شرم برم .. حالي غلبان .. شرم برم .. حالي تعبان !

 

ماذا لو كان غدا هو اليوم الأخير في حياتي؟ .. يلح على رأسي هذا السؤال منذ عدة أيام وأفكر فيما يمكنني أن أفعله إن تأكدت من هذا حقا.. ورغم أنني أحاول دائما أن أكون فتاة سعيدة بكل ما أملك من رغبة في الحياة والفرح والبهجة وأتجاهل الموت بصورة مريبة كأنه لا يخطر ببالي مطلقا..بذريعة أنني مشغولة بحياتي الكبيرة عن نهايتي المحتومة ذات يوم .. إلا أن فكرة الموت هذه لا تفارقني على الإطلاق ..و يبدو أن أكثر ما نبالغ في تجاهله وإظهار أننا لا نكترث به يكون أكثر ما يستحوذ علينا ويشغلنا بالنهاية .. دائما ما أتخيل حالي إن ألقيت بنفسي من الشرفة وكيف سيكون شعوري في الثانية التي سأحلّق فيها حتى أصل إلى الأرض وأسقط على جذور رقبتي وأتكسر.. أفكر في كل مرة أركب فيها السيارة في ماذا لو فتحت الباب وملت بجسدي قليلا للخارج أمدني إلى الهواء ليلتقطني برفق .. لكنه متعجل جدا ويمضي دائما بسرعة هائلة في الاتجاه المعاكس ..لذا فهو سيشدني بقوة ويدحرجني تحت عجلات السيارة وربما في جانب الطريق حيث يصطدم رأسي بحجر صلد يشج رأسي ..حين أناول السكينة لأمي لتقطع البصل والسلطة ..أتخيلني وأنا أغرسها في بطني وأباغت أحشائي التي تنقبض كثيرا عندما أخجل وعندما أحب وعندما ينتابني الهلع الشديد وعندما أتفاجىء بشيء لم أكن قد أعددت نفسي له مسبقا .. حين يمر قطار البضائع السريع في الساعة الثانية والنصف تماما ويهز الأرض والجدران فأنا أتذكر الحادثة التي كنت قرأتها عن فندق كاد أن ينهار فوق نازليه .. ورغم نجاة الكل تقريبا إلى أن فتاة واحدة لم تستطع أن تفلت من موتها المحتوم والخرسانة التي سقطت فوقها ودكتها بالأرض دكا .. أخاف من اهتزاز الجدران لحظة مرور القطار لأنني أتوقع في كل مرة قالب طوب يسقط عليّ ويفنيني تماما .. أفكر في الموت بكل الأسباب الممكنة والمستحيلة بداية من قطرة ماء تخطو خطأ في قصبتي الهوائية حتى سماء تنطبق على الأرض وشيئا يشبه يوم القيامة أو فيلم 2012 .. وأعرف أنني أتنفس في هذه اللحظة وأعيش لأن السيارة فرملت بحدة وبصوت عالي من احتكاك العجلات بالأسفلت وسباب السائق قبل أن يصدمني بسنتيمتر واحد .. أعيش لأنني نجوت من السلك المكهرب الذي التف حول جسدي مرة وكلما حاولت أن اتخلص منه بانتفاضات عنيفة التف أكثر وأكثر حتى جاءت أمي ونزعت الفيشة ودثرتني جيدا وأنقذت حياتي .. أعيش لأن معدتي استفرغت كل السموم التي كادت أن تقضي عليّ حين كنت أجلس في درس اللغة العربية بالصف الثالث الثانوي .. أعيش لأنني جريت بأقصى سرعة حين كنت صغيرة وطاردني كلب مسعور مزق طرف فستاني البرتقالي وأوشك أن يلتهمني لحما وعظما .. أعيش لأنني تذكرت عين البوتجاز التي نسيتها مفتوحة دون أن أشعلها فهرولت إليها وأغلقتها ثم هويّت المنزل وتجنبت مفاتيح الكهرباء حتى اختفت رائحة الغاز تماما من المكان كله .. أعيش لأن أجلي المسمى لم يأتِ بعد ..ولكنه قد يكون غدا أو اليوم أو بعد قليل..

لو كان هذا يومي الأخير لكنت ضممت أمي وقبلت جبين أبي وأغمضت عيني وتشهدت .. لو كان هذا يومي الأخير لكنت تركت وصية من سطر واحد :”إلى كل من أحببتهم وأحبوني … عذرا على رحيلي .. وشكرا على ذكريات خجولة تهب في صدري كالنسيم “.. لو كان هذا يومي الأخير لكنت كتبت رسائل أخيرة لكل من ارتجف قلبي لأجلهم يوما .. لـ أمي ..لـ أبي ..لـ أحمد ..لـ إخوتي .. لـ غادة .. لـ أسماء .. لـ وفاء .. لـ منار ..لـ رقية ..لآخرين غيرهم .. أخبرهم عن كل ما أظهرته وكتمته واقترفته وأحببته وكرهته وشعرت به و سكنته وسكنني .. أخبرهم عن وجودي الذي التصق بوجودهم .. وحياتي التي التصقت بحياتهم ولكنها آن لها أن تفارق الآن وهي تعرف أن صوتها الذي لا يتكىء وهنه على شيء الآن .. لن يسقط في الفراغ .. وسيصل !

 

ربما أكتب هذه الرسائل الآن … و ربما يتبع !

وشايفني رايح للذنب مش محتاج لـ زق

 

في حلقة برنامج “بدون رقابة” التي تعرض الآن على قناة القاهرة والناس وتستضيف عمرو أديب انتابني الشعور بالاستفزاز الشديد وقمت من أمام التلفزيون وأنا أردد بغضب هذا الرجل يكذب بلا شك.. لأنني لنأستطيع أن أصدق أن يكون إعلامي مثله بهذا القدر من الثقافة والوعي والثقل ويأتي بتصريحات خاطئة عن جهل .. لأنه حين يقول بأعلى صوته في رده على المذيعة التي سألته :”لماذا يحظى عمرو أديب بحماية الرئيس ويكون الاعلامي والصحفي الوحيد الذي لم يتعرض للاضطهاد من الدولة؟” فيرد :”استكمالا لمشوار الحرية الصحفية في مصر .. فيكفي أنه في عهد الرئيس محمد حسني مبارك لم يدخل صحفي وااااحد السجن !!!” ..

سأنفي كذبه وسأفترض أنه لا يعلم أن  اجابته تلك جاءت بعد شهر واحد من  حكم صدر ضد الأستاذ مجدى أحمد حسين بالسجن لمدة عام وغرامة 15 ألف جنيه فى قضية نشر مضى عليها 14 عاما، فى حين أنه محبوس بالفعل بحكم صدر عليه بالسجن سنتين بتهمة فى قضية أخرى هى التسلل إلى غزة المحاصرة «فى نفس الوقت أفرجت مصر عن صحفى إسرائيلى بعد أن تسلل إليها فى مارس الماضى بأيام”

سأفترض أيضا أنه لا يدري أنه منذ أسابيع فقط مثل رئيس تحرير «صوت الأمة» الأستاذ وائل الإبراشى أمام محكمة الجنايات بتهمة تحريض الجمهور على عصيان القوانين والامتناع عن سداد ضريبة السكن.. وقبل ذلك بشهرين اثنين كان حكم قد صدر ضد الكاتب الصحفى الأستاذ أحمد النجار بغرامة 20 ألف جنيه ودفع تعويض قدره 10 آلاف جنيه.. بل إن «ألف صحفى استدعوا إلى النيابة، مثل نصفهم على الأقل أمام المحاكم فى عام واحد»، على نحو ما ذكر الأستاذ عادل حمودة مؤخرا.

سأفترض أيضا أنه لا يدري شيئا عن قائمة  هؤلاء الصحفيين ممن صدرت عليهم أحكام بالحبس أو الغرامة أو كليهما وآخرين ممن اعتقلوا فى سنوات سابقة لا تكفى لنشرها هذه الصفحة.. بين هؤلاء، الأساتذة سلامة أحمد سلامة وجمال فهمى وعمرو ناصف وأحمد عزالدين ومصطفى بكرى ومحمود بكرى ومحمد الباز والرسام عصام حنفى وعلاء الغطريفى وعبدالناصر على ويوسف العومى ومحمد هلال وصلاح بدوى وصابر مشهور وغيرهم وغيرهم، مما دعا 22 صحيفة للاحتجاب عن الصدور يوم 7 أكتوبر 2007 اجتجاجا على استمرار تطبيق عقوبة حبس الصحفيين بالرغم من الوعد الرئاسى بعدم نفاذها، ودعا المجلس الدولى لحقوق الإنسان فى جنيف أن يطالب مصر فى فبراير الماضى بالوقف الفورى لمصادرة حرية التعبير فى الصحافة والانترنت

تعرض مدونو الانترنت هم الآخرون للحبس والاعتقال، ومن بينهم كريم عامر الذى حكم عليه بالسجن 4 سنوات بتهمة ازدراء الإسلام وإهانة الرئيس، وحكم على المدون كمال مراد بالسجن 6 أشهر بتهمة إهانة رجال الضبط، واعتقل عدد من المدونين لفترات متفاوتة

أما بالنسبة للعاملين فى حقل الإذاعة والتليفزيون فهناك قضيتان شهيرتان كانتا مجال تعليق واسع فى الصحف، أولاهما قضية صحفية قناة الجزيرة الأستاذة هويدا طه التى حكم عليها فى 2007 بالحبس 6 أشهر وغرامة 20 ألف جنيه بتهمة الإضرار بالمصالح القومية للبلاد والإساءة إلى سمعتها.. والمثير للسخرية أنه فى الذكرى السنوية الأولى للقبض عليها ألقى القبض عليها مرة ثانية وهى تصور أحد برامجها فى إمبابة رغم حصولها على إذن بالتصوير من الشرطة.

أما القضية الثانية فكانت فى 2008 عندما قامت الشرطة باقتحام «شركة القاهرة للأخبار» ومصادرة أجهزتها وتحويل مديرها نادر جوهر إلى المحاكمة بعد أن قدم اتحاد الإذاعة والتليفزيون التابع للسيد أنس الفقى بلاغا ضده بتهمة استيراد وحيازة معدات تليفزيونية دون ترخيص، وذلك إثر تغطية الشركة لمظاهرات المحلة الكبرى عندئذ.. وقد صدرت أحكام براءة فى القضيتين فى النهاية، إلا أن الرسالة كانت قد وصلت والبهدلة تمت.

أظن أن الأنكى من الحبس والاعتقال والغرامة هو إهانة الكرامة الإنسانية.. وهنا لا يمكن أن يغفر للحكم حادث الاعتداء الشهير فى 1995 على الكاتب الكبير جمال بدوى رئيس تحرير جريدة «الوفد» عندئذ، الذى قام نحو 10 أشخاص مجهولين بإخراجه من سيارته فى شارع صلاح سالم والاعتداء عليه بعد أن اعترض على القانون 95 الذى غلظ العقوبة فى قضايا النشر، وهو ما تكرر أيضا فى العام نفسه مع الأستاذ محمد عبدالقدوس، وتكرر مرة أخرى على نحو فظ مع الدكتور عبدالحليم قنديل فى عام 2004، حيث اختطف من أمام منزله، وقام مجهولون «كالعادة» باقتياده فى سيارة معصوب العينين مكمم الفم إلى الصحراء حيث أوسعوه لكما وركلا وتركوه عاريا بعد أن أبلغوه صراحة أن «يتكلم بأدب ولا يتطاول على الكبار»، وهو نفس ما حدث كذلك لمدون الانترنت محمد الشرقاوى الذى اختطف فى 2006 وعذب وجرد من ملابسه كاملة.

كل الوقائع السابقة تتعلق فقط بسجن واعتقال وخطف وتغريم الإعلاميين وإيذائهم.. ولكن كبت حرية التعبير فى عهد الرئيس مبارك اتخذ مظاهر أخرى متعددة.. ففيما يتعلق بالتليفزيون كان للسيد أنس الفقى السبق فى استصدار وثيقة تنظيم البث الفضائى من الجامعة العربية، وهى الوثيقة التى استهدفت تكميم القنوات الفضائية وبرامجها السياسية خاصة، وبموجب هذه الوثيقة أوقف بث قنوات الحوار والبركة والحكمة وقناة العالم الإيرانية من القمر المصرى «نايل سات».. وفى ظل الرئيس  أيضا مورست صنوف ضغط عديدة على القنوات المصرية الخاصة تحدث عنها ثلاثة من أصحابها فى الصحف فى الأيام الأخيرة بإبهام مفرط.. ولعل الاتهامات التى أطلقها الوزير مؤخرا على هذه القنوات بأنها «تكسر كل القواعد من أجل الانتشار» وأنها «تتاجر بمعاناة الناس» وأنها «تختار مادتها من أسوأ الأخبار» دليل بذاته على الإرهاب الذى يمارسه على التليفزيون الخاص.. وفى عهد الرئيس مبارك أيضا تمت مصادرة أعداد من الصحف من بينها «الأهالى» و«الموقف العربى»، ومنع طبع صحف فى مصر مثلما حدث مع «الدستور» فى 1998 عندما كانت تصدر بتصريح من قبرص، وصودرت كتب عديدة بينها كتاب «النبى» لجبران خليل جبران المتداول فى مصر منذ 70 عاما، ولوحق عدد من المبدعين والكتاب بدعاوى حسبة متباينة.

سأنفي مرة أخرى الكذب عن السيد عمرو أديب وسأفترض بصدق نية أنه يجهل كل هذا وأنه اعلامي أصيل ولن يعض الأيدي التي تمتد إليه ولحم أكتافه من خيرها كـ يد الرئيس مبارك طبعا مجاملة لواسطة الخير السيد عماد الدين أديب ;)

 

*كل المعلومات المنشورة في المقال مصدرها الأستاذ حمدي قنديل عن جريد الشروق

ردا على ancore الذي طلب مني بشدة في تعليقه أن أحذف عبارة “تتدرب على الرقص” لأنها لا تناسب المواضيع المطروحة :

 

ربما تكون لك وجهة نظر صحيحة يا ancore ولكنني لم أكتب هذه العبارة كتعريف للمدونة وإنما كتعريف لـ “دعـــــــاء” نفسها .. قديما جدا كان اسم هذه المدونة “pray” وكانت العبارة التي تتبعها ” I pray to be only yours” وكان هذا تعريف لـ ” pray” أيضا دون أي علاقة بالمواضيع المطروحة

الأشياء ضحايا النظرات يا “ancore” وكل منا يفهم ما يراه بطريقته الخاصة جدا ..كأن تنظر إلى لوحة سيريالية وتحسبها شيء ..وأنا أحسبها شيئا مختلفا تماما ..بينما راسمها يكون له وجهة نظر أخرى غيري وغيرك

وحين كتبت ساحة لفتاة ريفية تتدرب على الرقص وجلست ليلة بأكملها وأنا أضبط الصورة أعلاها لتكون قدمين لرقصة تدب فوق الساحة كلها كنت أعني الهلاك الذي يصيب رأسي ولا ينقذني منه سوى الرقص .. ومهما حاولت لن تتخيل حجم الصدق في جملتي السابقة هذه

أنا مفتونة بالرقص .. مفتونة به تماما وحين أسمع منير يغني “ترقص؟ أرقص .. غصب عني ,,غصب عني أرقص” أردد:  “لو كان بيدي هذا … ما رقصت !”

أتخيل أن الرقص منبعه الريح وكما تقول غادة السمان :”الريح هي الأنثى الوحيدة الحرة في هذا الكون ” .. وأنا من زمن قد اتخذت هذه الأنثى قدوتي ومثلي الأعلى .. وأحلم بأن أكون الابنة الشرعية لها وأصير الأنثى الثانية الحرة في الكون .. ومن داخلي ينبع الرقص ! .. أمر على الأشجار فتميل ناحيتي ..أخطو على الغبار فيدور في دوامة ويلفه الرقص ..ألامس القمصان المنشورة على حبل الغسيل فترفرف وينبعث فيها الروح !

أنا مفتونة بالرقص يا “ancore” حتى أنني أنظر لكل الأشياء حولي وأتخيل حركاتها كلها نوعا من الرقص الخاص بها جدا والذي لن أفهمه إلا إذا جربت أن أكون هذه الأشياء .. أنظر لأصابعي التي تنقر الآن فوق الكي بورد وأعرف أن هذا النقر هو الرقص الخاص بأصابعي وأن كل هذه المواضيع المطروحة هي نتاج هذا الرقص !

 

فهمتني يا ” ancore”

 

أتمنى هذا !

