الملك لك لك يا صاحب الملك ثم سمعته أشكيه لك يا صاحب الملك .. كنت أبتسم دوما ونظرت الى المرآة فلاحظت اصفرار أسناني بسبب لعنة سجائري.. كنت أعشق كاظم الساهر..وصار وجهه يذكرني بكل جريح على أرض العراق.. كنت أغوص حد التوهان وأقلب صفحات نزار قباني بنهم..وغيرت رأيي بعدما تنبهت أنه عشق كل نساء الأرض ولم يحب واحدة بصدق ..كنت أشتاق لكلمات قيس في حب ليلى ..ووجدت أنه على أقل تقدير أبله يدور حول بيتها يقبل ذا الجدار وذا الجدار..كنت أشتهى الطعام الحلو ..واطلعت على أبحاث تؤكد أنه السم الأبيض..كنت أتذوق الحار إلا أنني صدقت أنه ضار بالصحة ..كان يسكرني الخمر ..والحكم الشرعي أنه حرام ..كنت أتوق للماء وأصبحت أغرق في شبر مية ! كنت هذا كله لأنكِ كنتِ هنا …………… ثم صرتِ بعيدة !”*

أوووه .. دمعته تسقط على الشمعة ..وينبت خيط دخان رفيع من اللهب المنطفىء.. ينسجم مع خيوط البخور ..أحاول تتبعه في الظلام ..فأدوخ وأتوه ..وأتلاشى أكثر !

5414718-md

من فترة طويلة جدا تقارب العام لم أنم في أول الليل وأستيقظ مع الصباح ..لأنني لم أعد أعرف مواعيد نومي ..أنا مستيقظة حتى تسقط رأسي على كتفي .. وأنهض بمجرد أن أفتح عيني ..دون ميعاد محدد ..لكن أن أنام فترة الليل كما هو طبيعي ..فهذا مالا يحدث وما نسيت كيفية حدوثه ..لكنه حدث اليوم .. في صغري كنت أنام في التاسعة تماما ..في النهار حين يسألني أحد :”بتنامي امتى ؟” ..كنت أجيب :”دودو بتنام الساعة تسعة “..وكانت التاسعة معاد مقدس جدا ..لأنني كنت أبكي لو صحبتنى أمي لمكان ما وجاءت التاسعة وأنا خارج سريري ..حتى صار أقاربنا وأصدقائنا وكل من يعرفني ..يعرف أنني أنام في التاسعة ..وفي كل مرة تتأمل أمي الهالات السوداء حول عيني ..تذكرني بهذه الأيام السعيدة ..ويبدو أنها كانت فعلا سعيدة ..لأنني استيقظت اليوم بمزاج طفلة بربطة شعر وردية ..نزلت إلى شجر الجوافة للمرة الأولى هذا الصيف ..وتنبهت لأنني كبرت وأصبحت فتاة طويلة حين رفعت يدي وأحنيت غصن بسهولة وقطفت ثمرة ..لأن في الماضي كان شجر الجوافة هو السيرك الخاص بي ..كنت أتسلق الشجر ..وأستمتع جدا بالجلوس على غصن عالى معين.. والمكوث عليه لنصف النهار..أمي تخاف عليّ ..تأمرني أن أنزل حالا ..وأنا أبالغ في العناد ..وأصعد لفرع أعلى ..فتضحك على القرد الذي أنجبته ..وهي تعرف أنه لا فائدة من كلمة “انزلى”…ذاكرة غضّة تتربص بي هذا الصباح … ورائحة حلوى كانت تحملها أمي دائما في حقيبتها .وتراب مزّق ركبتيّ الصغيرتين ..وركض مع أولاد الجيران ..ألعب مع الذكور فقط ..فالاناث بالنسبة لي كانوا مصدر ضعف..أقع ..أنهض …ألهث…لا أعترف أنني أقل منهم جدارة ..أناور لأكون الجديرة بكل شيء ..حتى بعتاب أمي !
كل ليلة كانت أناملها تسافر في شعري وهي تحكي لي حكايات ” ماما فضيلة” ..تلك التى واظبت سنوات على سماعها فقط لأجلى …أو حكايات عن دراكولا الطيب ..دراكولا الذي لا يستعمل معجون أسنان ..ويثير الشفقة أكثر من طفل مصاب بالسكر ..أو لما يصبع اصبعها عصا كمنجه يخترقني وهي تقول :” انت اللى هتغني يامنعم” ..فيغني لها منعم :” بولا بولا .. بولا بولا ..بالومبيلا …بيتك ياعصفورة وين ..مابشوفك غير بتطيري ..ما عندك غير جناحين …حاكينا كلمة صغيرة ..ولو سألونا بنقلن ..ما حكينا العصفورة …طيري طيري …طيري طيري …ياااااعصفورة !”…أو لمّا تغني لي :” يا اخواتي بحبها …دي حبيبة أمها …حبيبتي بكرة تكبر وتروح المدرسة ..ويقولو عليها شاطرة ونمرها كويسة “…كان صوتها حبوب النوم … وكان كل ما احتاجه وقتها أن أسمعه وأنااام ..كانت النجوم تعتريني من رأسي حتى أخمص قدمي ..والأحلام أكثر وضوحا .. وأقل مدعاة للقلق .. وتأتيني بعد التاسعة بثلاث دقائق !

