كتبت هذه التدوينة منذ ثلاث سنوات بالضبط .. في عيد 2008 :

إذا وقفت على بعد أمتار من منزل …ترتفع منه الأغنيات…والصياح والضحك…ولا تميز سوى نهايات الكلمات..فتيقن ..أنك تقف على مرمى خطوات من العيد…وإذا تقدمت قليلا قد تتساءل هل أنا في قلب العيد …أم أن العيد صار في قلبي…وقد تسمع جدران المنزل تتساءل أيضا..هل سكنني الفرح أم  أنا من سكنته؟ عندها فقط ستصيح للزمن كـ “جوتة”  : “قف أيها الزمن ….ما أجملك..!” وإذا سار الزمن ..ستقف أنت في مكانك لحظة..كي تكتب وتقول “لن أنسى..!”

عندما تنتظر شيئا سيأتي في الصباح ..تخلد للنوم مبكرا..ويزورك الأرق فتستيقظ من نومك مائة مرة لتنظر ناحية الشباك مفتشا عن تباشير الصباح …

ليلة العيد وضبت ملابسي …لم أضعها على مشجب ..فردتها أمامي على المكتب..كي أنظر لها بين الحين والآخر ..وأبتسم…..كنت سعيدة بها بعد مساء طويل أنفقته  في التجول في المحلات حتى وجدتها ووجدتني…ولهذا عبست عندما سألت ابن عمي عن رأيه فقال..”جميلة ..تيشيرت كيوت …وبنطلون مناسب جدا للجلوس في البيت!!” لم أحب انتقاده..لهذا قلت عندما سألني عن رأيي في حذاءه الجديد..”جميل .. خطوطه حلوة …لكن ألوانه مش عاجباني ” في سرعة قال..”البنطلون حلو على فكرة!” وفي سرعة أجبت..”وألوان الشوز جميلة!”…

ضبطت منبهي  على الخامسة والنصف كي ألحق بصلاة العيد …واستيقظت في الثالثة دون رغبة في النوم دقيقة أخرى…وجدت أمي لم تنم بعد…وكنت أتوقع هذا…أمي ليلة العيد تسهر كطالب امتحانه النهائي في الصباح ولم يكمل مذاكرة بعد…تعيد ترتيب المنزل المرتب أصلا… تمسح الطاولات اللامعة …وتتفنن في غداء العيد…أراها تستمتع كثيرا والجميع يثني على أكلها…تضع السوداني في الفرن…وتضيف القليل من الملح والليمون للترمس فيصبح أشهى…تفرغ الشيكولاته في الأطباق الزجاجية..وترش السكر المطحون والكاكاو فوق بسكوتها الرائع….تضع حوله الغريبة وبجوارها ..”الطوفي” وتخبىء لي ذات الغلاف الأصفر التي أحبها….راقبتها تفعل كل هذا ..وأنا أتذكر العيد الفائت ..عندما قضيت ليلة كاملة مشغولة بصناعة طبق صغير من الغريبة…وسخر الجميع منى عندما حاولوا قضمها ولم يفلحوا ..كانت صلدة..حتى الشاي لا يليّنها..ولا أدري أين الخطأ؟ الحسنة الوحيدة بها أن رائحتها كانت لا تشبه شيء…أكثر من رائعة…وأضحك كلما تذكرت غادة وهي تنصحني أن أفتتها وأستعملها كبخور.!

ألحّيت على أمي أن تنام قليلا كي تستمتع غدا…بالنهاية تخلت عن عنادها قليلا ونامت…وبقيت وحدي في الشرفة ….لساعة كاملة أستمع للتكبير ..وأنظر للطريق ..للأشجار. .للطيور.. .للبيوت…وذهني صافي تماما…لا أفكر في شيء اطلاقا …تعجبت من نفسي ..بالأمس فقط كان في رأسي ألف موضوع وموضوع ..ألف فكرة وفكرة …غادروني جميعا ..ولم يبق سوى احساس بالراحة وقلب يسع الطريق والأشجار والطيور والبيوت…يسع الكون كله…!