Guess

 
 

ياورد على فل وياسمين +

قررت أن أصنع باقة ورد لأمي بمناسبة عيد ميلادها .. أخذت مقص الشجر من درج في المطبخ .. و واريته أسفل قميصي وأنا خارجة لأن أمي كانت تجلس في الصالة وأنا أردت أن أفاجئها ..بدأت أقص الورد و أقطف الياسمين وأكوّمه فوق بعضه بسعادة .. أعرف ان أمي تعشق الورد والزهر مثلي .. هي التي أقنعت أبي بشراء هذا الشجر .. رأيتها أول أمس بـ”الجنينة” تنثر بذور ريحان بجوار شجر “الفيسكس” الذي زرعته مؤخرا .. تبحث طوال الوقت عن نباتات جديدة سهلة الزرع والرعاية .. وتستشير “سمسم” بائع ومختص نباتات الزينة في القرية .. تجمع الياسمين في الصباح ..تروي النعناع وشجر التين بعد العصر .. وتجلس أول الليل بجوار شجرة الورد البلدي المتدلي على الشرفة .. تعيش أيامها كفراشة ملونة تتنقل بين الأخضر و ألوان زاهية أخرى .. أمضي خلفها وأنا أحاول لمس جناحيها و وتعفير أطراف أصابعي بألوانها .. أبتسم وأنا أتذكر كل هذا أثناء تقليم الشوك من الأفرع .. أفكر في حلمي القديم .. في طموحي بأن أصير بائعة ورد بإشارات المرور .. أضحك وأنا أتذكر أحمد حين أخبرته بهذا الحلم فقال:”وإيه اللي حصل ..مجموعك مجابش؟!” .. أتخيلني هذه اللحظة الفتاة بائعة الورد التي طالما حلمت بأن أكونها .. الفتاة التي تقطف الورد الطازج وتقلم شوكه ..ترش المياه المسكرّة فوقه كقطرات ندى وترتدي فستان مزركش قديم ومنديل تربط به شعرها ..تتجول بين السيارات أثناء الإشارة الحمراء وتقترب من النوافذ نصف المفتوحة وهي تقول :”خد وردة يا بيه ..خدي فلة يا هانم”…تشاكس:” وحياتك انت ماتكسفني خدلك عودين دا أنا اسمي نرجس … والله إن ما كنت تنفعني لأزعق وأقول راجل مفلس” ..تذهب إلى الكورنيش آخر الليل وتغني للعشاق:”خدلك هدية لحبيبتك ده الورد ده زينة الجناين .. تخليها تتوه في ريحتك وتبقى من ضمن الزباين”..ترجع إلى غرفتها الصغيرة في نهاية اليوم بقدمين يؤلماها من كثرة المشي وجنيهات قليلة مكرمشة تخرجها من جيب الفستان وهي تحاول فردها وتضعها في حصالة صفيحية صغيرة تشبه حصالة لبلبة حين كانت تغني ونحن صغااااار :”حصالتي ليها كرش ..يتحط فيه القرش ..ويقول ما تتكسرش ..هفضل طول عمري قرش ..وأحط تاني قرش .. وقرش على قرش وأنساه ومفتكرش ..دا كبر ولا مكبرش ..دا كبر ولا مكبرش”..تخبىء الحصالة وهي تستلقي على ظهرها وتتخيل محل زهور صغير تملكه بالنهاية ..بألوان جدران صاخبة وعدد من الزهور لا أول له من آخر ..حين تكون أخيرا قد حققت غاية آمالها!!

أنتهي من التقليم وأنا أزيح الذكريات والأحلام جانبا وأبحث عن “تول” ..ألفه حول الورد .. أنظر لكل باقات الورد التي أهداها أحمد لي .. الشيطان يوسوس لي بقص جزء صغير من الشرائط الملونة والتول .. أستعيذ بالله منه وأنا أتذكر افتراسي لأخي الصغير حين فكر مرة أن يلمس هذه الشرائط .. أتراجع وأقلب البيت رأسا على عقب حتى أجد أخيرا أجزاء شيفون أبيض كنت قد احتفظت بها من بقايا هدايا سبوع أحد أقاربي ..أفرح بها جدا وألفها حول الورد .. أذهب إلى الثلاجة وأسرق قطعة من الشريط الملون الملفوف على علبة التورتة ..أربطه حول الباقة .. وأنتهي أخيرا بسعادة لا توصف .. أخبئه خلف ظهري وأتسلل إلى أمي .. يراني اخوتي فيقفزون فوقي .. تخطفه شيماء من يدي وهي تقول :”دا حلو أوي ..هروح أنا أديه لماما” .. أصرخ وأستعيده منها بعنف .. أنسى التسلل وأجري إلى أمي به سريعا خوفا من قاطع طريق آخر يحاول اقتناصه مني .. تفرح أمي به كثيرا كثيرا وتخبرني أنه رائع .. تضمني وتقبلني فأنسى أحلام حياتي كلها ولا أحلم بأكثر من أن  تأتي كل سنة وأمي طيبة وسعيدة وتشبه الفراشة ….أو الوردة !

عن ماذا أريد أن أخبرك؟ عني ..ربما .. عن اليوم الذي قضيته دونك تماما ..ربما .. عن الأشياء التي أريد أن أفعلها وأؤجلها دائما بلا سبب فأكتفي بإحصائها في ورقة كي لا أنساها ولكن يبدو أن هذا غير مهم لأنني لا أعود لهذه الورقة أبدا .. عن المذاكرة التي لن يكفيها كل الوقت المتبقي على الامتحانات ولا حتى ضعفه مرتين .. وأنا عاجزة عن البدء حتى الآن وأصنع كل يوم جدولا جديدا للمذاكرة وأمزقه في اليوم التالي  .. عن الشوق الذي كاد يسحقني طوال النهار ويحولني لذرات غبار بإمكان الريح أن تطيرها إليك فتنفضها عنك دون اكتراث وأنت لا تتخيل أن الشوق بعثرني إلى الحد الذي أتى بي إليك.. عن أغنية “قهوة لـ فيروز كراوية” التي أدرتها منذ أن ظهر كوكب الزهرة حتى اختفى تماما في العاشرة وسبع وعشرون دقيقة بالضبط و أنا أقف في الشرفة قبالته أنظر إليه وأغني مع كراوية :”طب ممكن نسرق ساعة وتشرب قهوة معايا بقا “..تقول “بقا” لأنها فاض بها كثيرا ولم تعد تحتمل هذا البعد .. ويخرج الصوت من السماعات حالما ومشتاقا ..جميلا إلى الدرجة التي ينبغي معها أن يهدأ الكون كله تماما ..وينصت في صمت وإغماضة عين ..ورغم هذا..الحياة حولي لا تهتم به على الإطلاق .. صوت القطار الطويل جدا .. السيارات الذاهبة والآتية ..فلاح يشغل موتور المياه ليروي حقل الأرز .. أطفال يتشاجرون أسفل المنزل ..جار يستعد للزواج قريبا ويفرش شقته التي تشع فوضى وضوضاء وفرح  ..ضجيج لا ينتهي.. وأنا وحدي في هذا العالم هادئة تماما و مغرمة بأغنية تشتاق لفنجان قهوة معك .. عن ماذا أريد أن أخبرك أيضا .. عن تذكري بأنني لم أنظر لصورتك منذ ليلة الأمس و هذا لا يحدث إلا نادرا لكنني تجاهلت هذا وقررت أن أغمض عيني وأتذكر ملامحك وحدي .. وكالعادة أرى الحسنة الصغيرة في خدك الأيسر بوضوح تام .. وأعجز عن تحديد بقية ملامحك لأنها لا تترك مساحة في عقلي لشيء آخر .. أخبرتك كثيرا أنني أحبها ..وأنها أول شيء أتذكره بوجهك .. لكنها تزعجني في هذه اللحظة .. وتجعلني أشتاقك أكثر .. أود لو تكون نقطة شيكولاتة نسيتها وأنت طفل وبإمكاني حين أراك أن أمرر إصبعي عليها و آكلها وأنا أرى المكان حولنا يمتلىء بألواح شيكولاتا بالبندق والكريما وبالونات العلك المصابة بارتفاع في السكر و غزل بنات و كل ما يشتهيه الصغار ويحول الصيف إلى كيان طري وشهي قابل للحب والحياة وصنع بالونات الدهشة الصابونية … تعرف؟ أنا أيضا لدي في ذراعي الأيسر شامة صغيرة بشكل وبحجم حبة توت تحلم بأن تلتقطها أطراف أصابعك مرة وتزرعها في حديقة منزل يخصنا وحدنا بجوار شجر ياسمين وبرتقال وعلى الأرض نعناع كثير يغطيها تماما ويلون حياتنا بالأخضر ..

عن ماذا أريد أن أخبرك أيضا .. عن  الصباح الذي يحويني دونك هذه اللحظة وأنا أحلم بأن أخطفك من نومك ونجلس معا  نشرب قهوة صباحية ونحن نستمع لموسيقى نحبها و رأسي مائلة علي كتفك قليلا ..!

تعرف أيضا .. أنا مرعوبة من أن أرفع رأسي من على هذه الشاشة الآن ولا أراك جالسا بجواري ..مرعوبة جدا!

 
 

في صغري كان حلمي أن أكون ممثلة كـ سعاد حسني ونيللي و فيروز .. كنت أعشق فيلم “دهب” بصورة غير معقولة .. وربما كان هذا الفيلم هو السبب الأساسي في الحلم الذي لازمني سنوات طفولتي بأكملها ولم يفارقني إلا حين دخلت المرحلة الثانوية وانشغلت بأشياء كثيرة جعلتني أنسى التلفزيون والأفلام وحلمي بأن أكون نجمة سينيمائية تخطو على سجادة حمراء طويلة ورفيعة تبدأ من الباب الخلفي لسيارة ليموزين سوداء بمجرد أن أنزل منها أغمض عيني من أضواء الفلاش الكثيرة التي ستغمرني وأنا أجهل كيف أبتسم لها وأحافظ على عيني مفتوحة في نفس الوقت كي لا تظهر صورتي على غلاف مجلة في اليوم التالي وأنا مغمضة العينين ..!

 كنت أعشق فيروز وأرى فيها الطفلة التي يجب أن أكونها .. قلدت رقصها وغنائها وكلامها وحركاتها البهلوانية التي كانت تأتي بعفوية من شيطانة صغيرة تتدرب على التمثيل ..وكان أبي وأمي يضحكان عليّ دون أن يخطر ببالهما حتى التفكير في حلمي الصغير بقليل من الجدية .. فتمنيت لو أضيع منهما ويجدني أنور وجدي آخر يعطيني مزمار أدور به معه في الشوارع ونحن نمسك بطننا من الجوع ثم نتقاسم بفرح التفاحة المسروقة … فُتنت بـ نيللي وفوازيرها .. وتخيلتها تسكن عروسة قطن لعبة لم أمتلكها يوما وبالتالي لم أكن ميمي التي تتشاجر مع أخيها ميمو عليها ويقولا:”اوعي .. سيبي اللعبة بتاعتي … لأ دي بتاعتي .. يا سلام ياختي ..ماتشدش ..طب يلا سيبيها ..ماتشدش ..ماتشديش انتي..ماتشدش .. ماتشديش انتي” فتتمزق وتخرج نيللي منها لتقول “العبو مع بعض ما تتخانقوش” أو تقول “أنا أصل اللعبة” … وبالمناسبة أنا لم أمتلك عروسة قطن في طفولتي لأن أبي كان يعاملني كصبي .. كان يأخذنا لمحل اللعب فيشتري لشيماء أختي عروسة ويشتري لي سيارة بريموت ..اشترى لي عروسة واحدة في حياتي كلها ..كانت بلاستيك وكانت تحبو صامتة على كفيها وركبتيها وفي فمها ملهاة بمجرد أن أنزعها منه تتوقف عن الحبو وتنفتح في ” واء…واااء..واااء” بإزعاج لانهائي .. كنت آخذها معي الحضانة حيث أضعت هناك هذه الملهاة ولم تتوقف العروسة عن الصراخ والوأوأة حتى وضعت في فمها عيدان كبريت فسكتت وأخذت أبكي أنا على ملهاتها الضائعة وقلبت الحضانة رأسا على عقب ولم أجدها ..كنت متأكدة في داخلي أن الدادة سناء هي التي أخفتها لأنني أعاندها دائما ولا أطيع أوامرها مطلقا فأرادت الانتقام مني وأخفت الملهاة فوق الدولاب العالي الذي لن أستطيع الوصول إليه مهما حاولت .. لم أستطع نهائيا إثبات التهمة عليها وإن كنت كرهتها للغاية وأزعجتها فيما بعد بصورة مضاعفة وغبية .. مايهم .. كنت أتحدث عن حلمي القديم الذي فر من بين أصابعي كالماء وهرب .. كنت أريد أن أصبح كـ سعاد حسني بطفولتها ودلالها وخفة روحها وضحكتها ورموشها الطويلة التي كنت أحبها جدا وحزنت حين عرفت فيما بعد انها رموش صناعية من أجل الكاميرا فقلت بغرور “أنا فوتوجينيك أصلا ولن أحتاج أي من هذه الأشياء” ..اشتريت أظرف كثيرة وكتبت أكثر من خمسين رسالة على مدار حلمي مفداها :”أنا عايزة أشتغل ممثلة زي سعاد حسني أو نيللي أو فيروز” لم أعرف لمن أوجههم فكتبت على الظرف بخط كبير :”إلى رئيس التلفزيون”..كنت أعطيهم لأبي ليرسلهم وكان يعود ويخبرني أنهم سيردوا علي في أقرب وقت .. وحين وجدت أقرب وقت هذا بعيد للغاية ولم أكن أطيق الصبر بكيت لأبي طويلا كي يأخذني إليهم ..وكانت هذه الاسطوانة تتكرر يوميا دون توقف .. لا أستطيع أن أحدد بالضبط متي توقفت عن كتابة الرسائل وبالبكاء ..ولكن يبدو أن هذا حدث حين لم أعد طفلة لأن الأطفال هم فقط من يتمسكون بقوة بالأشياء التي يريدونها ولا يتخلون عنها مهما حدث ..!

تذكرت هذا كله الآن حين قرأت منذ قليل عنوان صغير يقول:”الاحتفال بالذكري الخمسين على إطلاق التليفزيون المصري” .. ففكرت لحظتها أن أبعث رسالة تهنئة صغيرة لـ رئيس التلفزيون الذي لم يكلف خاطره يوما بالرد على رسائلي الكثيرة المتوسلة .. أشعر أنني حين أهم بوضعها في صندوق البريد فسأجده مزدحما للغاية وسينكسر وأتفاجىء بسقوط رسائلي القديمة كلها على الأرض كما حدث لـ أحمد حلمي في فيلم آسف على الإزعاج فأجلس على الرصيف أضحك بطريقة بائسة وعلى ظهري تربت أطياف سعاد حسني ونيللي وفيروز !

بإسمك يا الله أبدأ رسالتي إليك .. وأقول “بسم الله الكبير الواسع” .. لأنني أشعر بصغري وضآلتي الشديدة الآن .. وصدري ضيق جدا ولا يسع نسمة هواء أتنفسها وأرتاح .. أجدني أزفر كثيرا ..كوسيلة لتوسيع المكان وإفراغه من كل شيء لا أكثر ..أمضي بذراع مفرودة قليلا تلامس الجدار وتبحث عن شق صغير يستطيع أن يمر الهواء من خلاله..لماذا كل الجدران مصمتة إلى هذا الحد ومصابة بضيق حاد في التنفس ..أفتح النوافذ والأبواب وأنا أتذكر صديق أضاف مؤخرا صورة على الفيس بوك لشباك نسي إحدى جانبيه موارب لفترة وحين انتبه وجد عش صغير في هذه الفتحة وداخل العش بيضتين ..التقط صورة وأضافها لألبومه وكتب تحتها أنه أول ما رآها نطقاللـــه”..وفي التعليقات قال أن هاتين البيضتين قد تحولا ليمامتين صغيرتين وجميلتين حلقا بعيدا.. تسمرت طويلا أمام هذه الصورة ..وفكرت أنك يا الله تبعث رسالة لهذا الرجل مضمونها خير كثير..تمنيت وتمنيت لو تهديني عش ببيضتين مثله ..رجعت للنوافذ التي فتحتها على آخرها و واربتها..راقبت الطيور المحلقة وأنا أرجوها أن تأتِ إليّ..على حافة النوافذ كلها وضعت فتافيت خبز و عناقيد عنب صغيرة ..وانتظرت طويلا ..كل هذا ولم تفكر يمامة واحدة أو حتى بومة أو غراب بالالتفات إليّ والعطف على قلبي الهش الفقير ..تذكرت صديقتي “جي جي” التي تعشق القطط ..وأول ما تفعله حال أن تستيقظ هو ملىء زجاجة مياه وتفريغها في علب زبادي وآيس كريم كثيرة وزعتها على رصيف شارعها و حواف البيوت .. وحين استغربت وسألتها عن هذه المياه قالت أنها من أجل القطط المشردة.. كانت جي جي فتاة عادية بالنسبة إليّ ..بما يعني أنني لا أحبها ..ولا أكرهها..ولكن يبدو أنني أحببتها في هذه اللحظة بالذات ..حين نطقت هذه الجملة ووجدت القطط تجري ناحية المياه كأنها تنتظرها بشوق.. وصديقتي تراقب هذا بسعادة غامرة ..وجدت هذا جميلا للغاية ..وبه شيئا لا أستطيع تحديده لكنه يأتي من روحك يا الله .. لم أعد بعدها لأفكر في السيئات والحسنات كما كنت ..ولكنني انشغلت بهذه الأشياء الصغيرة المحرومة أنا منها تماما..وأتمناها بشدة..