هذه اللحظة في خطوط كفي بقايا تراب … وفي قلبي : “بولا بولا …بالومبيلا” ..!

dddddd

لا أعرف وجهي في المرآة ..لأنها لا تراني وإنما ترى فتاة أخرى بكحل أسود كثير حول عينيها وجفنيها ..حتى كأنها عفّرت اصبعها برماد الفحم ثم مررته على عينيها ..فتاة بحالة مزرية ..وأقول “مزرية” لأنني حين كتبت :”كان يوم مزري”..جاء الرد :”ضحكة” ..وبعدها لا شيء ..رغم أنني كنت أريد أن أحكي ..وكنت أنتظر فقط رؤية علامة استفهام حتى أبعثر خلفها جمل كثيرة ..لا تنتهي بـ نقط..وإن كنت سأسمع خلف كل جملة ضحكة أخرى فلا يهم ..ما يهم أنه كان يوجد احتمال ضئيل بان أفضفض ..وكما قلت سابقا ..أنا أجيد الثرثرة ..لكني لا أجيد الفضفضة ..وأعرف أنني لم أكن سأقول شيئا في النهاية ..لكن هذه العادة السيئة لا تفارقني ..كأن أقول :لو عاد الوقت لكنت فعلت وفعلت وفعلت ..وإن عاد …لا أفعل أي مما نويته ..فقط أعيد ما مضى بحذافيره وبغباء تام ..!

أغسل وجهي بالماء فقط ..وهذا لا يكفيني ..فأغمر رأسي كلها تحت الماء ..والسواد يطول باقي وجهي ولا يغادر عيني.. أحضر رمانة منسية في الثلاجة منذ فترة طويلة ..أقطعها دون سكينة وآكل الحب مباشرة وأنا أستمتع بطعمه اللاذع والحامض في حلقي ..هل ضروري أن أغسل يدي؟ ..لم أفعل. رغم أن أصابعي التصقت ببعضها لكنني بالغت في السوء وأحضرت ثمرة “مانجا”وأكلتها أيضا دون سكينة تقطعها من المنتصف ..وملعقة تخرج قلبها ..وأنا لا احب المانجة ولا الرمان ..وأنفر منهما إلى الفراولة والبرتقال اللذين أعشقهما كثيرا ..و …هل ضروري أن أغسل يدي؟ ..هذه المرة كان ضرورى جدا ..لكني لم أفعل أيضا ..تجاهلت كل شيء وتكورت على السرير كـ جنين ..ونمت ! ..وحين استيقظت كل ما فكرت به أنني أرغب في فعل شيء سيء كتدخين سيجارة في سكون تام..والتلاشي مع الدخان ..تذكرت المسج التي أرسلتها لصديقتي الصيف الماضي ..حين كتبت أربعة أشياء سيئة للغاية أود أن أفعل أحدها ..اخبرتها أنني سأكون الشكل الصحيح للخطيئة ..لكنها بعثت إلي بـ رد قاسي جدا جعلني أزم شفتي ..وأدخن صمتي وغضبي ..!

