image

إنها تلك الأشياء التي كنّا نفعلها بشغف .. بتحدي لكل من ينطق في وجهنا “لا” .. ثم صار لزاماً علينا أن نفعلها .. فلم نعد نريد ..

في الحادية عشر من عمري تلقيت “علقة” من أمي لأنني ذات خميس ذهبت إلى المكتبة المجاورة للمدرسة ورأيت كتاباً كنت سأموت عليه .. وقفت جامدة أمامه ولم يكن معي من المال ما يكفي لشراءه .. راقبني صاحب المكتبة طويلاً ثم قال : خذيه .. أخبرته أنني لا أملك مالاً .. فرد أنه يمكنني أن أحضر المال في أي وقت .. وعلى قدر سعادتي لأن الكتاب صار بحوزتي على قدر خوفي من أمي إن اكتشفت ما فعلت .. يوم الجمعة بالطبع أجازة .. والسبت كذلك .. ولم أجد حِجة أغادر بها المنزل .. وخفت من أن يظن الرجل أنني هربت بالكتاب .. كنت سأذهب إليه نهار الأحد .. ولكن أختي سبقتني إلى المكتبة لتشتري شيئا ما .. عَرِفَها صاحب المكتبة على الفور من الشبه الكبير بيننا .. وأخبرها بالدين الكبير ..سدّدت أختى عني وبالطبع أخبرت هي الأخرى أمي عن الجريمة .. وتلقيت تلك “العلقة” ..

الآن أنا أملك في مكتبتي الكثير من الكتب التي كنت سأموت عليها أيضاً ..ولا شيء يمنعني عنها سوى غياب هذا الشغف .. لم أفقده تماماً .. لكنه يروح ويجيء .. وهذا لا ينطبق على الكتب فقط وإنما على كل الأشياء التي أُحب و أريد و ما أطمح لأن أكون ولأن أفعل ..

أدّعي أحياناً أنها مرحلة وستمر .. ومن جديد سيحتلني الحماس وأنجز كل الأشياء المعطلة .. الأشياء التي أحبها في الأساس ولست مجبورة عليها .. ولكن هذا الإنتظار هو أسوأ من الغياب ذاته ..

أفكر كثيراً بأن أفلت كل هذا من يدي .. أن أتقبل بصدر متسع أنني تغيرت .. ورؤيتي لأهمية الأشياء تتغير .. كلنا كذلك .. وهذا سهل ..
ليس ممكناً أبداً أن أعيش البقية من عمري مطبقة أصابعي على أشياء لم تعد تُهِم .. هذا مُرهِق .. ومُحبِط .. سيكون من الأهنأ أن أدع كل مرحلة من عمري ترقد سالمة .. وأحاول أن أستمتع بالحالي .. وبالجديد .. أفكر أن لدي فرصتان للسعادة .. إما أن أحقق الأحلام فوراً .. أعني في التو واللحظة .. وإما أن أفلتها وأقبض على الواقع وأستنفذه من أقصاه إلى أقصاه ..

اليومان الماضيان شاهدتُ فيلم “Up” أكثر من مرة .. وأدركتُ أنني “إيلي” .. الفتاة التي عاشت وهي تحلم بالذهاب إلى شلال الفردوس .. لم يمنعها شيء في الواقع .. لكنها أجلت تحقيق الحلم مرة بعد مرة .. حتى تراكم عليه الغبار والأعوام والتجاعيد والوَهَن .. رقدت بعدها في سلام .. لكن الحلم لم يرقد معها .. وأصرّ حبيبها على تحقيقه .. كان الوقت سيمضي ولم يكن سيفعل هو الآخر ولكن أصدرت المحكمة حُكماً بتركه للبيت والذهاب إلى دار المُسنين .. حينها قرر في ليلة أن يطير بالبيت إلى الشلال .. وفَعَلَها .. أنا بحاجة أيضاً لأن تجبرني محكمة ما على طرقعة مفاصلي والطيران إلى شلال الفردوس خاصتي .. أعرف أن التوهج الذي يعترينا في صغرنا يخبو مع الوقت .. مثله مثل كل شيء .. لكنه لا ينطفىء أبداً ولا يفنى .. مثله مثل كل شيء مرة أخرى .. كل رياح تمر عليه تزكيه وتذكره بما كان .. يروح ويجيء .. يضرم فينا حرائق مرة .. ويلسعنا لسعات صغيرة مرة .. ويمر .. دوماً يمر .. وإما أن نجتازه ذات ليلة بشجاعة .. أو سيتجاوز هو رمادنا ببساطة و دون إكتراث ويتلبّس شخصاً أشجع .. إنه عفريت لا يفنى ..

Advertisements