أنا لا أكتب إليك يا الله لأخبرك شيئا لا تعلمه عني ..فكما أخبرت وفاء صديقتي أمس أنك تعلم بأمر كل الدماء النابضة في قلوبنا وأنت أقرب إلينا من حبل الوريد ..وإنما أكتب إليك لأجرب متعة البوح إليك ..لأنني أحتاجك جدا .. جدا ..وأشعر بالخجل الشديد لأنني ألجأ إليك الآن فقط .. أشعر أنني فتاة انتهازية وأنانية وناكرة للجميل .. حدث ياربي أن احتجتك كثيرا في فترات سابقة لم أدق بابك بها .. كنت أرفض أن أكون هذه الفتاة الإستغلالية ..وكنت تساعدني دون أن أطلب .. يقولون أن سبحانك أحنّ علينا من آبائنا وأمهاتنا ..أعرف هذا ومتأكده منه تماما .. لكنني أفكر أحيانا أنك ترحمني من أجل أمي ..من أجل خوفها وقلقها ورجفتها عليّ ..من أجل دعائها في كل سجدة لي .. من أجل طيبتها و قلبها الذي لا يستحق الحزن .. فكرت من عدة أيام أنه لو حدث لأمي شيئا ما “لا قدرت يا رب” ..فكرت أنه لن تطالني رحمة بعدها ..في رأسي ذكرى واهية لحديث سمعته يوما يقول “إذا ماتت أم العبد نادى مناد أن سدد وقارب فلقد ماتت التي كنا نرحمك من أجلها”.. لا أعرف يارب إن كنت أنا أستحق الرحمة يوما لأجلي .. ولا أعلم كيف عليّ أن أفكر ..هناك من يقول أنه ينبغي أن يفكر الإنسان بأنه يستحق كل الخير .. ويعيش بهذه الإيمان .. و أنا أشعر أنني لا أستحق أي شيء .. أدعوك دائما :”اللهم عاملني بما أنت أهل له .. ولا تعاملني بما أنا أهل له ” .. حين حدث من فترة أن صببت الماء المغلي على يدي وشعرت بالألم يتصاعد وبالحرق يزداد لهيبه مع الوقت ..فكرت لحظتها في ذنوبي كلها وماذا سأفعل بشأنها ..لن أحتمل الماء المغلي والنار ..وهذا العذاب الذي لن يفنيني لكنه سيجعلني أحلم بالفناء ..كنت في الصف الأول الابتدائي حين حفظت سورة “النبأ” ..ورغم أنني كنت أحفظ دون فهم أو تفكير مزقتني الآية الأخيرة بها :”ويقول الكافر يا ليتني كنت ترابا” ..لست كافرة ولك الحمد يارب .. لكنني لحظتها رددت طويلا :”ياليتني كنت ترابا” ..كنت أرددها وأتمناها في سري طويلا وأنا أخاف أن يسمعني الشيخ عزت الذي كان يحفظني القرآن ..أو تسمعني أنت يا الله فتظنني كافرة ..كان هذا تفكيري الصغير الأحمق وقتها ..و أحتار الآن في أمنيتي القديمة هذه ..وأتساءل لماذا تتمنى طفلة في السادسة من عمرها لم تتلوث بالذنوب بعد أن تكون ترابا ..أعرف أنني الآن لست فتاة صالحة ..ولكنني أرغب بالجنة كي لا أدخل النار ..وربما أرغب فقط بألا أدخل النار .. أنا أحبك يا الله .. وكل الأوقات التي حدث وتقربت فيها إليك وصليت لك لم أفعل هذا لأنني أرغب بالجنة .. فعلت هذا لأنني أحبك .. وأحبك جدا .. لم أدعوك بالجنة يوما لأنني خفت أن أكون بهذا الدعاء أطلب مكافاءة لعبادتك ..والآن أنا لا أتقرب كما كنت ولا أصلي كما كنت ..ولا أخبرك كل يوم أنني أحبك كما كنت.. ولا أدعو بالجنة ولا بالنجاة من النار ..أنا صغيرة وضئيلة وتعيسة..ولا أشعر بالراحة مهما حاولت ..أحتاج هذه اللحظة فقط بأن أخبرك أنني أحبك وتأتيني يمامة جميلة تلتقط الخبز والعنب من على حافة نافذتي ثم تطير بعيدا ..!

 

سعيدة لأنني أخيرا تمكنت من تطيير طائرة ورقية بعد أن قرأت غادة قائمة أمنياتي وفكرت أن تساعدني في تحقيق أول أمنية .. أهدتني طائرة ورقية يوم الأحد الماضي ..تفاجأت بها وسعدت إلى أقصى حد .. سعدت بتفكيرها الدائم في كيفية إسعادي ومساعدتي في تحقيق أحلامي الصغيرة جدا ..والكبيرة

شكرا بحجم الوجود كله ياغادة  :)

 

 

أعترف أنني تعثرت كثيرا حتى أتمكن من تطييرها وساعدتني أسماء بشكل كبير حد أنني كنت أتسلق سور عالي وأنا أمسك بالطائرة ..وأسماء تقف على الأرض تمسك طرف الخيط ..أنا أرفع الطائرة قدر ما أستطيع كأنني أعلقها في الهواء بيدي ..وأسماء تجري للأمام والطائرة خلفها .. وبعد أن سقطت مرات كثيرة وكدنا نفقد الأمل … نجحنا أخيرا !

الآن سأضع علامة صح ونجمة بجوار هذه الأمنية..  ثم نشرب  بيبسي ماكس معا ياغادة ..أليس كذلك؟

طيري يا طيارة …. فيروز

أشعر طوال اليوم بأنني على وشك الإنفجار .. أزفر كثيرا وأنطق “أوووف” عالية وليس بإمكان أي شيء أن يريحني و لو قليلا .. غفوت برأس دامع و استيقظت برغبة كبيرة في الحديث .. أكثر من ساعة وأنا أفكر فيمن يمكنه أن يسمعني .. فكرت في غادة وتراجعت لأن الوقت متأخر .. أحمد نائم ولن يجيب .. أمي لا تفهمني جيدا وتظن غضبي سببه أشياء تحدث الآن وكان حدوثها يبكيني طويلا حين كنت بالمرحلة الابتدائية .. أحسست أنني وحيدة كسمكة في حوض .. حتى تنبهت فجأة إلى أن الله لا ينام وأنه موجود دائما وسيسمعني .. حتى ولو كان الوقت متأخرا جدا على أن أحادثه .. فعلت هذا وارتحت جدا .. جاءت أمي لتطمئن علي قبل أن تنام .. مازحتني وقالت أنني أشبه أسمهان وأنا نائمة ابتسمت بقلب صافي .. تلاشى الانفجار الذي قاربته طوال النهار .. وأستطيع أن أنام الآن بهدوء تام..

 

أعجز عن إنجاز أي شيء
.
.
سألون جسدي بالأسود و
الأصفر .. وأجرب أن أكون
نحلة !

في رئتي سحابة دخان .. أخشى أن أزفرها فيسعل الكون و يختنق

مؤشر المزاج منحدر عند الصفر أو أقل قليلا .. أزفر وأكتب فاصلة ( ، ) ..بما يعني أن الأمر لا ينتهي عند هذا الحد .. لا يوجد سبب محدد لهذا الإنحدار ..وربما أنا التي لا تستطيع تحديد السبب .. قيل لي مرة : إذا شعرت بضيق تجهلين سببه .. فهناك حتما شيئا صغيرا ..صغيرا جدا مر عليك هو السبب في تعكير مزاجك..قد يكون اليوم أو أمس أو حتى الأسبوع الفائت .. وكل ما عليك لتشعري بالاتساع هو أن تمشي بذاكرتك للوراء كشريط الفيديو حين تضغطي على زر الرجوع إلى الخلف لحظة بلحظة حتى تجدي السبب وتتوقفي عنده ..وهذا الاكتشاف في حد ذاته سيجلب الراحة .. لذا سأفعل هذا وأبدأ من هذه اللحظة

الآن أنا أجلس بالطابق الثاني من أجل الكتابة لأن المنزل في الأسفل يشبه السيرك ..تليفزيون عالي وأغاني عالية .. هناك من يذاكر وهناك من يتحدث في الهاتف ومن يلعب بلاي استيشن .. ومن يحادث غريبا في الشرفة .. ولا ينتبه أحد لأحد ..وما يحدث حين أنوي الكتابة في هذه الحالة وأتهيأ بالجلوس أمام الشاشة .. يلتفت الكل إليّ بصيحة ..:”انتي هتعملي ايه ..دا وقته؟” ..كأنني وتر خاطىء في سيمفونية جامحة .. ويتم نقلي إلى مكان معزول كسجن مثلا بتهمة تفجير بطيخة في قلب السيرك .. لا أفهم ..لكني أستسلم وكفى … وصعودي للطابق الثاني لا يعني أنني أجلس بهدوء الآن ..لأن هناك صوت عال لموتور مياه يروي حقل أرز مجاور.. وأصوات متداخلة لضفادع مرحة كثيرة تقفز في المياه الباردة داخل الحقل بسرور غبي .. ليتني كنت ضفدعة ..هل هذا مستحيل ؟ أحتاج فقط لقبلة من أمير مسحور ..قبلة واحدة سيرحب بها الأمير بالطبع بنفس سرور الضفدع الغبي .. لكنه سيشعر بالقرف طويلا حين أتحول بين يديه لكائن أخضر مقزز …الأصوات عالية بالفعل .. لا أنتبه لها إلا حين أقرر أن أنتبه .. بمعنى أنني أنسى وجودها حين أعتاد عليها .. أتذكر عندما قال لي أحمد كيف تستطيعون النوم من صوت القطارات المزعجة التي تمر طوال الوقت ..يتخيل أنني أستيقظ مفزوعة عند كل قطار .. ولكن هذا لا يحدث أبدا ..لأنني لا أشعر بمرورها على الإطلاق .. أنتبه لها نادرا .. حين أكون أتحدث في الهاتف مثلا ويمر واحدا فلا أستطيع سماع محدثي بصورة جيدة .. وهكذا الأمر مع الضفادع وموتور المياه .. أقصد الضفادع فقط ..لأن الموتور توقف أثناء حديثي عن القطارات وانتبهت لهذا .. أشعر أنني ثرثارة .. ولكن هذا لا يهم نهائيا ..لأن من يشعر بالملل يستطيع أن يغلق الصفحة .. يرميها من يده بكل بساطة … عن ماذا كنت أتحدث .. آه عن مزاجي وذاكرتي التي تمشي للوارء كشريط فيديو .. لا أفكر في شيء ولا أنتظر أحد .. لا أشعر بالامتلاء أو الفراغ أو الضجر .. أبكي دون اسراف .. وهذا غريب ..لأنني حين أبكي .. أذوب كلي وأمطر دفعة واحدة ..بالأمس في أول اليوم يقول أبي عني بغضب وصوت هادر أنني مريضة نفسيا وأحتاج للعلاج .. قال هذا فجأة دون أن أفعل أي شيء .. كنت جالسة في غرفتي وسمعت الصوت الغاضب حتى أنني لم أظنه لي .. لم أبك ..لكنني ذرفت عدة دمعات قليلة وانزويت بعدها لا أخاطب أحدا ..حدث هذا مرة ثانية أثناء جلوسي بجوار أحمد اليوم ..عيني اليمنى تذرف ثلاث دمعات ..واليسرى ناحيته لا يلوح بها أثر الدمع ..هذا مضحك حقا ..لأنني وقتها كنت أريد بكل قواي ألا أبكي أمامه .. وحدث هذا بقوى خارقة وساحرة مني بالطبع .. لن أعتبرها مصادفة على أي حال لأنني أحب أن أصدق في نفسي سحر خاص ..أمي لم تر دموعي أيضا ..لكنها بعد أن قاطعتني ليوم ونصف دون أي سبب واضح تأتي وتبالغ في الحنان بصورة فجائية ..كأنها أشفقت عليّ من غضبة أبي ..تدللني وتلح عليّ في أخذ الدواء ..تحدثني عن الطقس وخطتها للأسبوع القادم وأيام امتحاناتي .. تدخل عليّ غرفتي وأنا نائمة وتضع يدها على جبهتي لتطمئن على درجة حرارتي ..أتركها تفعل كل هذا دون أن أتقبله..ألومها في داخلي على جفائها معي ليوم ونصف كنت أحتاجها فيهم أكثر من أي وقت ..كتبت مرة “أنا في تعبي صبية فقيرة” ..أكون في التعب أقرب إلى البكاء .. هشة كآنية على الحافة على وشك السقوط .. أحتاج أن يعاملني أحد بالمس ..كأنني ثلج مبشور في راحتيه عبثا يحاول إبعاده عن الشمس كي لا يذوب .. يوم ونصف أو ما يقارب اليومان لم أشعر بأي شيء ..شعرت فقط بـ غادة  ..كومضة أضاءت عتمة روحي لثواني واختفت .. لم أرد بعدها أن أهاتفها وأبحث عن ومضات إضافية ..لأننا كنا اتفقنا على المذاكرة لست ساعات متواصلة .. خشيت أن أثبطها ..فتواريت في لحن شقي و كتبت في الفيس بوك :”محرومة من الضوء ..وأغرق في عتمة ظلي” .. أتكوم على سور الشرفة وأنام .. أستيقظ على وقوع ..حين سقطت في الحلم وشج حجر رأسي .. و تكسرت أطرافي ومت .. أفتح عيني بهلع فأعرف أنني لم أقع .. أتفقد ذراعيّ ورجليّ ..سليمة وخالية من الخدوش ..أنزل من على السور دون أن أتأكد تماما من أنني حية..أنزل خشية تحقق الحلم .. أركل كرة أخي في طريقي للداخل فأراها ترتطم بالجدار .. أدفع الباب الموارب بيدي فينفتح على آخره ..أشرب كأس ماء وأضعه فارغا على الطاولة ..أنفخ في الورقة المجاورة للكأس فتطير .. أتأكد أنني حية من آثاري لا من حياتي .. يكفيني هذا وأذهب للسرير .. أعجز عن النوم وتلح على رأسي الناجي من الحجر فكرة الموت .. لا أريد أن أموت بالطبع لكنني فكرت أنه بما أننا جئنا الحياة دون اختيار ألا يحق لنا على الأقل إذن أن نختار طريقة موتتنا ومكانها .. حسنا لن يحدث هذا لذا سيد عزرائيل تذكر فقط أنني لا أريد الموت في المستشفى ولا في الظلام .. قلت هذا ونمت في الظلام لأن الكهرباء كانت مقطوعة ..نمت بخوف صغير وانا أردد كلمات درويش :”هل الموت نوم طويل أم النوم موت قصير ؟” ..نمت بـ روح قلقة ورغبة بالبكاء تشبه الانصهار والانفجار والثورة … ياااه ..أنا كنت “بستعبط” جدا حين اخترعت حكاية شريط الفيديو هذا .. لأنني أعرف أسباب مزاجي السيء جيدا ولا أحتاج للمشي بظهري لأتعثر في سبب صغير ..صغير جدا حدث دون أن أنتبه له وضايقني .. لا يهم ..سأتجاهل هذا وأكمل ///

أتذكر الآن المرة التي قلت فيها لغادة _ستقول غادة هنا “يوووه ..ماوراكيش غير سيرتي” ..وسأرد :”يعني هيا سيرة أبو زيد الهلالي؟!”_ المهم أتذكر المرة التي قلت لها فيها لو كنتِ تمتلكين المقدرة على تغيير مالا يعجبك في كل شخص حولك ماذا كنتِ ستغيرين في وفي غيري”..سألتها هذا السؤال في وقت كنت مستسلمة كثيرا لقدر ليس قدري ولا أحاول القبض على حياتي التي كانت تفر من بين أصابعي كذرات الرمل وتضيع ..قالت: “كنت هخليكي أجمد من كده شوية” ..و واصلت تقول كيف سيمكنها أن تغير العالم حولها كما يشتهيه قلبها .. أحاول أن أسأل نفسي الآن السؤال ذاته لشعوري أنني راضية بالعالم حولي لدرجة بائسة ..ولا يشتهي قلبي أي شيء .. أنا التي أحب التغيير والتجديد والزيادة والنقصان ولا أستمتع بالأشياء رتيبة جامدة .. أحب أن أرتفع وأنخفض وأتموج كبحر .. لا شيء يخطر ببالي .. أشعر فقط أنني بحاجة قصوى للإيمان … أسمع بكاء الحوت الذي سبحت أمامه ورفض أن يبتلعني لأن الله لم يأمره بهذا .. يبكي لأنه جائع وأنا صيد لا يراوغ ولا يفر ويصيح في وجهه :”أنا أمامك لماذا لا تلتهمني ؟!” الله لم يأمره أيضا بإلتهامي .. يريد أن يمهلني وقتا أطول ..ربما للتوبة ..وربما لارتكاب ذنوب أكثر .. ومن اقترف كل هذه الذنوب مثلي بحاجة قصوى للإيمان … أتمنى بشدة الآن أن أكون ضفدعة تحيا بلا ذنوب وبسرور غبي .. وبإمكان الحوت أن يبتلعها أو يلتهمها دون تردد .. ولكن هل توجد ضفدعة في محيط لا يطل على حقل أرز  أو حوت في ترعة لا تطل على محيط؟

 

حلفتك يا حبيبي ..لا تنسى يا حبيبي ..لما بتسمع هالغنية فكر فيي يا حبيبي

 

ربما يجب أن يبتلعني الحوت لأكتشف أنني كنت مخطئة  و أردد طويلا: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين

في حلقي وأذناي تشتعل أعواد ثقاب لا جدوى من النفخ فيها لتنطفئ وتتوقف عن إحراقي .. رأسي ثقيلة كحجر على وشك السقوط .. كنت صباح الأمس في أحسن حالاتي .. ووجدتني مع المساء أشعر بأعراض برد أحاول تدفئتها بليمون ساخن و نعناع دون فائدة .. أعطس ثلاثا ..ولا يوجد احد ليشمتني ..أتيقن أن الملائكة تفعل فأردد ثلاثا أيضا ..يهدينا الله ويهديكم .. أسخر من نفسي بعدها وأنا أتساءل هل للملائكة تمرد ونكران ؟ هل ثمة عاصي في جند السماء؟ .. أعجز عن التحدث تماما ..أزفر وتمتلىء عيني بالدموع ..جدران غرفتي لا تبتسم والمرآة مرهقة كثيرا .. لم أنم جيدا .. والصداع يشطر رأسي نصفين .. مستيقظة من الخامسة فجرا بنوم متقطع وحلم كنت فيه قارورة على سطح البحر .. المياه تملأني و أردد :”عطش يا مطر !” .. أرقد على السرير أنفر من الحرارة العالية .. لست واعية تماما لكنني متذكرة للراوند الذي لا مفر من حضوره لأن اسمي مكتوب في قائمة الاستيفاء وحوله دائرة .. والسكرتيرة حذرتني بأنني لو غبت يوم واحد إضافي فسأحرم من دخول الإمتحان .. ألعن الراوند ألف مرة .. وأسماء أختي تطل عليّ بين الحين والآخر .. تسخر بضحكة :”هتروحي المدرسة يا سارة !” .. أختي مفتونة بالأفلام وكلامها اليومي عبارة عن اقتباس من هنا وآخر من هناك .. لا أفهم ماذا تقول وأظن ان عدوى هلوستي انتقلت إليها .. أردد آية قرآنية ..أتبعها بأغنية .. أفكر في القيام لصلاة الفجر .. وفي رأسي تنطلق رقصة … أقف مع وفاء قليلا ..تهم بأن تحكي لي عن الفقد الذي يتشعب داخلها ..تضع يدها على جبهتي ..تخبرني عن الحمى التي التي تقتات على جسدي .. يأتي شاب لا أعرفه .. تعرفنا “دعاء” .. “محمد” ..يتساءل بشهقة :”دعاء شعبان؟!” يقول أن هذه أول مرة يراني فيها ..أبتسم في داخلي للمرة الأولى هذا النهار وأنا أقول في سري :”يبدو أتني مشهورة دون أن أعلم !” ..أستأذن وأمضي برأس يزداد ثقله .. لا يعاودني الابتسام .. والصورة أمامي تهتز كتلفزيون ضعيف إرساله . أعواد الثقاب بدأت تشتعل في عيني .. أنظر فأرى بومة عربية … وإذا أغلقت عيني غراب إنجليزي !