أصل لأسوأ حالاتي عندما يريد أحد أن يجبرني على فعل شيء لا أريده ..حتى لو كان صحيحا ..حينها أفتش عن كل أخطاء الكون لأفعلها بعناد كبير …كطفلة عنيدة يرغمها أبواها على الذهاب إلى المدرسة فتمرغ نفسها على الأرض وتبكي بشدة فيحملاها رغما عنها إلى حيث يريدان ..هذا ما يفعله أبواى معي تماما الآن ..يريدان اجباري على سلك طريق اعرف أنه صحيح جدا والخير به كثير ..لأنني ساخطو على الورد ..ستدنو مني القطوف .. وسأنال الرضا ..وأنا أصر على طريقي الملتوي والمتشابك والخاطىء ..وإن كنت حتى سأبتعد وأتوه ..فأنا أريد أن أسير وحدي ..وأصل وحدي ..لأنني لا أملك في العالم سوى حريتي ..وإن تخليت عنها _لن أدعي أنني سأموت _..لكنني سأصمت وأنزوي ويبهت وجهي كجدار ..قلت في رسالة قريبة : “أفضل أحيانا أن أفقد كل شيء ..كي لا يملكني أي شيء ..عن حريتي أدافع ..عن فقري أدافع ..عن دفاعي أدافع” .!

 الجملة الرئيسية في مقدمة مدونتي السابقة كانت :”يوميات فتاة ريفية حرّة!” …وهنا أنا أرقص على حافة السكين ..ومهما حدث لن أسمح بأن أكون حصى رتيبة ساكنة في قاع نهر راكد وسأظل أردد ما حييت بأنني لست أميرة في قصر ثلجي ..أنا صعلوكة في براري حريتي..

كي أعود يوما لأنظر في المرآة …فأعرف وجهي !

ds

فتنة سحرتني لثلاثة أيام متواصلة … مأفعله الآن أنني أحاول فك السحر ..وأعجز ..أنا مسحورة تماما !

بقبلتين سريعتين على وجه أمي وضمة ابتدأ مشوار عمره ثلاثة أيام إلى الأسكندرية… انعقدت سيارتنا في حبل السيارات الطويل الممدود بين بداية الطريق وآخره.. كنت منتشية جدا ولا أتوقف عن الغناء ..كأنني شربت كأس وحيد أنتشي به ولا يسكرني من محل “drinks” الذي افتتح مؤخرا مجاورا لمنزلنا هناك ..وانتبهت إليه بدهشة كبيرة جعلتني أتسمر في مكاني أمام الواجهة الزجاجية التي تعطي ضي أخضر ..كل ما في المحل أخضر ..بدءا من يافطته وزجاج واجهته حتى لون الجدران والثلاجات والزجاجات داخلها ..وقفت وأنا أحاول أن أكتشف فقط إذا كان البائع هو الرجل الأخضر في فيلم ” the incredible hulk“..لم أعرف لأن أبي جذبني من ذراعي وهو يضحك على حملقتي ويقول “عادي!” ..لكنه لم يكن عادي لأنني الفتاة الريفية التي لا تعتاد على رؤية هذه الأشياء فما بالها بمحل أخضر مجاور لها ..لماذا أخضر؟ ..كنت أحب اللون الأخضر ..مشيت من مكاني وأنا أفكر أن كل من يخطو داخل هذا المحل سيتحول لضفدعة خضراء  ..ولن يقارب ترعة أو زرع … ما أتعس ضفدعة تمضي وحيدة على الأسفلت في مدينة !