ذهبت لأوقظ اخواتي كي نذهب جميعا للصلاة…اختى الكبرى لم تتمكن من الاستيقاظ لكونها تأخرت في النوم ليلة أمس…ولهذا لم نذهب جميعا.. نهض أبي ..توضأ ..وقبلني وهو نازل للصلاة….كنت سعيدة جدا…كنت الأولي التي أنال قبلة أبي صباح العيد…وكان على اخوتي أن ينتظروا أبي حتى يرجع بعد ساعتين أو أكثر ..كي يبدأ عيدهم …بدلت ملابسي ..وجلست في غرفتي قليلا..خرجت لأتفاجأ بابن عمي يجلس وحده في الشرفة …ظن الجميع نائم ..فجلس بهدوء في الخارج …جلست معه ..ثرثرنا وتبادلنا بعض الأخبار العائلية…مر الوقت ..وجاء أبي ..أحضرت الفطور ..وفطرنا جميعا وصفاء أبوالسعود تغني “أهلا بالعيد” ..ضحكنا جميعا على ابن عمي الآخر الذي يكتشف لأول مرة كلمات هذه الأغنيه…كانت تقول ” سعدنا بيها …بيخليها…” وابن عمي يقول “سعد ..نبيهه….بيخليها”…التفت إليّ  يسأل مين سعد؟ ومين نبيهه؟..ولعنت أنا التعليم المجاني دون أن أرد عليه…!

لم يمر الكثير حتى حضر معظم أبناء عمومتي وبناتهم…وصغار العائلة يلعبون أسفل المنزل بالمسدسات والبنادق…وخطيب أختي يصر على أن يوجعني بخرزة من بندقية أخي حتى أكف عن مشاكسته…تواريت منه خلف الجدار وأحضرت “نبلة” صنعتها من خرطوم صغير واصبع طبي مطاطي..ربطهما معا بأستك…أضع الخرزة بهما وأشد الأصبع فتخرج بقوة تتخبط من جدار لجدار…تشي بقوتها وبالألم الذي يمكن أن تسببه…ويضغط هو على بندقية أخي فتخرج الخرزة ضعيفة لتسقط أسفلها دون أن تطير سنتيمترات قليلة ..يرتعب…وأصيح أنا وأنا أطلق الخرزة…لعبنا كثيرا…وتسلينا أكثر عندما جلسنا بعد العصر ..كل فرد يسأل سؤال..وكل سؤال يدور علينا جميعا..فتحنا قلوبنا…وانطلقت منها الأمنيات…. غنينا ورقصنا على أغنيات حماقي الجديدة …نزلت أنا وابن عمي واشترينا كعكة لعيد ميلاد خطيب أختى كي تكتمل المفاجأة التي أعدتها أختي له في نهاية الليلة…

قبل المغرب بقليل هدأ الجو قليلا حتى جاءت بقية القبيلة في آخر الليل كي تبدأ السهرة…برّد الطقس قليلا  … دخلت غرفتي وارتديت جاكيت ثقيلا ثم خرجت وجلست على أحد كراسي الصالة لأرسل بعض المسجات,,ولفرط انهاكي غفوت والهاتف في يدي …لم أعي شيء بعدها حتى جاء ابن عمي وصاح في يوقظني …يصورني الصور المضحكة وأنا نائمة و يضحك عليّ الجميع…لم أستطع النهوض بعدها ..كنت قد سقطت في غيبوبة ولم أعي شيء حتى صباح اليوم…استيقظت أنظر للجدران الصامتة وأنا أردد بأسى”العيد خلص”…ورغم هذا كان اليقين داخلى يكبر أن أجمل أيامي لم تأت بعد..!

*********

 6-11-2011

الآن أنا أكتب أيضا وتكبيرات العيد تأتيني من كل صوب وجهة … أفكر في الجملة الأخيرة التي كتبتها منذ ثلاث سنوات بالضبط .. في يقيني وقتها بأن أجمل أيامي لم يأتِ بعد .. وقت لم أكن قد تعرفت بأحمد بعد .. ولم أكن أعرف أن الزمن قد يهديني إياه .. وأن أيامي كلها ستصير أجمل به.. حد أنني لن أعود لأنتظر عيدا يعبر مسرعا كسيارة غريبة وأنا ألوّح لها بأسى لحظة تمر .. لأنه منذ أن التقيته وصار عمري عيدا يمضي على مهله !

 🙂

Advertisements