من ليلة الإثنين وهي لا تتوقف عن سماع أغنية “Early on Tuesday” .. وبما أننا الآن في صباح الأربعاء ..فجدير بها أن تفعل ..!

هذه الأغنية لكما .. أعني لها وحدها ..لأنك لم تسمعها بعد .. لكنها منذ وقت طويل تسمعها كل ثلاثاء .. كل سفر .. وهي لا تعرف هل يجب أن تحب الثلاثاء ..أم تكرهه ..لأنك تسافر في واحد وتأتي في الآخر .. ونهار سفرك لا يتبق معها شيء سوى هذه الأغنية .. أنت تضيع منها في هذا اليوم .. وتضيع الأماكن معك ..وتبقى وحدها تنتظر الثلاثاء القادم وتعد الأيام إليه بطريقة مثيرة للشفقة .. عرفت أن هذا سيحدث منذ أن كتبت في الماضي حين سافرت “يوم فارغ كصحرا”  ..رغم أنها لم تكن تعرفك جيدا بعد..ولم يخطر ببالها يومها أنك ستكون كل العمر ..وجودك كان يسعدها فقط ..بطريقة بسيطة وسهلة و واضحة ولا تدعو للشك بأن كلاكما يطمع في أكثر من هذا الفرح الصغير.

الآن أنت بعيد .. وكثيرا ما تنساها في البعد .. وهذا يثير غيظها ..ويدفعها بخيبة  إلى التفكير كطفل داعبه أخيه الأكبر قائلا :”نحن وجدناك على عتبة مسجد” .. فيلتهم الشك رأسه ..ويفسر بغباء كل تصرف تافه من والديه بأنه ابن الشارع حتما .. وبأن هذين الشخصين المللقبين بأباه وأمه لا يحبانه حقا .. يشفق على نفسه ويسخط من كل العالم حوله .. ورغم يقينها من أنها قطعة من قلبك إلا أنها تكون هذا الطفل التعيس الأحمق حين يتوراى ظلك وتسقط من تفكيرك سهوا ..تغرورق عينيها ..تتشرد في البحر ..يحفها البلل وصدى الموج.. يعتريها الألم لعودتها إلى السقف القاحل منتوفة الريش..ترهبها حين تلقيها لليل ونحيب النجوم المحترقة وتتذكر كل الأشياء إلا هي بينما هي تفقد ذاكرتها إلا إياك ..تفكر بحيرة كيف تكون معها وتحتويها فلا يراها أحد ولا تر سواك .. تنطق “حبيبتي” وتنظر إليها بطريقة تجعلها ترجوك كل مرة :”توقف” ..لكنك لا تفعل ..فتغض هي بصرها في خفقان قلبها المسموع .._نحن نفعل ذلك حين نعلم أن الجمال أمامنا فاره وباهر ..وأمر متابعتنا التحديق قد يؤدي لموت وشيك ..فالسكتات القلبية هي الأقرب للصدر المغرم_ كيف يكون كل هذا وتستطيع أن تنساها فور أن تدير ظهرك وتبتعد قليلا ..تتركها للجلوس في الشرفة بمسند خلف ظهرها وتحديق مقداره أكثر من ساعتين في كوكب الزهرة..تفكر .. حين تقترب منها ..أخبرتني أن السر يكمن أحيانا في أصوات الاقتراب .. الأكمام .. احتكاك القماش بالجلد ..ذراعك حولها ..صوت ساعدك الثابت ..وبعدها لونك على لونها ..ياه؟ ..أنى للإختلاف بينكما أن يختلط معا في إنسياب ..يرتد رأسها للخلف ..ينكشف جبينها قليلا ..وتستطيع لحظتها أن ترى ذقنها المرتفع ..إنها تنظر لقامتك في خيالها ..وأنت مطوق إياها .. محيطا بجسدها ..محكما من شد قلبها لصدرك ..فيبهت نبضها .. وحين يصير ذلك فلأنها تحبك أكثر ..فوهن القلوب لا يحدث إلا حين يقترب عشاقنا منا .. تفكر في الأيام التي تمضي دونك .. تربطها بفتلة في الأيام التي تحويك ..أمس مثلا حين ذهبت إلى المرور لاستخراج بدل فاقد لرخصتها .. تذكرت رأسها الملقى على كتفك الأيسر في قاعة السينما ..لأن اللقطات كانت تحكي عن الروتين في بلد يشبه العسل الأسود .. وكانت هي تعيش الروتين بكامل صورته .. في النهاية رأتك تضحك على صورتها البشعة في الرخصة الجديدة .. شعرت أنها تتلاشى من كل هذا وتفكر فقط في رأسها وكتفك والضحك الكثير الذي ملأكما وقتها ..تمضي على الأماكن التي مررتما بها .. تراكما ..لازلتما تضحكان وتتحدثان ..وكلما عبرتما بمكان مالت أغصان الأشجار تجاهكما ..تعيش أسبوع على تفاصيل أسبوع ..وتشتاقك … تتوقف عن الاستماع إلى الأغنية .. لكنها تمشي وهي تدندن بفقد :

The only place I wanna to be is lost with you

Yes the only place I wanna to be is lost with you

كنت في الحلم ساحرة بقوى خارقة .. أنظر لمن يضايقني بغضب فيطير للوراء ولأعلى باندفاع غير مرئي صوب وسطه .. رجليه وذراعيه مفرودتان إلى الأمام يود التشبث بالهواء  قبل أن يذهب إلى السماء مباشرة و يسهل على ملائكة الموت قطع كل هذه المسافة بين السماء والأرض لقطف روحه .. لم اكن ساحرة شريرة لكنني كنت قادرة على الإيذاء لحظة الغضب .. استيقظت من الحلم بإبتسامة مثل أن شخصا أعطاني قطعة حلوى  وتذكرته الآن حين احتجت لأن أكون هذه الساحرة لهذه اللحظة .. كنت أفتح الهوم على الفيس بوك .. ووجدت أشخاص نفد صبري عليهم ..عباراتهم مبتذلة وصورهم غير لائقة .. شعرت أن “remove” لا تكفي وأنني أود لم أضعهم أحياء في الآلة الضخمة التي سحقت جثة “آمو” .. وحرقتها ثم حولتها إلى تراب في آنية حملها طفليها ومضوا بحزن هائل انتقل منهم إليّ ودكّ قلبي .دكّا .. شعرت أن هؤلاء الأشخاص هم الجديرين بالمحرقة ..رغم أنهم لم يفعلوا على الإطلاق ما يستحق هذا .. هم فقط سيئين .. لكنني في غضبي متطرفة .. وإن كنت لا أقدم على فعل متطرف إلا أنني أتخيل أشياء بشعة لمن غضبت عليهم بإبتسامة مائلة دنيئة وفرح بخيالاتي  كصاعقة عكسية من الأرض إلى السماء أنظر لبرقها وأفرح.. جعلني هذا أعود للحلم مرة ثالثة حين تذكرتني وأن أطيرّ الناس بسحري وأبتسم ..وعرفت أنني كنت مخطئة حين فكرت دائما أن لي حياتين ..واحدة في الواقع والأخرى بالحلم .. هذا لأنني أحلم كثيرا كثيرا كثيرا بصورة غير محتملة .. بمجرد أن أغمض عيني أرى أشياء كثيرة  حتى وإن كنت مازالت نصف واعية .. كأن باب عيني هو منفذ العبور لحياتي الأخرى .. فكرت الآن أن ما يحدث هو فقط استكمال للواقع بمشاهد غير واقعية .. لازلت أتمنى أن أكون هذه الساحرة بعصاة في رأسها نجمة وشر بالغ !

لثمان ساعات متواصلة لم تترك يدي ذراع أبي .. عشت الأمان بكامل صورته وأنا سعيدة بأمنية تمنيتها في الصباح وتحققت في المساء .. بعلامات كثيرة على الدرب تجعلني أصدق أنني لن أموت قبل أن أحقق المائة أمنية.

.نهار الخميس .. كتبت الأحلام وخرجت قابلت غادة .. تمشينا قليلا وأخبرتها بأمنياتي في المدونة .. وتحدثنا كثيرا حول امكانية تحقيقها ونحن واقفين في محل ظهرنا لطاولة لا ننتبه لها .. وحين انهينا حديثنا وانتبهنا وجدناها فارغة إلا من كان بيبسي ماكس موضوع في منتصفها كأنه ينصت إلينا ويبتسم .. قالت غادة أن هذه علامة .. وأنا صدقتها إلى درجة لا تصدق .. ومشيت بعدها وأنا أتذكر رواية الخيميائي و العلامات إلى الكنز .. صدقت أنني سانتياغو  راعي الأغنام الذي سيصل إلى كنزه في النهاية لأنه فقط تتبع قلبه والعلامات .. كنت أفكر في كل هذا وأنا أقطع تذكرة إلى الأسكندرية وأركب اتوبيس الساعة الثالثة .. ذاهبة لأبي .. بنية الإقتراب منه أكثر ..لم أكن أفكر على الإطلاق في نزهة رائعة كما قال اخوتي وأحمد .. كنت أريد فقط أن أمضي يوم بصحبة أبي .. أنا وهو فقط …في الأتوبيس يجلس ورائي امرأة وطفلة في الخامسة تقريبا وطفل يصغرها بعامين أو أكثر اسمه أحمد .. الطفلة تسأله طوال الطريق بإلحاح .”بتحبني يا أحمد ؟ بتحبني يا أحمد؟” بكلمات غير مفهومة يقول لا ..فتواصل بنفس الإلحاح :”طب أعمل إيه عشان تحبني ؟ ..أسمع كلامك يا أحمد ..أسمع كلامك يا أحمد؟ ..ولا أفضل أقول أحمد من دلوقتي لحد ما نوصل ؟” واندفعت تقول أحمد دون أن تستريح وتلتقط أنفاسها لحظة :”أحمد ..أحمد .. أحمد ..أحمد ” كنت أضحك عليها وأتمتم “مسكينة مثلي تحب أحمد !” ..أحمد يتركها وينام ..بإزعاج تعلي من صوتها :”متنامش يا أحمد وتسيبني .. اصحى كلمني ..اصحى اصحى اصحى ” …تعجبت وضحكت لهذا التشابهة  الغير محتمل بيني وبينها .. هذا لأنني أفعل هذا مع أحمد كل سفر ..حدث هذا من يوم واحد فقط ..في نهار الثلاثاء .. حين أراد أن ينام في القطار وأزعجته وأيقظته ليقول لي :”أنا فاكرك ..انتي بتاعة كل مرة” .. التفت ورائي أنظر للفتاة وأنا أتيقن من أن الزمن يشبه دائرة كما قال ماركيز وأنني حين أموت ستكون هناك فتاة أخرى تقوم بدوري الذي أخذته انا من فتاة تشبهني رحلت من زمن.!

وصلت في الخامسة تقريبا ..أبي يفتح لي الباب بسعادة و “حمدالله ع السلامة” .. أستلقي للراحة قليلا .. بعدها نصلي العصر ثم أعلق يدي في ذراع أبي ونخرج معا .. نثرثر ونضحك كثيرا .. أكتشف أنني التي وضعت الحدود المكهربة بيني وبين أبي في السنوات الماضية .. و أن أبي التقط يدي فور أن مددتها .. فكرت أن أمي قد تكون السبب في هذا .._دون قصد منها بالطبع..وبقصد مني أنا_ هذا لأن علاقتي بها قوية ورائعة وكنت أتعامل مع أبي من خلالها .. كل طلباتي كنت أقولها لأمي لتنقلها إلى أبي .. أكتفي بحنانها ولا أرغب بأي شعور زائد .. ظننت أنني هكذا سعيدة حتى اكتشفت ألوانا أخرى للسعادة برفقة أبي .. هو لا يدري كيف يجعلني أستمتع .. فيقرر أن يفعل كل شيء .. يحادثني في أموري التافهة وأموره الجادة .. يمر على كل المحلات يريدني أن أشتري من كل شيء شيء .. حتى حين دخلنا محل المفاتيح لنسخ مفتاح انكسر .. تفحص المكان من أجل أي شيء يستطيع أن يجلبه لي .. رأى في العرض سلاسل كثيرة .. فقال:”أجبلك سلسلة لمفاتيحك” ..وحين أوشك أن ياتي بواحدة مسكت يده وأنا أصيح بضحكة “بابا ..استنى .. مكتوب “سلاسل كلب” !” .. ضحك وضحكت وسكت هو سريعا بينما أنا واصلت ضحكي في الداخل …ذهبنا لتناول الغداء .. ساندويتشات برجر وسفن آب لي وبيبسي له .. أخذناهم وتوجهنا إلى الكورنيش والبحر .. أنا كعادتي أسقط كاتشب وسفن على ملابسي .. أرتبك وابحث عن منديل في الحقيبة .. فأتفاجىء بأبي يخرج منديله بسرعة ويمسح ما أسقطه برفق .. لم أتوقع هذا .. وتذكرت حينما كنت طفلة صغيرة لا تفارق أبيها ..وكان يفعل هذا دائما .. عدت هذه الطفلة لهذا اليوم .. وازداد هذا الشعور حين تملكني الانهاك والتعب والسهر في نهاية اليوم وكدت أنام على نفسي ..أحسست أن أبي يود أن يحملني حتى سريري … كنت متعبة إلى أقصى حد بعد أن تمشينا من الابراهيمية حتى محطة الرمل .. كنت أنظر للسماء بين الحين والآخر أفتش عن كوكب الزهرة .. لم أجده في البداية .. وتذكرت أحمد وهو يقول في كل مرة أريه له أنه لا يشاهده إلا من شرفتنا .. كدت أصدق هذا حتى وجدته في النهاية باهتا ولا يسطع كـ كوكب الزهرة عندنا .. فكرت أنه يبهت في البعد .. مشيت وأنا رافعة رأسي أنظر إليه ..اندهشت جدا وسقطت شفتي السفلى حين جاءت طائرة ورقية يطيرها صبي على الشاطىء و وارته تماما .. للحظة آمنت أن هذه الطائرة هي قلبي الذي يشب ليرتفع قليلا فيقارب الكوكب الباهت .. ليسطع قليلا أكثر .. لم أكن أتخيل و أدعي هذا .. كنت أصدقه بكل قواي .. حدث هذا للحظة واحدة خفت على نفسي بعدها من الكتابة .. كررت في سري :”قلبي في صدري .. والطائرة لصبي على الشاطىء .. قلبي في صدري ..والطائرة لصبي على الشاطىء” .. هززت رأسي لتسقط كل الأفكار الغبية التي تشبه عنكبوت يلف عقلي بخيوطه ويكاد يلتهمه .. فكرت بعقل :كوكب الزهرة باهت لأجل أنوار المدينة المشتعلة في السماء .. فرحت لأنني الريفية التي يليق بها وبحبها ليل القرية ..حيث هناك بإمكانه أن يكبر ويسطع ..و يسكن السماء بأمان..!

أبي يقترح الذهاب لمكتبة الأسكندرية .. يعرف أنني أهوى الكتب .. نذهب هناك ونسأل فنعرف أنها تغلق في السابعة .. ندخل محل الكتب المجاور .. اتصفح العناوين سريعا ونغادر .. نصل لمحطة الرمل …أتجاهل بسعادة محلات الملابس .. وأذهب مع أبي ناحية محلات الأجهزة والأدوات ..أحب هذه الأشياء جدا من صغري .. وحين كبرت ..صار مفروضا عليّ ان أذهب مع أختى تجاه محلات الملابس التي لا أكره أكثر منها ..أكره البائعات حين ينطقن حال أن أدخل “بتدوري على حاجة معينة” ..أكره البروفات والمشاجب والملابس المعلقة ..أكره الانتظار أمام البروفا من أجل قياس بلوزة لا تعجبني لكنها تعجب أمي وأختى ..أكره كل ما يتعلق بهذه المحلات .. لهذا كنت في غاية السعادة حين دخلنا كل محلات الأجهزة نبحث عن “mp5″ كـ هدية لأمي أبي يصمم على شرائها .. نبحث عن واحد ياباني ..والمحلات زاخرة بالصيني ..أبي يشتري راديو لنفسه ..ويسخر قائلا: “الناس بتتقدم وأنا برجع ورا” ..أخبره أن الراديو هذا مزاج .. وطعم الاستماع إليه أشهى ألف مرة من الآي بود والام بي فايف وكل هذه الأشياء .. وأنا أشترك مع أبي في هذا المزاج .. من فترة كنت لا أستطيع النوم إلا إذا أدرت راديو بجواري على الإذاعات العريقة كالشرق الأوسط والبرنامج العام وصوت العرب .. أنا مفتونة بالقديم .. ويستهويني كل ما يدل على الأصالة .. أحب الأماكن القديمة والعمارات القديمة وأحتفي بأشيائي القديمة ..وربما هذا سر ولعي بالتاريخ وبرغبتي في دراسته .. نأخذ الراديو ونجلس على الكورنيش نجربه ونجرب المحطات .. كل الترددات تأتي بالشرق الأوسط .. نزوي حواجبنا ..نغير الموجة .. والشرق الأوسط لا تغادر كـ جار ثرثار مستفز ..نعود للمحل سريعا قبل أن يغلق فيقول البائع أن الإرسال سيء في الأسكندرية بأكملها .. ولو تجاوزنا حدودها ناحية العجمي مثلا فسيتضح الإرسال ..نقتنع ونغادر مرة أخرى إلى البحر .. أضع رأسي على كتف أبي ونجلس حتى الثانية صباحا نستمع لأم كلثوم تغني :”ياترى يا واحشني بتفكر في إيه ..عامل إيه الشوق معاك عامل إيه فيك الحنين ” ..تكررها طويلا وتعيد وتزيد .. وأنا لا أفكر سوى في حجم الأمان داخل قلب أبي وأنني لا أريد أن أغادر هذا القلب !