أما عني فكنت أمضي وأنا أكاد أجن ..لأنني أنظر لكل الوجوه ..أعرفها ..أعرفها جميعا ..وأستطيع أن أقول هذا فلان ..وهذه فلانة ..وأعود لأصحح هذا يشبه فلان وهذه تشبه فلانة ..هل سأكون مبالغة لو قلت أنني قابلت كل الوجوه التي أعرفها ..أشعر أن هذا ما حدث فعلا ..حتى صرت أتفادى النظر إلى أى وجه كي لا تنفجر رأسي بالحيرة ..الأغرب ..أن وجوه أخرى كانت تنظر في وجهي أيضا .. وجوه لم أتعرف عليها ولم أنظر إليها..كانت تمضي أمامي ثم تعود لتلتفت ..ربما أكون معتادة على نظرات البعض في الشارع ..لكن ليس بهذه الطريقة .. وهذا الشكل ..الأمر تعدى كل الحدود ..ثمة خطأ ما.. ورغم أنني حاولت أن أتجاوزه كشيء عابر..كوجوه عابرة ..إلا أنني لم أستطع اخراجه من رأسي حتى الآن ..المهم أنني تكيفت مع الوضع ..وحاولت الاستمتاع بكل لحظة ..لأنها أجازة قصيرة ..أجازة من التفكير و وجع الرأس والتحديق في الشاشة والمكالمات الهاتفية والنوم والجلوس على ملل.. فألقيت بهاتفي النقال لأبعد مكان في المنزل ..وجاهدت لأجعل رأسي خالية تماما كـ شقة هجرها أصحابها وأخذوا معهم كل شيء.. توجهت مع أختي لـ جرين بلازا .. قطعنا تذاكر السينيما بعد أن أخترت فيلم ” final destination 4” ودخلنا بزجاجة ماء وفشار .. لقطات اعلانية عن فيلم كوميدي سينزل قريبا .. الأمور هادئة تماما ..حتى بدأ الفيلم .. الفيلم مرعب جدا ..و أنا أفضل الأفلام الكوميدية أو الدرامية في السينما ..شعور أنني أتشارك الضحك أو الألم مع عدد كبير من الناس يسعدني و يريحني جدا ..لكن أن أشاركهم الخوف في عتمة قاعة وأصوات الرعب تخرج من كل مكان بدءا من السماعات في الجدران كلها ..حتى الصراخ من فمي فهذا مالا أحتمله ..أختي تتوعدني بالقتل فور أن نخرج .. وأنا أدفن وجهي في كفي ولا أنظر ..والأصوات كفيلة بأن يجف الدم كله في عروقي ..وأنشف..بجواري شاب وفتاة يخافان معا..وأنا خائفة وحدي ! قلت لنفسي : لا يهم ..هذا أفضل !..وانتهى الفيلم الذي بدأ بعبارة ” الحياة عذاب وبعدها الموت .  أية أسئلة ؟” انتهى بموت كل أبطال الفيلم ..والمشاهدين الذين ماتوا رعبا … خرجت وأنا أفكر : لم يبق أحد ! وتذكرت “بوست” كتبته من عام وأطلقت عليه :”سأكون وحشا ..وسيخشاني ذوي القلوب!” …كنت كتبت :

” لن أشاهد أفلام رعب ثانية ..ولو توقفت حياتي على ذلك!”…من أسبوع قلت هذا لنفسي بحزم بعد تلك الخيالات والصور والأفكار التي عبثت برأسي عندما صعدت مع صديقتين للدور الأخير في صيدلة..كان الهدوء يخيم على المكان..لا أحد به سوانا…ومصدر الضوء الوحيد شباك زجاجه من النوع المعتم.. يحافظ على شحوب المكان أكثر من نفاذيته للضوء..السلم عريض بسيراميك أسود لامع …وينتهي عند باب ما وراءه مظلم..يصدر منه أصوات عالية لماكينات لا ندري كنهها ..للحظات ابتلعنا ريقنا بصعوبة خصوصا وأني كنت قد شاهدت في الليلة السابقة فيلم رعب أحداثه كانت لا تزال تطاردني..كان منظر الوحش وهو يقتلع عيني البطل لم يفارق رأسي بعد..شعرت في هدوء هذا المكان بالهدوء الذي يسبق انقضاض الوحش على فريسة يشم بها رائحة شيء يعجبه كـ قلب أو رئة أو حنجرة أو عين أو أي جزء آخر..ظننت أن مقبض الباب سيدور في أي لحظة..ويتحرك الباب بأزيز سيجعلني أحك أذني …وينقض علينا فجأة كائن غريب .. سيشبه طيور الظلام .. نصف خفاش ..ونصف انسان ..بجلد محروق..ربما نكتشف فيما بعد أنه طالب مات في حريق أصاب الجامعة في فترة الستينيات بعدما نجا الجميع بأنفسهم دون محاولة انقاذه..فنهشت الخفافيش جثته..لكنه نهض لينتقم من الجميع في ذكرى هذا الحريق والذي وافق ذلك اليوم الذي صعدنا فيه لهذا المكان..فكرت أن  احدى صديقاتي ستقتلها الصدمة قبل حتى أن يفكر الوحش في لمسها..والأخرى ستنظر له بتحدِ .. قبل أن يأكل نظراتها أولا ..ثم يلتهم ما يتبقى منها بتروي…أما أنا فسيقبلني عنوة..ثم يلتهم قلبي .وبعد لحظات من تلك القبلة سأتحول إلى أنثى الوحش التي ستتغذى على القلوب فقط فيما بعد..باحثة عن قلبها في صدر أحدهم..أو على الأقل قلب يشبهه…لكنها لن تجد!….لعنت رأسي في هذه اللحظة..ونظرت لصديقتي اللتين كانا قد انهمكا في الحديث..أتذكر هذا كله الآن لسبب بسيط جدا…وهو أن ابن عمي من ساعة كان يحدثني عن فيلم الرعب الجديد “mirror”  الذي دخله من يومين في السينيما..وقررت أن أشاهده بعدما حكى لي عن حجم الرعب الذي سيطرعلى كل من شاهده…وعن مقاطعتهم نهائيا لكل أفلام الرعب فيما بعد…ولو توقفت حياتهم على ذلك!”

نفضت كل أفكار الرعب من رأسي كأنها غبار .. وذهبت مع أختي لتناول الغداء ..ثم جلسنا إلى مقهى نتجاذب أطراف الحديث والضحك ..و أنا أشدهما إلى ناحيتي بقوة ..لتقع ضحكاتها وثرثرتها على الأرض ..وأضحك أنا أكثر..التنزه بصحبة رفقة ممتعة لأنه يكون بإمكانك حينها أن تكون مجنونا دون خجل ..أما حين تتمشى وحيدا فكل ما يمكنك فعله أن تضع يديك في جيوبك وفي قلبك أغنية تشبه ” إيديا في جيوبي وقلبي طرب … ماشي في غربة بس مش مغترب .. وحدى لكن ونسان وماشي كدا ..ببتعد معرفش أو بقترب !” …هذا ما أحسسته حين خرجت وحدي .. لم أستطع أن أتجنب التفكير والكتابة وفي الهواء ..أصابعي تتحرك رغما عني كأنها تنقر الكي بورد .. والعبارات تتناسل في رأسي كالقطط وتضيع .. حينها فكرت: ماذا لو كنت أستطيع أن أثبت كي بورد إلى وسطي وأمشي وأنا أكتب ..:هل سأبدو مضحكة جدا ؟ حين وصلت لهذه النقطة شبكّت أصابعي معا لأوقفها عن النقر في الهواء ..وعدت سريعا إلى المنزل.!

_لم أنتهي ..أشياء كثيرة أود أن أحكيها ..لكنني مرهقة .. ربما يتبع!_ ما يهم أننا عقدنا سيارتنا مرة أخرى في حبال السيارات الممدود بين أول الطريق وآخره ..ورجعنا ..وانتهى المشوار بقبلتين على وجه أمي .. وضمة !