إعلانات بيبسي ماكس .. حين يأتي فتى مليء بالحياة ويكتب قائمة بأحلامه .. ويبدأ في تنفيذها ووضع خط أحمر على كل حلم صار حقيقة … جعلني هذا أفكر في أمنياتي الكبيرة التي أصلي من أجلها لتتحقق .. والصغيرة التي أتمناها وأنساها  كأنها لم تخطر ببالي يوما ..وانشغلت طويلا بقائمتي .. وتحدثت مع غادة وأسماء .. اقترحت أن تكتب كل منا مائة  أمنية ترغب في تحقيقها قبل أن تموت .. قلت أن هذه القائمة ستُعد خطة للحياة وسنستطيع حين نحقق شيئا صغيرا أو كبيرا أن نشطب عليه بخط أحمر ونضع علامة صح بجواره .. ليصبح لدينا انجازات صغيرة في هذا العالم بحجم الأحلام في قلوبنا ..ويمكننا بعدها ان نفتخر بأنفسنا ونحتفل .. غادة تحمست وبدأت في كتابة أمنياتها .. وظلت فترة تخبرني كل بضعة أيام أن أمنياتها زادت واحدة .. أسماء ابتسمت ابتسامة يائسة صغيرة ولم تتمنى شيئا .. لكنني أعرف أن قلبها ممتلىء بالأمنيات وفي جيبها نجوم وعلامات صح كثيرة … أما أنا فلا أمتلك قائمة ولا علامات صح ونجوم حتى الآن .. أدعي أنني أدونها في رأسي .. رغم أنني لا أفعل …. فقط يخطر في بالي أحيانا أنا أتمنى كذا …وأنسى … لذا استيقظت اليوم بنية كتابتها لأنني حلمت بأشياء كثيرة بالأمس .. وخفت أن أستيقظ وأفقدها ….

 

1-     ……………………………………….

2-     ……………………………………….

3-     ……………………………………….

4-   أتمنى أن يعانقني أبي دون أن يكون السبب هو صباح العيد أو عيد ميلادي أو نجاحي ..أو أي مناسبة أخرى .. أتمنى أن أعانقه لأنه فقط أبي .. دون مبرر أو سبب

5-     أن يمكث أحمد معي فترة أطول … أطول قليلا فقط

6-     أن أزور الكعبة

7-     أن أشاهد الشفق القطبي “أرورا”

8-     أن أسافر اليونان

9-     أن أدرس الأدب بجامعة هارفارد

10- أن أدرس تاريخ العالم القديم

11- أن أدرس الفلك

12- أن اتعلم الأسبانية والبرتغالية والفرنسية

13- أترجم بضعة روايات من أدب أمريكا اللاتينية

14- أن أكتب عمود يومي صغير بطول عمود الشمسية في جريدة الشرق الأوسط

15- أن يهديني شخص ما “يويو” ..دون أن يكون قد قرأ هذه القائمة

16- أن أمتلك حقل “عباد شمس” ..أزرعه بنفسي وأعيش قبالته

17- أن أدخل قصر البارون إمبان

18-  أن أبني مصنع شيكولاتة

19- أن أزور الحسين

20- أن أمتلك حصانا أسود

21- أن أكون طبيبة تخدير جيدة لفترة ما

22- أن أركب قارب صغير في النهر

23- أن أتمكن من تطيير طائرة ورقية

24- أن أذهب في رحلات تخييم في الصحراء

25- أن أزور مدينة ماتشو بيتشو

26- أن أحضر حفلة لمارسيل خليفة

27- أن أتعلم العزف على آلة موسيقية

28- أن أتعلم الرقص

 

العد حتى مائة طويل … سأحتفل مرة حين أصل للرقم الأخير في التمني .. ومرة أخرى حين أحققهم جميعا .. ربما سأشرب بيبسي ماكس مثلا و أوزع عبوات كثيرة على أهل قريتي وعلى كل العابرين !

 

 

كانت الأرض مصابة بالحمى هذا النهار ومثيرة للشفقة لأنها في أشد الحاجة لكمادات مياه باردة وخافض للحرارة ورعاية مكثفة لم يفكر أحد من أبنائها أن يوليها إياها ومضوا جميعا يلعنون حرارتها وسقمها دون أن يخطر ببالهم مساعدتها .. بينما أنا كنت أمر في طريقي علي صيدليات كثيرة وأفكر : ماذا لو دخلتهم جميعا وطلبت إخراج الأدوية الشراب الخافضة للحرارة وسكبها على الأرض و  غرس الأقراص في التربة .. فهل سيتكاتف أحد معي؟ ..  مشيت وأنا أشعرني أتعرض للشواء ولا أطيق هذا الحر وأتمتم في سري :”لا بأس عليك ِ أيتها الأرض المسكينة .. أنا أشعر بكِ” ..في طريق عودتي كنت أضحك ضحكات مكتومة بيني وبين نفسي وأنا أتذكر لقطات تناولي للغداء مع صديقات أخرج معهن للمرة الأولى .. كان وقتا ممتعا و سعيدا ومجنونا وتملؤه الضحكات حتى الدموع … وسريعا نسيت الأرض ومرضها وتضامني المفروض عليّ بالقوة .. وأحسست  أنني ممتلئة بالحب كسماء تمتلىء بالسحب ..فكرت في اليوم كحياة منفصلة عن حياتي السابقة .. وأخذت أعد على أصابعي : أحب أمي لأنها أعدت لي فطوري سريعا عندما استيقظت وأصرت على أن أتناوله قبل أي شيء وكل شيء .. أحب أسماء أختي لأنها جاءت بجانبي برفق في السابعة والنصف صباحا تسألني :”الساعة سبعة ونص .. عاوزة تصحي امتى؟” قلت في نعاس :”تسعة ونص” ..فخرجت بهدوء وأخذت هاتفي الفاصل شحن ووضعته في الكهرباء” ..أحب أحمد لأنه حين هاتفني في الواحدة قال “حبيبتي” بسعادة .. وسمعتها مختلفة جدا وأحببته لأجلها ..أحب غادة لأنها بغض النظر عن كونها الفتاة الأروع على الإطلاق إلا أنها كانت على حق فيما أخبرتني به سابقا وكنت أنا أخالفها بحمق .. أحب أسماء لأنها كانت جميلة جدا هذا النهار .. ولون الطرحة الزهري والفيست المنقوش بالورود ..جعلها تشبه نسمة خفيفة في هذا الصيف .. أحب علا لأنني شعرت فور أن رأيتها شعور غير محدد لكنه سعيد ..أحب وفاء لأنها أعطتني لب خشب ..أعرفه للمرة الأولى ..وشعرت وأنا أتناوله أنني منقار الخشب وأنني في الليل سيتحول جذعي إلى جذع شجرة …كنت أقشره وأنا أتذكر ابن عم صديقتي أمل في المدرسة .. كنت أراه دوما دوما بكيس لب في يده وقشرة لب ملتصقة بشفته السفلى .. ولم أكن أعرف كيف بإمكانه أن يثبتها هكذا بعفوية دون أن تسقط ..وهذا الأمر عذبني لوقت طويل .. وجعلني أذهب كل نهار بعد خروجي من المدرسة لأشتري لب و أقشره بصورة طبيعية ثم أتحسس شفتي فلا أجد القشرة .. فآخذ واحدة وأبللها ثم أضعها بحرص شديد على شفتي السفلى .. وبعد محاولات كثيرة صعبة ومكلفة أنفقت عليها مصروفي اليومي نجحت أخيرا .. ولم أعد بعدها لشراء اللب ولا للنظر لهذا الصبي على أنه خارق !… أصل لإصبعي الثامن في العد وأقول ..أحب هبة لأنها شربت البيبسي دون مبالاة بعد تعليقي المقرف أنا و وفاء .. هذا إلى جانب أنها فتاة عفوية وقادرة على الدهشة كطفلة .. أحب مي لأن لون أحمر الشفاه كان ممتزجا مع لون الطرحة بشكل جميل جدا ورائع .. أحب هايدي لأنها قالت أنها تعرفني منذ سنوات كنت فيها “سامنتا” .. وأنها لم تتخيلني بهذا الشكل .. أحببت أنها حاولت أن تشرح هذا ولم تستطع لكنني كنت أفهم .. تقول أنني أكتب بطريقة وأعيش بطريقة .. قالت بالضبط : “بتركزي في الكتابة ..وبتضيعي في الحياة ” .. تذكرت لحظتها النهار الذي جلسته بأكمله لأفكر كيف يكون شكل الشاعر .. وكنت اتخيل الشاعر كائن خرافي ..لا علاقة له بالحياة التي نحياها .. وربما علاقته بها مختلفة تماما .. ويراها بشكل مختلف .. وعنيت هذا حرفيا .. بما يعني أنه يرى النساء الجميلات آه متكررة .. ويرى الرياح بيت شعر ويرى المربع و الدائرة سجن والمستقيم قوس كمنجة و البحر سماء مقلوبة .. والسماء بحر عاند الجاذبية وارتفع … وحين حدث ورأيت شاعرا وجدته انسانا طبيعيا جدا لا يختلف عن بائع السوبر ماركت .. وأحببت هايدي جدا .. ثم لويت شفتي لأنني  لم أجد اصبع حادي عشر لكنني أكملت  ….. أحب داليا لأن لها نظرة طفل على وشك البكاء ..بها شيئا ما يشبهني لا أعرفه .. ربما الأخضر في عينيها الذي يجعلها ترى الوجود بلون العشب الصغير النابت في قلبها .. أحب أبي لأنه قال حين وصلت المنزل :”مكلمتنيش ليه آجي آخدك عشان الحر ده” .. أحب أمي مرة أخرى دون سبب واضح .. أحب عامل الزجاج الذي رأيته يحمل لوحا زجاجيا وكاد أن يسقط منه فارتجف وانتقلت رجفته إليّ ..فشعرت لحظتها أنني كائن حي جدا ! ..أحب بائع الجرائد على الرصيف  الذي رأيته من شباك سيارة الأجرة حين كنت شادرة وأحدق فيه دون أن أراه .. فقرب يده من وجهي وأصدر صوتا ليفزعني .. وانفزعت فعلا و رأيته … وتعجبت بعدها كيف عرف هذا الشخص أنني أغرق في أشياء سيئة وتعيسة ليجيء وينقذني منها … أحب الله لأنه منحني خمس دقائق إضافية ألحق فيها صلاة الظهر ففرحت جدا .. أحب الله لأسباب واضحة وخفية لا تعد ولا تحصى .. أحب الله لأنه قال لي “كوني” … فكنت … أحب الأرض لأنها ثابتة جدا تحت قدمي وتحملني بكل هذه الأسباب الوجيهة للحب … لهذا سأدعو لها بإخلاص شديد أن تُشفى سريعا !

 

6-6-2010

يبدو أن التفكير في السعادة .. يجذبها ويجعلها تأتي على عجل .. هذا لأنني فتحت صفحة فارغة لأكتب عن مساء أمس والسعادة التي كانت تغمرني تماما ..ولم أكد أهم بأن أفعل حتى جاءتني مسج من أحمد يخبرني أنه يحبني .. سعدت جدا ..وقررت أن أكتب عن اليوم بدلا من أمس وعن قلبي الذي دق سريعا وارتبك في الدق ..لأنه فرح فجأة ..بدلا من تباطؤه في الدق أمس لأنه كان مطمئن جدا ويشعر بأمان يكفيه عمر …كنت أصنع فنجانا من الشاي بالنعناع لنفسي فرأتني أمي وطلبت أن أجعلهم اثنين .. وبعدما فعلت وضعتهم فوق الصينية وخرجت أبحث عن أمي .. وجدتها بالجنينة أسفل المنزل .. فجلست على السلم الصغير المؤدي لها ووضعت الصينية بجانبي وانتظرتها تأتي .. أمي تنادي عليّ لأذهب عندها .. أخذت الشاي وجلسنا معا أسفل شجرة برتقال بجوار النعناع النابت في الأرض نحتسي الشاي على مهل ونثرثر .. كانت حرارة النهار القاسية قد انخفضت .. والهواء المصنوع على شمس الظهيرة .. قد برد كثيرا بعد هذه الساعات ..كما الشاي الذي برد قليلا لأنه لم تمر عليه  كل هذه الساعات بعد .. الهواء يتغلغل شعري ورئتي وروحي ..ويملأني أنا و أمي .. أسندت رأسي على كتفها .. ضحكنا على أشياء كثيرة لم أعد أذكرها .. راقبنا الصبيين الواقفين أمامنا بمسافة طويلة عند نهاية البراح .. يمسكان بطائرة ورقية.. والطائرة عالية جدا جدا .. وتحلق بمهارة يمامة .. أخبرت أمي أنني أغار منهما ..وأنني طوال طفولتي كنت أحلم بطائرة تطير على هذا العلو .. ورغم انني اشتريت طائرات ورقية كثيرة من البائعين على شاطىء البحر في أيام المصيف ..إلا أنني فشلت دائما في جعلها تطير وتحلق .. حتى أبي كان يعجز عن تطييرها .. وكان يرجع السبب دائما في أنها مثقوبة ..لهذا يمر من خلالها الهواء وتسقط .. أمي قالت أن أصلا هذين الولديين لو رآهما أبي الآن سيغضب وسيطردهما لأنها يعبثان فوق الأرض المحروثة ..قالت أنها تستطيع أن تذهب هي وتطردهما وتعاقبهما بأن تأتِ لي بالطائرة .. ضحكت وأنا أعرف أنها حتى ولو فعلت فستكون هذه الطائرة اليمامة في أيديهم ..نعامة في يدي .. وستنثقب بمجرد أن ألمسها ويتغللها الهواء ولا تطير ! .. أمي تقول فجأة : “فاكرة لما كنت بغنيلك وانتي صغيرة..: يلا يا سمارا هنطير طيارة .. ونروح الجنينة ونشبك إيدينا !” أضحك مرة أخرى وأنا أتذكر هذه الأغنية بعد أن نسيتها سنوات طويلة جدا جدا ولم تأتِ برأسي مرة واحدة .. تذكرتها غابرة في الأول .. ثم اتضحت الذكرى حتى شعرت أن هذا كان أمس .. أو منذ دقائق قليلة .. أو يحدث للتو ! .. آذان المغرب يرتفع .. والليل يشرق والفناجين تفرغ .. ونواصل الجلوس قليلا ونحن نقتلع الأعشاب الضارة التي تحيط بالنعناع .. ونضعها في كيس ..ونلقي بها في الخارج .. الليل يكتمل وجوده ..أصعد لأعلى .. وفي الشرفة أنظر ناحية الغرب وأرى كوكب الزهرة ساطع جدا … أتذكر أحمد فور أن أراه .. وأبعث له بمسج .. ولا أدري السر في هذا .. لا أعرف لماذا يذكرني كوكب الزهرة بأحمد كل مساء .. هذا الكوكب يمسكني من قلبي .. و يجعلني أكمل الصفحة ..لأنها بدأت بـ ” بحبك” من أحمد .. وستنتهي بـ ” وأنا كمان بحبك ” مني …. وهكذا يكون الكمال !

هذا الصوت هو الصمت والدمع والبكاء والوحدة والاغتراب والعشق والخشوع والترتيل والجنون والصوفية والألم والاحتمال والطيش والمرارة واللوم والخوف والتشرد والضياع والنسيان والوعد والطفولة والشباب والانكسار والتشتت والتيه والسفر والروح والفيضان والغرق والتردد والنجاة والجرأة والضمير والنضج والعمر والسقوط واللعنة والرغبة والأذى والسلام والقتل والرؤية والتمهل والتشاؤم والتفاؤل والاعتراف المليء باليقين باعتبار أن هذا الكون عالم للتناقض فقط..التناقض الذي يدفع طفلة ترشق وحش البحير بالماء فتنطق وسط ألق القطرات على جسده “وحش جميل” … هذا الصوت يفنيني عبر مكامن الجمال .. وهذه الأغنية تقتلني بنوتة نصلها حاد !

 

* بالمناسبة … الصورة لصاحبة هذا الصوت القاتل …Azam Ali

حتى أعثر على روحي ..سأرتق الفراغ بالموسيقى

كيف يمكنني أن أضع يدي في رئتي ولا أشعر بأي شيء؟ ..داخلي هش جدا .. سيستغرق وقتا طويلا ليلتئم بالهواء .. فارغة مني ..كبحر فرغ من أسماكه أو سماء فرغت من غيومها أو كتاب فرغ من سطوره أو أشجار نفضت طيورها و وقفت صامتة جدا.. لا شيء يمكن أن أحكيه عني .. قائمة اهتماماتي في صفحتي الشخصية على الفيس بوك فرغت عن طريق الخطأ لتغدو أكثر صدقا .. كان مكتوبا ” كل الأشياء تستهويني بدءا من التاريخ والدين والحب والحرب حتى تتبع النمل” ..والآن ليس بإمكان أي شيء على الاطلاق مهما بلغ تشويقه ان يجذبني ..الرواية التي كدت أموت وأقرأها على المكتب منذ شهرين ونصف تماما بقلم في منتصفها ..أو قبل منتصفها بقليل ..ولا أرغب بإكمالها ..وربما أرغب لكنني فقدت الحماس الذي يجعلني أفعل ..الحكايات والأفكار التي تأتي إلى رأسي لا أريد تدوينها .. وأنساها سريعا ..لا أوزع الورود على غادة وأسماء كما أفعل كل عام ..وحين سألتني غادة من أسبوعين :”شجرة الورد عندك طلعت ورد ولا لسه؟” وأخبرتها نعم تعجبت :”وفين وردتي؟” أجبت :”أنتظر فقط أن يزهر الياسمين أيضا” وكنت كاذبة لأن هذا هو الجواب الذي طرأ على رأسي لحظتها .. تجاوزت الحد المسموح به من أيام الغياب في الكلية ..ولا أهتم ! .. السكرتيرة أخبرتني أن أذهب إليها يوم الخميس قبل الماضي “عشان تظبطني” .في الخفاء ..ولم أذهب .. كنت أعيش على السفن آب والشاي بالنعناع والفراولة المثلجة .. ولا أقارب الجبن .. الآن أفتح الثلاجة وأفتش عن الجبنة البيضاء والأرز والآيس كريم ..كنت لا اطيق التحلية التي تسببها ملعقة سكر واحدة على الفنجان .. الآن أضع ثلاث وأزيد ويبقى طعم المرارة في الشاي ..سنوات طويلة وأنا أعجز عن النوم لساعتين متواصلتين .. الآن أستيقظ للضرورة فقط …غادة تخبرني أن حياتي مملة جدا ولا أفعل بها أي شيء .. وأنا لا أشعر بالملل .. عندما يباغتني أحمد ذات فراغ ويسألني “ماذا تفعلين” فأخبره أنني أتفحص الردود على مواضيعي التي يسرقها البعض ويعيد نشرها تحت اسمه ..دون مبالاة أقرأ الردود وأبتسم وانا أعرف أنها لي .. فيقول :وليه متكونيش انتي اللى واخداها ” أندهش قليلا وحاولت مرة واحدة فقط أن أشرح أن هناك تواريخ تبين الأقدم والأحدث ..كأن هذا هو الدليل الوحيد !! .. وندمت على محاولتي للتوضيح هذه لاحقا ..إذ لا شيء أكرهه أكثر من التبرير أو الشرح .. وحين قال لي ذلك مرة أخرى ..فقط أطرقت وسكت .. كأنني السارقة التي لا تملك حيلة للدفاع وسعدت بسكوتي هذا فيما بعد .. رغم أنني حين اخبرت غادة عن هذا بغصة صغيرة ..ضحكت وقالت :”ماهو ليه حق يا دعاء.. ما انتي كلامك معانا مفيهوش أي عمق الصراحة” بادلتها الضحكة وانا أقول في داخلي “ومن قال أنني عميقة أصلا أو حتى أريد هذا .. أنا طافية كقطعة خشب لن تتمكن مهما حاولت من أن تصير سمكة .. أنا عادية جدا و ربما أقل ..ولكن هذا لا يمنع من أن اكون كـ زر قميص يحلم بأن يصير يوما حبة ذرة وينمو ويكبر .. ..كلما حاولت أن أكون أفضل ..أجدني في اسوأ حالات الارتداد ..إنني على وشك الفقد ..أنظر خلفي دائما .. يراودني اسمي وألتفت ملبية ..وما من جبل أو كهف يحتفظ بالصدى لأؤمن به .. احتجت إلى ذراعيك في تلك العتمة .. دس رأسي في صدرك كان كفيلا بأن أنفجر باكية ..أو أظل صامتة لتمسح على كتف الحزن ..مثل حيوان أليف وتختلس خدي في إصبع يداعب حتى النعاس ..كنت سأنطق بكلمات غير مفهومة ..وأخبرك بأشياء تدعو للضحك من شدة سخافتها لأعدها السبب الرئيسي في ظلمتي لكني حقيقة أمتعض مني ومن سلبيتي ومن عدم مقدرتي على الامتناع عن الدمع والمصيبة الكاملة كانت أن لا أحد يفهمني .. بالأمس بعثت ثلاث رسائل طويلة مكونة من واحد وعشرين رسالة مدمجة معا عن حلم المنزل الصغير والأطفال ونزهة نهايات الأسبوع ولم يأتيني رد ..وتم تجاهل أمنياتي كلها كأنها لم تكن .. لم أحنق وقتها .. لكنني حانقة الآن وحزينة .. وحين حاولت أن أنسى وأتسلى بمشاهدة التلفزيون باغتني مشهد أبكاني حتى ذبت في دموعي …رغم أن المشهد لم يكن دراميا جدا .. كان لفتاة ترقص على وتر حزين حزين حزين ..لم تكن مائعة لينة وإنما مكابرة إلى أقصى حد .. تتمايل ..تتهادى وتكاد تهوي ..شعرت أنها ترقص آمنة مطمئنة على الحافة ..لا تخشى السقوط والتكسر ..تخيلت لحظتها النجوم تنطفىء وتتساقط ..تنفرط من عقد منثور طالما تاقت فتاة فقيرة مثلي من لمسه .. انتهت الرقصة وشعرت بقلبي يطفو على صدري ..يحرك رأسه بحثا عنك …وما أنت عالم …قلبي لم يعد أدراجه بعد … وإن لم يجدك سريعا ..سيلتئم مكانه بالهواء أيضا !

فيما كانت القوات السوفيتية تنسحب من أفغانستان ..وبداية النهاية لما كان يسمى الاتحاد السوفيتي وتحول العالم من القطبين إلى القطبية الواحدة .. وفيما كان نهاية ما يسمى بالحرب الباردة مع سقوط جدار برلين في أكتوبر 1989 والذي أعلن الفصل بين الغربية الرأسمالية والشرقية الشيوعية مرورا بثورة ومن ثم مذبحة الطلاب في ميدان “تيانان مين” في العاصمة الصينية بكين في يونيو 1989 .. وفيما سلفادور دالي كان يجمع علب ألوانه وفرشاته المبعثرة على الأرض ويتلاشى كـ حلم  و”نيلسون مانديلا”  يخرج من السجن وتشهد جنوب أفريقيا نهاية عهد التمييز العنصري ..وفيما إيران تشيع قائد الثورة الإسلامية فيها “الخميني” بعدما شهد العام نفسه فتواه الشهيرة بقتل “سلمان رشدي” مؤلف كتاب “آيات شيطانية” ..وفيما كاميلو خوزيه سيلا يفوز بجائزة نوبل وفلسطين تنتفض للمرة الأولى  و الأطفال ترمي الحجارة على الجنود الاسرائيليين الذين يقابلونهم بإطلاق النار الكثيف بإستخدام الطلقات المطاطية التي فقأت عيون مئات الأطفال وفيما كان الزعيم الروماني “نيوكلاي تشاوسسكو” يعدم بالرصاص في زاوية المحكمة التي أصدرت الحكم عليه والعالم يشهد اختراع ما يُعرف بالشبكة العالمية world wide web على يد العالم الانجليزي تيم بيرنيرز لي ..فيما الكثير من الأحداث تتأهب للوقوع …

 

كانت والدتي تحتمل آلام المخاض لتخرجني إلى هذا العالم غير المكتمل..

 

لأني كرهت بكائي أغني ..!

 

*ريما خشيش .. شربل روحانا

 

أول أيام 2010 ..وتجد صعوبة في كتابة الرقم الذي لم تعتاد يدها عليه بعد .. وربما لأنها المرة الأولى فقط ..اليوم الجمعة ..لا شيء يميزه سوى أنه عيد ميلاد من تحب ..وتفكر طوال اليوم في كيفية اسعاده ..ولا تعني لهذا اليوم فقط ، وإنما لعمره الآتي .. استيقظت بعد التاسعة بقليل من حلم أكلت فيه التوت فأغمى عليّها..استيقظت وهي تقارب أصابعها من طرف لسانها ببطء تبحث عن طعم التوت .. لم تجد شيئا .. طعم كالمياه ..وشعور بالعطش .. أمها تناديها .. نهضت ..ذهبت إليها..حوار قصير هادىء تحول لعاصفة ..الشرر يتطاير من عين أمها وفمها لأنها خالفت أوامرها .. تحاول أن تشرح أنها فعلت قبل أن تعطيها هذه الأوامر .. تحدثت الفتاة كثيرا ..وكان حديثها كله بلا جدوى لأن أمها لم تتوقف عن اسماعها كل ما يجرحها ويفجر الدموع في وجهها ..سمعتها صامته و عجزت عن ابتلاع كل هذه الكلمات فأحسّت أنها ستموت بغصتها ! ..كانت العزلة هي الحل الأمثل .. صعدت لأعلى ..مقتنعة تماما أنها لم ترتكب أي خطأ ..لا ينتابها أي شعور بالذنب ..فقط هي تتألم من كل الرصاصات الطائشة التي اخترقتها وجعلتها تنزف كثيرا .. تشعر ببرودة شديدة في كل خلية من جسدها .. برد يكفي لإنشاء مصنح ثلج داخلها .. قلبها يرتعش .. جلست للأرض ..ملتصقة بالحائط ..دفنت رأسها في التجويف الفارغ بين ذراعيها المتقاطعين ..ترتجف بشكل واضح .. جسدها الذي يتألم مثل انك تبرد السكين عليها.. تنتفض كخوف قطرة من فم البحر .. كخريف يطرد أوراقه ..رفعت رأسها ..تربت على كتفيها بيديها المتقاطعتين ..”ستكونين بخير !” أمسكت هاتفها .. بشوق شديد لسماع صوته ..وربما لم يكن شوق بقدر ما كانت تشعر أن وحده حديثه بإمكانه أن يجعلها تبتسم وتنسى …هاتفته… لم يرد. ..البرد يقتات على أطرافها ..والغرفة المغلقة تتطبق على صدرها .. لم تعد تحتمل أكثر .. أسرعت بفتح النافذة وباب الشرفة ..الشمس رائعة .. كذهب منثور على الأرض يغريها بأن تجلس عليه ..فرشت سجادة وتناولت كتابا عن حياة محمود درويش الشعرية وبدأت القراءة وهي تشعر بالدفء يتسلل إليها كـ حبيب ..انهمكت في القراءة وتذكرت حين قالت لصديقتها أن وحدها القراءة تشغلها .. وأنها حين يطاردها الوجع في كل مكان تختبىء منه في رواية .. وتنغمس بتفاصيل ليست تفاصيلها ..وحياة ليست حياتها ..وتتهلى إلى حين ! ..لكنها لم تكن تقرأ رواية ..والسطور ليست مسلية كثيرا .. هي تقرأ لأنه ليس ثمة أمر آخر تفعله .. توقفت عن القراءة فجأة وهي تتذكر حبيبها .. الشمس بدأت تلسعها .. تهم بالوقوف .. تمسك الهاتف لتغادر الشرفة .. يتصل هو في اللحظة التي تضع يدها على الموبايل ..تتسمر في مكانها .. فرحة كطفلة ضائعة وجدها والدها للتو وأخذها ليشتري لها كل ما يشتهيه ويحبه الصغار ..ورغم أن صوته يعيدها إلى الحياة .. يعيد الحياة إليها ..ينفخ فيها من روحه .. يسحرها من وشاح ملقى بإهمال فوق سجادة إلى فتاة حية بقلب ينبض ..رغم كل هذا كان بإمكاني أن أسمع صوتها باهتا كجدار قديم .. وكل محاولاته لاستمالتها للحديث لا تنجح ..يستنتج أنها ليست متحمسة لمكالمته .. تنفي ببطء ..وداخلها يصرخ :”أرجوك ..لا تذهب !” تشعر أنها تحبه ..تحبه .. تحبه ..إلى مالا نهاية .. تنفعل بحبه كجمرة ..ومكعب الثلج الذي تسميه حنجرتها لا يخبره سوى بالقليل .!

 

هذه اليومية ليست كاملة .. حذفت أضعاف أضعاف هذه السطور .. وأنا أغير يقيني بأن كل الأشياء لا تصلح للكتابة ..أنا التي ظننت دوما أن الكتابة تصلح لكل الأشياء !

 

الثالثة والنصف بعد منتصف ليل يمضي بطيئا جدا كأنه كهل بساق مكسورة و عصا ضائعة .. وهي وحدها .. تحاول مد يدها لتساعده على المشي أسرع قليلا .. تغمض عينيها وتدعي النوم ..لا تفكر بأي شيء ..تمر ساعة ولازالت تدعي .. تستسلم لصحيانها وتحاول أن تتسلى لتنسى النظر في الساعة كل دقيقة ..تتذكر مصطفى محمودفي كتابه الأحلامالذي أنهته من بضع ساعات حين قال : “أحسن تسلية تضيع بها وقت فراغك أن تجلس وحدك في عزلة وتغمض عينيك وتتذكر العواطف التي شعرت بها وكل الدوافع التي تأرجحت بينها وكل الأفعال التي أتيتها والكلمات التي قلتها والنيات التي أخفيتها ثم تحاول أن تصل لحقيقتك وستجد أن حقيقتك ستدهشك وتفاجئك كأنها حقيقة رجل آخر لا تعرفه” ..تغمض عينيها وتبحث عن الفتاة الأخرى في داخلها .. تكتشف أن الليل الكهل يمضي في قلبها .. وليس ثمة مصباح يساعدها في البحث.. هذا بجانب أن الفتاة الأخرى لا تقف في منتصف طريق وتصيح ها أنا ذا !” ..وإنما تختبىء في طرقات ضيقة وأزقة وكلما سمعت وقع خطواتها تقترب منها ركضت لأماكن أضيق وأبعد لا تطالها الأولى .. شعرت أنها تركض داخلها و رئتيها تلهث ..توقفت بيد تستند على جدار ويد أخرى على قلبها الذي يدق كثيرا وجذعها ينثني إلى الأمام من التعب .. هذه اللعبة لا تسليها وإنما ترهقها وتستنزفها ..والفتاة الأخرى بعيدا تضحك وتكركر.. لعنت مصطفى محمود ولعنت الكتاب بأكمله.. ذكّرت نفسها أنها رغم إعجابها الشديد بهذا الكتاب إلا أنها كرهته بشدة أيضا ..لأنه قال :”المرأة كمية مهملة حتى نحبها ..فتوجد ..وفي الحقيقة نحن لا نحبها لذاتها وإنما نحب الوهم الذي صنعناه منها “!!! ..كرهته جدا حين قرأت هذه الجملة و أزاحته بعيدا عنها رغم أنها كانت قبلها تتلهف لإكماله فكانت تقرأ فصلا من أوله وآخرا من آخره بحماقة أنها هكذا ستنهيه أسرع.. هذه الجملة جعلتها تراجع كل السطور التي قرأتها لتكتشف أنها موجهة إلى الرجل فقط .. حتى في هذه الفقرة التي جعلتها تتذكر الكتاب الآن قال :”حقيقة رجل آخر لا تعرفه” …وأنه حين تحدث أخيرا عن النساء تحدث بطريقة أغاظتها جدا وأحرقت دمّها :”الكراسي والأشجار والحيوانات والنساء والفواكه تظل أشياء لا معني لها حتى نطلبها ونشتهيها ونجري وراءها فتنبض بالحياة والأهمية ” !!!! حتى حينما تحدث عن الطفولة فإنه تحدث عن الطفل الذكر ولم يتحدث عن الطفلة الأنثى على الإطلاق .. وروعة الكتاب وفلسفته العميقة وأسلوبه البسيط والساحر لا يشفع له نهائيا هذا الموقف ضد المرأة وإنما يسيء إليه أكثر لأنه كون رجل على هذا القدر من العقل والذكاء والحكمة والثقافة والوعي ويعتبر المرأة مجرد رغبة وشيء يشتهيه الرجل لا أكثر.. ويؤكد على هذه الفكرة طوال الصفحات كأن العالم فرغ من كل ما به إلا هذه الرغبة فهذا مخزي جدا ولا يُحتمل !

الرابعة والليل العجوز لا يمضي وإنما يجلس ليستريح بين دقيقة وأخرى ..نهضت من سريرها ..توضأت ..و صلّت ثم جلست في مكانها قليلا..شعرت بالبرد يخترق عظامها وملابسها الخفيفة ….وتعطس ..وضعت على كتفيها شال صوف وأدارت التلفزيون .. قلّبت القنوات عن ضجر ..أفلام..مسلسلات ..أغاني ..برامج تافهة جدا ..أخبار تعيد نفسها ..ملل ..ملل..ملل ..أغلقته سريعا و عادت لسريرها ..أخرجت الرواية من أسفل الوسادة .. “اليزابيث كوستلّولـ كوتسي” .. أول عشرين صفحة..تبدو ممتعة وتحمل طابع فلسفي مثير ..تتذكر أنها اشترتها لهذا السبب .. لأنها تريد مؤخرا أن تدرس الفلسفة .. وكل ما يخيفها أن تصبح فتاة منبوذة يكرهها أصدقائها لأنها صارت تفلسف كل الأشياء وترى الحياة من خلف نطارتها السميكة ذات الحواف السوداء ..وتنطق في حديثها كلمات صعبة و دمها ثقيل كـ الدنكوشوتية والأبيقورية والرواقية واليوتوبيا والبراجماتية والايغوسنترية ..” وتتحدث عن فرويد وسارتر ومانويل كانت و كولهر ..تطمئن نفسها أنها ستجعل كل هذا سرا ..وأنها ستدرسها فقط لتفهم العالم والحياة ونفسها ولن تخبر أحد ..لازالت تقرأ الرواية والليل الشيخ يكاد يصل إلى المسجد المجاور ليؤذن الفجر .. ربما نسي عصاه هناك عقب صلاة العشاء .. ستدعو كثيرا أن يجدها .. لأنها تعبت من إسناده كي يمشي أسرع دون فائدة ستستريح قليلا .. ربما تنام !