165848340_5f56b2f1c0

كانت يد رهيبة تقبض على قلبي وتعصره حتى سال الدم كله..لا أتألم ..لكنني أشعر أن قلبي مجعد كقميص خرج من الغسالة للتو ويفكر في المشابك التي ستقرصه بعد قليل وفي صفعات الهواء الباردة جدا بعد حمام ساخن ..يتهيأ لنزلة برد لن تغادره سريعا … ويعطس .!..اليد تزيد من قبضتها وقلبي ينعصر أكثر..ويسقط الماء من عيني ..لم أكن مضطرة لأن أضحك .. لكنني ضحكت بصوت عالى رغم البلل في عيني وصديقي يحكي عن شجاره اليومي ويقلدني وأنا “بايخة جدا” ..يسألني عن سبب ضيقي ..ويقول أن هناك نوعين من الضيق ..نوع إيجابي حين يأتي شخص ما أو شيء ما ويضايقك ..ونوع سلبي حين لا شخص يأتي ولا شيء ليسعدك أو حتى يضايقك ..أخبره أن ضيقي ينتمي للنوع الثاني ..كإجابة سريعة لم أفكر في صدقها ..لكنني أعرف أنها حتى لو كانت كاذبة ..فأنا لم اتعمد الكذب ..وهذا يريحني ..أسأل أحمد عن أكثر مكان يحبه في مصر ..يقول الأسكندرية ..وإجابة مضحكه أخرى ..ويلحقها بـ “هع” ..وأخبره أنني أحب الحسين ..وأرغب بزيارته حالا..تتحول لهجته إلى لهجه جدية ..لا أراها ..لكنني أتخيل أن ضحكته تلاشت ببطء ..وأضاءت النجوم في عينيه وهو يسألني ” زرتي الكعبة قبل كده يا دعاء؟” ..أنفي ..فيقول أن الراحة الأكبر في النظر إليها ..يضع في سلة أمنياتي أمنية جديدة ستبارك حياتي الآتية ..ويتحدث عن رغبته الشديدة في زيارتها..لولا الوباء المنتشر ..كان يتكلم بحب وشوق كبير إليها ..كنت متأكده انه يرى الكعبة أمامه في هذه اللحظة ..وكنت أشعر بالخجل من تخيلها ..ونطقت في نهاية كلامه ” آه” ..كتصديق عليه ..أو كـ نقطة ..لأنني حين أخبرته أنني أحب الحسين لم أكن أقصد “مسجد الحسين” كما فهم هو ..وإنما كنت اعني مقاهي الحسين ..ومحلات الفضة والخزف والتماثيل الصغيرة ..ورائحة البخور التي تمتصها خلاياي فأشعر أنني جمرة منفعلة أشعلتها عجوز طيبة برداء أبيض فضفاض ورشت البخور عليها في صباح الجمعة ..أفكر في “قهوة الفيشاوي” ..وأتذكر زيارتي الأخيرة إليها ..وجلوسي أنا والأصدقاء إلى طاولة نثرثر ونضحك..ونستمتع برائحة الهيل التي تفوح من فناجيل القهوة ..في الزاوية رجل يعزف على عوده بحنين شديد ..لحنه يمزقني ويبعثرني ثم يعيد جمعي على مهل ..راقبته حتى انتهى ..وتفاجأت به وهو يرفع رأسه المائلة إليّ ويبتسم للدمعة في عيني .. حينها اكتشفت أنني بإمكاني أن أعشق رجل يبتسم لدمعتي .. واستغربت جدا لحكاية صديقتي التي كرهت حبيبها ..لأنه ابتسم وهي تسكب دموعها في كفه ..وعرفت فيما بعد أن الفتيات يفضلن رجل يلتزم الحزن حين يبكين أمامه ..وأنا أريد رجل يشرب حزني ويضحك ..!

اليد تخفف من قبضتها الآن وقلبي الضيق كـ نقطة..يتسع ويكبر كـ بالونة عيد ينفخها طفل ويلهو !

لحن .. ودمعة .. وابتسامة !

6226939-md

عيد … سعيد جدا !