 

ساكنة جدا .. كريح احتبست في رئة ميتة ..رأيتها ..تصعد سلالم المستشى ببطء ..تبحث عن قسم القلب بحيرتها الأولى .. تود لو تسرع لأن الثقوب السوداء في قلبها تتسع كثيرا ..لكنها تمشي بالبطء ذاته ..لماذا تفعل هذه المرة ما توده ..وهي تتجاهل كل رغباتها منذ فترة ليست قصيرة لأنها ترغب فقط في تجاهلها ..”غباء !” ..تصل أخيرا لرفاقها ذوي القلوب الضعيفة .. الطلبة تلتف حول الدكتور وهو يشرح على احدى الرفاق .. يتكلم بسرعة ..يبتسم بين الجمل ..الطلبة يبادلونه الابتسام ..وهي تخجل من أن تبتسم في حضرة كل هذا الألم .. التأوهات تملأ العنبر .. تملأ المستشفى .. تملأها ..تشطرها نصفين .. نصف يتعذب من أجلهم .. ونصف يحسدهم لأنهم بإمكانهم رتق الثقوب بالآه .. أما هي فتمضي .. لا تتأوه .. لا تضع يدها على قلبها .. لا تدثره من البرد الذي يأكله كحبة فراولة .. تعرف أنه سليم تماما ..ولن يرتبك في الشاشات الكثيرة ..لكنها تتيقن من كونه مليء بالثقوب الصغيرة التي تضيق حتى تختفي في النهار وتتسع كثقب الأوزون في الليل حتى يصير بإمكانها أن تبتلع الكون دون غصة .. ينتهي الدكتور من الشرح .. تغادر مع بقية الطلبة إلى قاعة الراوند .. تعيش أكثر لحظات يومها غربة بين فتيان وفتيات فشلت طوال أربع سنوات مضت في معايشتهم ومجاراتهم كـ رفاق !.. تجلس بوحدتها الأولى والثانية والثالثة واللانهائية ..ساكنة جدا .. الأغنية في أذنها تتشكل على وقع النبض .. تلائم قلبها تماما ..تعدد “forty one ways to die” ..تقاطع ذراعيها على الديسك أمامها ..تلقي برأسها فوقهما .. تغمض عينيها .. لا ترى عالمهم .. تتمنى و تتمنى لو لا يراها بدوره .. تصدق أن هذا حدث .. ورغم الموت الذي ينساب داخلها بواحد وأربعين طريقة .. تخترقها أحاديث الفتيات كأسهم شاردة .. كـ “وليام تيل” فاشل يقتل ابنه بكل الطرق ..ثم يجلس بجواره يقضم التفاحة ..احداهن تشتكي أن رأسها سيحترق لكثرة الكتب التي قراتها .. تجيبها الأخرى أنها لا تمتلك صبرا تقرأ به ” ميكي ماوس” ..تغيظها الأولى ..لا تأبه  للأخيرة .ترفع رأسها لذات الرأس المحترق ..تمسك في يدها كتابا ..لا تستطيع أن ترى العنوان .. تكتشف طريقة ثانية وأربعين للموت ..تشبّ بجسدها ..تفشل مرة أخرى ..تخرج من سكونها أخيرا وتسأل ذات الرأس المحترق ا أن تريها إياه ..تناوله لها بود ..”لعنة الفراعنة …. أنيس منصور” ..ترتاح و تعيده إليها..تعود لسكونها .. حسنا ..هي تحب أنيس منصور ..ولكن الفراعنة بلعناتهم لا يستهوها كثيرا..ينتهي الراوند .. تغادر بالبطء ذاته .. وبعد ارهاق طويل على مكاتب الموظفين من أجل امضاء وطابع ودمغة ..تعود لبيتها .. أمها تشاهد برنامج ديني بعين دامعة .. تسألها عن سبب دموعها قبل أن تنتبه للبرنامج .. فتجيب أنها تحلم لو كانت أفضل .. تدخل غرفتها وهي لا تفكر بحال أفضل لنفسها .. تتكور على السرير كجنين ..ساكنة جدا .. والريح في صدرها تتحول لاعصار … في حالتها هذه تستطيع تشكيل كلمات كرماح وأسهم ..تصوبها كيف تشاء .. اجتماع ما يتضاد يؤلم كثيرا .. عليها الانتظار حتى ينصهر أحدهما !

لأنني صرت لا أفكر إلا بك ..ولا أكتب إلا عنك ..ولا أحلم إلا بك .. ولا أنطق إلا اسمك ..حد أنني حين أردت اليوم شيئا ما من أخي الذي كان يقف على مسافة مني تجلس فيها بقية أسرتي و ناديته بصوت عالِ.. وجدتني أهتف بإسمك ! ..الجميع يحدق بي بنظرات مشدوهة وحواجب مرفوعة وأنا أرجو كل ساحرات دلفي أن تخفيني لهذه اللحظة فقط وإن كنت أعلم أنني حتى لو اختفيت سيبقى الدخان المتصاعد من الفحم الذي احمر في وجهي خجلا ولم ينطفىء حتى الآن !

لأن صوتك صار خبزي اليومي .. ولأن الصباحات لا تصبح إلا به .. والمساءات لا تمسي إلا عنده .. وأي يوم دون هذا هو ورقة ذابلة سقطت من شجرة عمري فتكسرت وبعثرها غيابك لغبار لا يبقى منه شيء .. ولأنني لم أسمع صوتك اليوم سوى لأربعين ثانية فقط ..فأنا أتضور من الجوع !

لأنني حين وقفت هذا الصباح في إدارة المرور لاستخراج الرخصة أخيرا و وقف بجانبي شاب لم أر وجهه .. تمنيت وتمنيت لو كان أنت ..وحين رفعت وجهي إليه انتابني احباط شديد لأنه لم يكن أنت ..ولم يكن حتى يشبهك ..ولا يشبه الدم في قلبي ..وإن كنت اعرف مكانك لحظتها تحديدا إلا أنني حقدت عليك لأنك لست معي ولا تقف بجواري ..ورددت داخلي :”أحبك بحقد شديد !”

لأنني صرت أعد الأيام بين كل لقاء وآخر ..والساعات بين كل مكالمة وأخرى ..والدقائق والثواني .. وحين أفتقدك جدا ..أحوّل الأيام إلى ساعات ..والساعات إلى دقائق والدقائق إلى ثواني وأنظر طويلا إلى الناتج فأضع يدي على قلبي وأحضر ورقة بيضاء أكتب فوقها …أحبك …أحبك …أحبك … أحبك … حتى آخر الرقم وحين أشعر أنني أخيرا سأنتهي _أو أتوهم هذا_..تفاجئني ساعات أخرى ودقائق أخرى وثواني أخرى وغياب آخر و اشتياق فوق طاقة كل الورق على الامتلاء لكنه يملأني ويملأني ويملأني ..!

لأنني حين قررت أمس شراء “بلوزة” بنفس نقشة و ألوان كنزتك الصوفية ذات الأبيض والرصاصي وأخبرت أختي عن السبب منعتني وقالت :”هيمشي مع صاحبه؟!”..لكنني لم أرد وقتها أن أكون “صديقك” ولا حتى حبيبتك..وإنما ..”أنت” آخر !

لأنني رجوتك في البدايات :”لا تحبني أكثر كي لا أجن بك !” ..ولأنني في هذه اللحظة أكاد أن أجنّ بك .. قررت أن أحبك جدا .. إلا قليلا !

صباحكم بالونات ملونة وشيكولاتة وطراطير ولعب وهدايا وعيديات وبمب و صواريخ و أطفال يركضون أمام البيوت ببنادق الخرز  وضحك كثير و رقص وأغنيات وموسيقى و لمّة كبيرة وفرحة لا أول لها من آخر.

 

“لأنني توصلت أنه لو حدث أن نمت ليلة واحدة بعد هذه الأيام الثلاثة نوما هنيئا دون أن تعتريني الأحلام المزعجة فسيكون هذا دليل نجاحي في عزلتي”

 

حلمت هذه الليلة بساحة كبيرة تمتلىء بالأطفال الرضّع المذبوحين وأنا في منتصفها يكاد يغمى عليّ من الهلع

24-11-2009

لست سوبر جيرل ..ولا أنتمي لملائكة تشارلي ولا أستطيع أن أطلق على نفسي أي لقب مميز لأن نفسي هذه تخذلني كثيرا..!

امممم هل يصلح هذا السطر كمقدمة لأقول أنني فشلت في اليوم الثاني فشل ذريع…حسنا هذا لا يعني أنني فشلت كليا ..لأنني لم أنتهي بعد ..ولأنني لازلت أحاول .. وهذا جيد ! ..وإن كنت شعرت بالاحباط للحظات فأنا لم أستسلم له وكأن “ساراماجو” يقف ورائي وهو يهمس في أذني:”للهزيمة وجه حسن :أنها غير نهائية ..وللانتصار وجه قبيح :أنه دائما نهائي !” ..لم أسقط كلي ..فقط أنا تعثرت بقلبي وكدت أنكفىء على وجهي لولا اليد التي أمسكتني بقوة لكيلا أقع ..!

لم أتردد كثيرا قبل أن أقرر السقوط .. هذا لأنني سقطت عن عمد ..بمعنى آخر ..لم أفكر حتى أن أجاهد نفسي ..فتحت الموبايل وهاتفته ..قرار اتخذته في لحظة واحدة لم أراجعني فيه ..ككل قرارات حياتي من أكبرها حتى أصغرها ..فكرت في هذا لأول مرة وجلست بعدها أحاول أن أتذكر مرة واحدة .._مرة واحدة فقط_.. تمهلت فيها في قرار وراجعته في رأسي أكثر من مرة ..ووجدت أن هذا لم يحدث قط .. وأنني منذ أن ولدت وأنا أنفذ كل فكرة تفكر فقط في طرق رأسي صحيحة كانت أم خاطئة ..ضايقني هذا قليلا لأنني شعرت أنني هوجاء أكثر مما ينبغي ولكنني ارتحت حين وجدتني طوال عمري أتحمل عواقب أفعالي وحدي ..ولا ألقي بأي ضرر ولو صغير جدا على أي شخص آخر_أو هكذا أظن!_ بغض النظر عن قلق أمي الذي يلازمها طوال الوقت عليّ حد أنني حين نزلت اليوم من الطابق العلوي وجدتها تتصفح المدونة كأنها تبحث بين كلماتي عن شيء ما يريح قلبها ……….لا أعلم ..فلربما كانت تبحث فقط عن شيء يبرر قلقها الغير مبرر ..تركتها في بحثها حتى انتهت ..ثم وجدتها تسأل: لماذا تفرّين كل مرة بزجاجة ماء فقط؟!..أعترف أنني اندهشت من سؤالها جدا ..لأنها تركت كل السطور وكل الحديث وكل ما في المدونة وسألتني عن كلمة عابرة لم يتوقف عندها أحد ..عرفت لحظتها أن أمي مختلفة جدا وأنها لا تقرأني كأي عابر ..سكت ثانية ثم قلت أنني فقط أعطش كثيرا ..وهذه الاجابة ليست صحيحة تماما ..لأنني لا أشرب الماء لحظة العطش فقط ..أنا أشربه حين يجف قلبي .. وحين أشعر بالحياة تقف في حلقي ..وحين أرغب بأشياء كثيرة أعجز عنها ..فلا أملك إلا أن أبلل قلبي ثم أبتلع الدنيا كقرص اسبرين وأنام .!


_طوال النهار وأنا أفكر في شيء واحد ..ماذا لو تغير هو؟ ..ماذا لو قلّ حبه لي أو انتهى؟ ..هذا التفكير أدمع عيني ..وجعلني أنوي البعد لو أحسست يوما بهذا ..لأنه الرجل الذي نجح في جعلي أنتعل السماء وأمشي ..لهذا لم يعد بإمكاني أن أرضى بما هو أدنى..!

(هل تظنني أنانية بعد أن قرات السطر السابق ..سأدعك تظن هذا ..ولكن دق في قلبي مسمارا قبل أن تظن أن باستطاعتي أذيتك ..لأن كلاهما كفيل بقتلي ! ..وفكر _حين تقرر انتقاما صغيرا مني_ ..بالأطفال ينامون على الأرصفة وتوقظهم أحذية الجنود أحيانا ..بالمساكين ينامون قبل السابعة تحسبا لفاتورة الكهرباء..بملابس اليتامى يرقعها الحظ وبقايا الاحسان من هنا وهناك ..بسكك القطار تصطك أسنانها بعد سماع حكايا الراحلين ..بصوت معدة طفل لم يأكل سوى الجوع والماء الذي تشرب منه القطط ..وحين تشعر أن هذا ليس كافيا لاثارة شفقتك ………فكر بي أعيش بدونك !)_


كان السقوط لذيذا .. يشبه الشيكولاتة التي أهداها لي والتي لازلت أشعر بطعمها في فمي حين أفتقده كثيرا ..وكنت في تلك اللحظة أفتقده أكثر من أي وقت مضى ..حتى سمعت صوته فصرت كمن يرتدي مظلة ويقفز من طائرة فوق السحاب ..يسقط في الهواء بنشوة التحليق كأنه قطرة مطر ..وحين يلامس الأرض لن يفكر في أكثر من أنه هذه اللحظة يلامس الأرض ،وكل الانتشاء والسعادة التي أحسها لن تعدو عن كونها ماضِ تلاشى سريعا كالحلم ..كالدخان !

أجمل ما في هذا النهار ..حين قال لي “أحبك جدا” ..فسكت وجاءني احساسا أن شيئا قويا وعميقا ومؤثرا يحدث .. مثل الصمت الساحر الذي يخيم على كل شخص شاملا المتفرجين في اللحظة التي تسبق تتويج الملك ..في هذا الصمت يكون الصوت المسموع فقط هو خفق زوج من اليمام يطير عبر المشهد الملكي !

أجمل ما في هذا النهار ..هزيمتي الجميلة أمام حنيني لصوته !

وأسوأ ما في هذا النهار ..هزيمتي الجميلة أمام حنيني لصوته !

 

 
 
النهار الأول من الأيام الثلاثة الني نويت العزلة فيها لأسباب كثيرة ..أهمها اكتشافي أنني لفترة طويلة لم أقاوم نفسي قط ..أفعل أشياء كثيرة ربما تكون سيئة ..لمجرد أنني أريد هذا ..كهذا الرجل الذي صادفه عمر بن الخطاب في السوق يشتري أشياء كثيره ..وحين سأله عن السبب ..برر الرجل أنه يشتهيها ..فرد عمر:”أوكلما اشتهيت اشتريت؟!” ..كأنني هذا الرجل الذي لا يجاهد نفسه قط ..و زيادة عليه لا أستطيع الالتزام بشيء ..كل الأشياء التي يجب أن أفعلها لا تتم .. لأن نفسي لا تريد ..ولأنني لا أقاومها ..فأنا أستسلم وكفى ..لهذا اتخذت قرارا بحرمانها من كل ما تحبه كوسيلة لتهذيبها واعادة سيطرتي عليها ..حرمتها منه ..من أسرتي ..من أصدقائي ..من النت ..الموسيقى ..الكتب ..حتى من الطعام .وكل ما أملكه هذه اللحظة هو زجاجة ماء …أنا لا أعاقبها ..وإنما أتصالح معها ..لتأتي لحظة واحدة أشعر فيها بالرضا التام عنها…أترك نارها تخبو كي تصير رمادا بإمكانه أن يشتعل من جديد ..أذيقها طعم الموت مرة ..كي تقدر الحياة لاحقا ..أكتشف أسوأ ما فيها كي أصل لأفضل ما بها..!

أمي تكره عزلتي لهذا قامت من عدة أشهر بافراغ غرفتي بالطابق الثاني من كل شيء وتركتها على البلاط كي لا أنزوي بها كما تعودت أن افعل ..لكنني صعدت إليها في الصباح ..وفرشت أرضيتها بسجادة كبيرة ..ثم غطيتها بوسائد كثيرة كـ سرير ..و وقفت على عتبة الغرفة أنظر لسريري الجديد أسأله :”أي الأحلام ستهديني؟!”..لأنني توصلت أنه لو حدث أن نمت ليلة واحدة بعد هذه الأيام الثلاثة نوما هنيئا دون أن تعتريني الأحلام المزعجة فسيكون هذا دليل نجاحي في عزلتي ..أعترف أنني صرت أنام كثيرا ..لكنني طوال الليل أصافح الأشباح والأموات وأقف في مقابلة ثعابين ضخمة على وشك أن تنقض عليّ ..ما لاحظته في كل هذه الأحلام هو وقوفي في مواجهة كل خطر جامدة ..رغم أن داخلي ينتفض ….إلا أنني أمثل الشجاعة على الأشباح والثعابين .هل تبدو شجاعتي تلك ذات قيمة؟ ..لا أظن!..هل لهذا علاقة بما قاله أورهان باموق:” يرى الانسان أكثر كوابيسه واقعية ..وهو متعب!”…لا أعرف!..فكرت أنه لو كانت الحياة بلا معنى ..فسيصلح حصول المرء على نوم هانىء معنى جيد لها ..قرأت من فترة طويلة عن حكيم يتحدث عن النوم كمعنى للحياة كلها ..لا أتذكر حديثه بالضبط ..ما يمكنني تذكره قوله أنه إذا تمكن المرء أثناء نهاره من مقاومة نفسه عشرة مرات ..ومصالحة نفسه عشرة مرات ..و الضحك عشرة مرات ..والتوصل لعشرة حقائق في صحيانه كي لا يواصل البحث عنها في نومه ..ثم جلس أول الليل يحصي فضائله الأربعين فسيحصل على نوم آمن مطمئن لن يضطر فيه أن يعاقب ذاته أو أن تعاقبه بأرق أو كوابيس وسيكون حينها وصل لمعنى ذات قيمة للحياة ..لا أدري ماذا جعلني أتذكر هذه الأشياء الآن والتفكير فيها ثم الاقتناع بها رغم أنني حين قرأتها لم تشغل رأسي مطلقا ولم أتوقف عندها لحظة..