6172282-lg

قبل المغرب كل يوم بساعتين تقريبا أخرج أنا وأبي ليعملني القيادة .. لأن أختي ستتزوج ..وسآخذ سيارتها _أو ما سيتبقى منها بعد أن أنهي تعليمي عليها_ …امممم  ..الوضع ليس بهذا السوء حقا ..ربما فقط ستكون كما يقول “سلطان” في ” العيال كبرت” : “هي كل حتة فيها سليمة … بس لوحدها!”..الحقيقة أن أبي يربكني كثيرا ..لأنه يتوتر .. والكرسي المجاور لي هو في الحقيقة أعصابه التى يجلس عليها ..أتعلم على طرق زراعية تربط المراكز الصغيرة والقرى ببعضها ..ونادرا ما أخطو فوق “طريق سريع” ..وإن فعلت يكون لمسافة قصيرة جدا.. الأسفلت يحوى “نقر” كثيرة ..وأحيانا “طوب صغير” أو ” كسر” .أحاول أن أتفاديه أغلب الأحيان ..وأنحرف لهذا ..وأبي يثور لانحرافي ..ويصرخ في :” أنا عاوزك تكسريها ..كسّريها ” ..وإذا لم أحاول تفاديها والانحراف قليلا  أجده يصيح مع رجة السيارة :”إنتى هتكسّريها ؟؟!!” ..أريد أن أضحك ..والضحك ليس مناسبا أبدا في هذه الحالة ..لأنه متوتر ..وبرودي سيثير غضبه أكثر …أزم شفتي وأكتم ضحكتي ثم أنطق ” حاضر يا بابا ..هاخد بالي المرة الجاية ” ..هذه الجملة تريحه كثيرا ..وأنا أنطقها دون أن أعرف ما يتوجب عليّ عمله حقا في المرة القادمة .. لكن بعيدا عن القيادة أنا سعيدة لسبب آخر ..لأنني صرت أمضي الكثير من الوقت بصحبة أبي ..وهذا الوقت ليس بالطبع كله أخطاء وتوتر وصياح وحوادث وشيكة ..لكننا نتحدث كثيرا ونمزح ونضحك ..ومع أول ضحكة تنطلق كل ضحكاتي التي سبق وكتمتها من أعشاشها ..وتطير عاليا كفراشات الحقول التي تشي لكل الفلاحين بسعادتي ..وكنت بهذه السعادة أمس لأنني استطعت أن أطلق أول “شتيمة” تجاه سائق عابر كاد أن يصدمني من الخلف ..ولأنها أول مرة لا يكون الخطأ فيها خطئي ..كنت “أشتمه” بسعادة بالغة ..وأبي بجواري يضحك على غضبي المصطنع ..و يدعي أمام السائق أنه يحاول تهدأتي ..لكننا انفجرنا معا في الضحك فور أن تجاوزنا السائق …وانشغلت بالموقف حتى كدت أن أصدم سيارة أمامي ..ليشيط أبي تماما وهو يصرخ ” حاسبي” …حينها اصطنعت دمعة ..وكتمت ضحكة كانت تصر أن تغادر العش … وحاسبت !

happiness2

يبدو أنني أتخيل .. لأنني لم أنم من أول أمس ..وبإمكان الأشياء أن تتشكل كما أريد في هذه الحالة .. لا أصدق أن العبارة التى قرأتها كانت حقيقية .. ولن يصدق أحد أنني غسلت وجهى بماء بارد جدا حال أن رأيتها لأتأكد أنني لا أتوهمها ..أقسم أنني فعلت .. وما فعله الماء كان مذهلا في هذه اللحظة .. لأنه نجح في اخماد بركان “أتينا” ..الذي أفشل في اخماده منذ الأمس وتضاءلت الثورة والحمم والدخان الكثير إلى خجل في وجهي واحمرار لم يبهت حتى الآن ..!

أن يأتي شخص بمكانة وروعة “د. سامح غازي” ..ليخبرني ..أن ما أكتبه جميل ..فهذا شيء لا يسعدني فقط .. وإنما يجعلني أود لو سألني شخص فيما بعد سؤال يشبه “من أنتي؟” أن أجيب : “أنا دعاء التي أخبرها دكتور سامح أن ما تكتبه جميل “! .. قامتي تطول الآن .. ويدي تلامس السماء لأشكّل بالنجوم  كلمة : “شكرا”

*بامكاني أن ألغي السفر الذي نويته هذا النهار .. لأنني أطفأت البركان دون الحاجة لـ بحر !


ترقص؟ _ أرقص _ غصب عني _ غصب عني أرقص !

شباك تذاكر الزوار

  • 96,182 hits

محمود درويش:

إذا انحنيت .. انحنى تل وضاعت سماء ولا تعود جديرا بقبلة أو دعـــاء

أحن إلى خبز أمي ..وقهوة أمي ..ولمسة أمي

وأعشق عمري لأني إذا مت أخجل من دمع أمي ..

For connection

doaa.sh3ban@yahoo.com

الراقصين حاليا !

ألحان شاردة !

free counters
Follow

Get every new post delivered to your Inbox.

Join 47 other followers