بدأت يومي قبل أن أفتح عيني وأنا أسمع ضجيج الحياة في الخارج ..فعرفت أن الفجر فاتني ..رغم أنني تنبهت لحظة الآذان إلا أنني غفوت مرة أخرى ..لهذا بعين مغلقة كانت رأسي تقول :”خطأ أول: تفويت صلاة الفجر حين غفوتي متعمدة! … خطأ ثان: الضجيج بالخارج يوحي أن الساعة في حوالي العاشرة وأنتِ لم تنوي العزلة كي تبالغي في الكسل وتدللي نفسك أكثر !”..يدي تبحث عن الموبايل المغلق على الوسادة وعيني لازالت مغلقة..فتحتها حين أمسكته وضغت على زر الفتح..ثم أغلقته سريعا وأنا أواصل :”خطأ ثالث: فتحت الهاتف رغم نيتك على اغلاقه طوال الثلاثة أيام.. فقط لأن نفسك أرادت هذا وأنتِ لم تقولي لها لا !…نهضت وأنا أواصل عد أخطاء يومي الذي لم يبدأ بعد ..نظرت في المرآة و شعرت أنني جميلة هذا الصباح لولا عيني المنتفخة قليلا لأنني كنت متعبة وكنت أبكي في الحلم ..فتوجهت للمطبخ و صنعت كمادات لبن لأجل عيني ثم وضعتها عليها لعشر دقائق وأنا أتذكر صديقتي التي نصحتني مرة بكمادات اللبن بعد البكاء ..وقتها كنت أبكي كثيرا ولا أنام لأحلم وكانت عيني محمرة ومنتفخة طوال الوقت ..أما هي فكانت شخصية سعيدة على الدوام لا تهتم سوى بالموضة ومساحيق التجميل وماسكات الوجه ..لم أرها أبدا باكية ..ولم تحكي لي قط عن أي مشكلة رغم أننا كنا نتحدث كثيرا وكانت لها حكايات طويلة لا تنتهي بنقط وإنما بضحكات كثيرة أشاركها إياها وأنا أحلم في حياتي بحكايات مثلها أرويها طويلا وأوزع الضحكات على كل العابرين ..حين أعطتني نصيحة كمادات اللبن تساءلت في سري لحظتها :”كيف لفتاة مثلها أن تعرف شيئا بخصوص البكاء؟”..ونسيت هذا السؤال حتى اللحظة التي قرأت مقولة نيتشه :”ربما أعلم أكثر من غيري السبب في أن الانسان هو الحيوان الوحيد الذي يضحك ..لأنه وحده يتألم أشد الألم الذي أجبره على اختراع الضحك” ! ..بعدها لم أعد أتعجب من أن صديقتي تلك تعرف شيئا بخصوص البكاء .. وحين جلسنا بعد فترة طويلة وتجاذبنا أطراف الوجع .. كاد يصعقني حجم الألم بداخلها ..وتأكدت وقتها أن ليست كل الأشياء كما تبدو ..!

بعد منتصف النهار بقليل كدت أتراجع عن هذا كله ..أن أفتح موبايلي وأهاتفه وأتناول فطوري وأشرب عصير برتقال وأتصفح النت ثم أجلس على سريري أتابع قراءة الراوية باستمتاع ..شعرت بالندم على ما أفعل ..وبأنني أشتاقه أكثر مما أطيق ..وأنه لا داعي لهذا العذاب ..لكنني تراجعت عن تراجعي وأنا أذكر نفسي أنني أفعل كل هذا من أجل أن أخلق إرادتي ..من أجل أن أكون فتاة قوية لا يمتلكها شيء ..من أجل أن يحبني أكثر !

أجمل ما في هذا النهار هو أمي حين أتت وجلست في مواجهتي وهي تمسك معصميّ بكلتا يديها وتتحدث وهي تحركهما باتجاه بعضهما بشكل صقفة ..ثم تحركهم بشكل أسرع فلا تقابل كفوفي بعضها ولا تحدث الصقفة ..هي تضحك ..وأنا أضحك أيضا .. كثيرا ما تنسى أنني قاربت الواحد والعشرين من العمر وتلاعبني كأنني طفلة في الرابعة ..وأنا أيضا أنسى وأعود هذه الطفلة لهذه اللحظة ..!

أما أسوأ شيء ..هو أنني أتممت أربع فضائل فقط من الأربعين فضيلة ..!

 

 


 

كنت على وشك أن أخبره أنني اليوم مختلفة كثيرا كأنني لست أنا..ولست شخصا آخرا أيضا .. ولا أستطيع أن أطلق على نفسي “لا أحد” ..لأنني أشعر بوجودي دون أن أدري ماهية هذا الوجود .. كأنني يرقة في طور التحول إلى فراشة عند مرحلة من دورة حياة الكائنات نسي عالم الأحياء بنظارته المدورة وشعره الأشعث أن يسميها لأنه انشغل بأطوار أخرى أكثر أهمية و وضوحا منها ..كنت على وشك أن أخبره أنني أستنزفني منذ الصباح و أفكر في أشياء كثيرة جدا لا أكاد أميز منها شيء أو أن أصل لشيء و لا أستطيع أن أشرحها أو أحكي عنها لكنني أشعر بها بصورة لا يمكنني تجاهلها ..وكل ما يمكنني فعله حيالها أن أضغط بسبابتي على جانبي صدغي وأنا أنطق :”الألم هنا تماما وليس بأحد عالم”..فكرت أنني سأجن لو لم أهز رأسي كثيرا وأنفض عنها كل هذا الغبار الذي يحجبني عن العالم ..ويحجب العالم عني ..لكنه في كل مرة كان يتكوم أكثر وينهكني نفضه دون جدوى فتوقفت اطمئن نفسي بأنني أملك من الغباء ما يحميني من الجنون حتى آخر العمر ..ألقيت بجسدي على السرير برأس دامع وأنا أتمتم :”ساعدني يا الله !” ..وحده الله يأبه لي وبإمكانه دوما أن يفهمني دون محاولاتي الواهية للشرح .. أثق أن الله يهتم لأمري حقا ..لكنني لا أثق بأى كائن على الأرض يمكنني أن أسكب رأسي في كفيه بيقين أن ما سيبديه من اهتمام لن يكون زائفا بالقدر الذي سيتطلبه الموقف ..ماذا أفعل إذا كان الشك يعتريني في كل شيء ..كل شيء بلا استثناء حتى أن كل القناعات والقيم والمبادىء والثوابت التي كنت أمتلكها بالأمس فقط ..فرت من يدي كالماء ..لأكتشف أن قبضتي لا تحوي سوى الفراغ ..وحين حاولت طوال النهار اللجوء للكتب وجدتني أشك في صدق كل سطر أقرأه..لأنني لا أثق في الأساس بمن كتب ..أنا الآن فتاة فارغة إلا من هواء يعصف !

منذ قليل كنت أتصفح دفاتر قديمة مكتوبة برصاص بهت كثيرا  فوق الأوراق التي تغير لونها للأصفر مما جعلني أراجع تواريخ كل الصفحات لأكتشف أن العمر يمر سريعا حقا ويمضي وكأنه لم يكن.. وأننا عند النهاية سنكتشف أن كل هذا كان كفرقعة اصبعين في الهواء لم يبق من صداها شيء وكل ما يسعنا فعله هو محاولات فاشلة للقبض عليه و لكن لولاها لما صدقنا أن كل ما مرّنا مرنا فعلا ..كـ ألبوم صور أو يوميات كانت تُكتب بدقة متناهية اكتشفتها وأنا أقرأ شهر نوفمبر لعام 2004..رغم أنني كنت أكتب باللغة العامية وبأسلوب رث كثيرا .. إلا أنني لم أكن أنسى تفصيلة واحدة مرت بيومي أو رأسي حد أن ساعتين فقط من اليوم كنت أدونهما في ثلاث ورقات وأكثر ..وأتساءل الآن كيف امتلكت كل هذا الصبر والدقة الذي كتبت بهما هذه اليوميات ..لكنني ضحكت من نفسي حين انتبهت أنني في هذا العام كنت بالصف الثالت الثانوي .. وكان بإمكاني أن افعل أي شيء بالدنيا لأهرب من المذاكرة التي حولها عفريت “الثانوية العامة” لشيء بغيض للغاية لم أفلح في التكيف معه سوى في يوم 3-5-2005 تحديدا بعد أن أخذنا أبي في اليوم السابق في فسحة رائعة لم تتكرر روعتها حتى الآن ..في مقابل أن أذاكر شهرين فقط ..أفعل بعدهما ما أريد في حياتي كلها ..ورغم أن هذا لم يتنفذ كليا حتى الآن ..لكنني أعرف أنني يوما ما سأصل للكل الذي أريده !

توقفت كثيرا عند عبارة :”I hate myself ..although I love it more than any one can do !” ..كتبتها في فترة امتلكت فيها كل الأسباب الكافية لأن أكره نفسي ..لكنني كنت أعرف في أعماقي أنني أحبني كثيرا ..أعرف أن كلنا نحب أنفسنا ..ولكن هل ثمة خطأ لو قلت أنني أحبني أكثر مما ينبغي ؟ ..أعني أنني أحب اسمي كثيرا .. وحين أمسك قلما وأشرد أكتشف حين أعود من شرودي أن الأوراق تمتلىء باسمي وتفيض .. وأنني حين أريد أن أكتب شيئا ما وأعجز ..أو حين أحتار في الكتابة ..فأنا أكتب اسمي وأغلق الصفحة برضا تام !

أحب شكلي ..حتى عندما يذبل وجهي وأعرف أنه باهت جدا وليس جميلا ..ولكن ألا يكفي أني أحب شكلي أنني لا أرى في نفسي حاجة لأي رتوش حين أريد الخروج !

أحب كل ما أكتبه ..وإن كنت لا أعيد قراءته إلا فيما ندر ..إلا أنني أحب كتاباتي جدا حد أنني رفضت فكرة صديقة بتقدمي لمسابقة أدبية في الجامعة لأنني لا أتقبل أن يحكم أحدهم عليها أنها سيئة ..حتى ولو كانت سيئة جدا وكنت على دراية كاملة بمدى سوءها ..فأنا أعرف جيدا أنها ليست الأفضل وربما لا تكون جيدة على الاطلاق ..لكنني أحبها جدا .وأرفض مقارنتها مع كتابة أخرى !

أحب اختياراتي كلها ..بدءا من الأشخاص الموجودين في حياتي حتى أصغر أصغر الأشياء وأنا أثق أنهم الأفضل في كل شيء وليس هناك من هم افضل وإن اكتشفت عيوبهم فيما بعد ..فأنا أحبها أيضا ..لأنها فقط ..جزءا من اختياراتي .

أحبني حين تأخذ كل الأشياء في الانحدار ..فأرفع رأسي ..!

بكل بساطة أنا أحبني من أقصاي إلى أقصاي … فهل في حبي هذا أمر غير عادي؟


ما نويت فعله هذه اللحظة هو شراء دفتر جديد وقلم رصاص جديد وتدوين التفاصيل الصغيرة جدا جدا حتى نهاية الشهر !

أول أول ما أفعله عند اقترابي من باب المنزل هو نزع الدبابيس من الطرحة لأخلعها فور تجاوزى لعتبة البيت .. ومن ثم أحل عقدة شعري وأطلق سراحه حتى صباح آخر .

لم أتعود أبدا على مشابك الشعر ..كانت في طفولتي أكثر شيء يبكيني رغم ألوانها وأشكالها الكثيرة التي تشبه قلوب الصغار ولعبهم .. والتي حرصت أمي دائما على شرائها بشكل كل الأشياء التي أحبها لتغويني بارتدائها كـفراولة كنت أفشل في التهامها وأحزن و نجوم كانت تلمع وتضيء بطريقة جعلتني أكرهها لأن أمي نسيت أن شعري وقتها لم يكن الليل وأن الشمس تشرق في خصلاته وتسطع وأن هذه النجوم لا تناسبني كثيرا… بالإضافة لطيور صغيرة فاردة جناحيها تأمل أن تطير من رأسي سريعا وفي منقارها عدة شعرات توزعها على أعشاش الطيور الفقيرة التي لا تملك سوى القش .

كل هذه الحيل لم تفلح يوما في جعلي أرغب بهذه القيود وأفرح بها ..وأفهم الآن أن اختلافي عن اخوتي كان في حلّي لعقدة شعرى كرغبة في التعبير عن حريتي ..وإن شبّهني أبي دائما بالغجر .. فلا يهم ..وإن اصطنعت الغضب  من هذا التشبيه فأنا سعيدة به في سرّي لأنني أتذكر حكايات الغجر التي أحببتها كثيرا في قرية موكاندو وأحلم بانضمامي لسيركهم الذي يتنقل بين البلاد يحتفل بالحياة ويسعد الصغار والكبار ويمضي ..!

أكتب هذا كله الآن _في السادسة والنصف صباحا على التحديد_ لأنني انتبهت منذ قليل بالمصادفة أنني تجاوزت عتبة المنزل مما يزيد عن 15 ساعة ولازال شعري معقودا ..لم أندهش وأتساءل :”كيف نسيت أن أحلّه؟!” لأن سؤالا آخرا يطاردني بإلحاح :” هل لهذا علاقة بشعوري منذ الأمس أن هناك حبل ملفوف حول قلبي يعتصره ببطء ليخرج الدم منه قطرات ضئيلة لا تكفي للنبض فأجلس بوهن في ركن الغرفة عاجزة عن الانضمام لاحتفالات الحياة مع جماعات الغجر؟!”


شاكرة جدا لكل الأرواح الطيبة التي أقلقها غيابي فاهتمت لأمري وسألت عني وآسفة على الغياب الذي أسكت الموسيقى وجعل فتاة الساحة تكف عن الرقص وتجلس إلى جدار بساق مفرودة وأخرى مثنية تراقب الغياب وهو يتجول بصمته والعابرين بالشارع المجاور وهم يطلون برأسهم في الساحة باحثين عنها دون أن يجدوها

ها هو مشغل الموسيقى يدور مرة أخرى والفتاة تنهض بخطوات عرجاء لأن رجلها المثنية أصابها التنميل حين جلست على الأرض طويلا وتسلقتها كل جيوش النمل الساكنة لشوارع القرية كلها !

4757076-lg

سأحكي لكِ عن الغياب يا وفاء ..عن الفقد الذي يتشعب وينتشر داخلي كماء انسكب و أجهل كيف اوقف جريانه .. لأنني أعيش الغياب الآن بصورة لن تتخيليها قط .. ولم أتخيلني أنا يوما عليها .. هل ستصدقين لو أخبرتك أن دعاء تنام كثيرا .. وكثيرا هذه لا تعني ثلاث أو أربع ساعات كما تعودت .. ولكن تعني أنها بالكاد تستيقظ .. وهذا غريب لأنها حين شعرت أنها ستختفي في الحب مرة أخرى ظنت أن النوم سيجافيها إلى ماشاء الله وسيشطرها السهر وانشغال البال ..وكان بإمكان هذا أن يحدث فعلا لو لم يكن هو الرجل الذي بعثه الله إليّها ليهبها أمان عمرها الضائع وراحة بال عمرها الآتي ..فتعود في وجوده طفلة ترغب فقط في تناول الآيس كريم و تشعر بالسعادة دون أن تفكر أنها سعيدة ..ليس أكثر من ..هو معها ..هي معه.. طفلة ذاكرتها سبورة جديدة تماما ..خالية من الخدوش.. دعته ليكتب عليها أجمل الحكايا .. لكنه تجاهل دعوتها للكتابة .. وفعل ما رآه مناسبا لطفلة أكثر ..فأحضر طباشيره الملون و رسم بيتا ريفيا صغيرا في مقابلته شجرة برتقال وحبل غسيل يمتد من النافذة إلى فرع الشجرة ..عليه أفرد أنا قمصانه بينما هو يلون الأرض بالأخضر .. حينها وقفت أمام رسمته تلك كثيرا باندهاش كبير أفكر فقط :”كم يفهمني هذا الرجل !”

أخبريني عن نظريتك التي ذكرتيها وفاء .. لأنني حين امتنعت عن الكتابة وطويت الرواية على قلم إلى حين لا أعرفه بعد .. ثم تماديت في الاختفاء عن كل الأشياء إلا عنه  كنت أريد فقط أن أعود فتاة ساذجة جدا لا تملك أية أسلحة تقاوم بها حبه الذي يجتاحها باستبداد .. ويسيطر علي قلبها بطريقة أشبه بالفتوحات منها للغزو  رغم أنها ليست حربا “اطلاقا” .. وأن قلبها هو ما تفتّح له.. كباب كهربائي انفتح بمجرد اقترابه منه.. لهذا لم يكن هناك من داعي لأن أعلن استسلامي وأرفع راية بيضاء.. أو حتى حمراء وأدعي المقاومة ..وإن لمحني أحد أقف في مواجهته بـ راية ما ..فسيتساءل حتما عن معنى راية بشكل قوس قزح  تحمل كل الألوان بفرح  ..هذا لأن حبه لم يأتني على هيئة غارات عشقية تضرم النار في قلبي وتمضي ..ولا عواصف تقتلع أشجار غاباتي وتختفي .. لأنه الرجل الذي يمشي بهدوء على حواف دروبي كلها .. وهو يغرس أغصان الزيتون بسلام .. ويغني لسرب الحمام الضائع عله يأتي وفي منقاره قش كثير يجعلني به وطن ..!

غبت بارادتي أياما يا وفاء..أياما بدلت فيها كل عاداتي حتى نوع الموسيقى الذي أحبها دون أن أنتبه أنني أفعل هذا حقا إلا حينما قفشتني أختي أغني :”متحيرة ومتغيرة .. وكأني لسه صغيرة”..فاتسعت عيناها وهي تهتف :” دعاااااااء !..فين موسيقتك وأغانيكي الغريبة؟!!.. الحب شكله غيّرك كتير وبقيتي _بالقاف_ تسمعي أغاني البنات الطبيعية !”.. فعرفت لحظتها أنني عدت فتاة ساذجة جدا ..ولكن ليس بإرادتي !

أنا الآن غائبة عن كل شيء يا وفاء ..ليس لأنني مختفية في الحب .. ولكن لأن شيئا ما يدفعني نحو الغياب .. غائبة عن النت .. عن الراوند .. عن الاصدقاء .. عن الروايات .. عن المدونة .. عن الموسيقى .. عن كل شيء وأي شيء .. حتى عن دعاء نفسها .. أنا في مكان بعيد أجهله غاب فيه هو .. وحتى يعود .. لا طاقة لي بهذا الفقد !

6192363-lg

غـــيــــــــــــــــــــــــــــاب

couple

– “إنني لا أسمعك تغنين ؟”

-“إن صوتي ليس جميلا !”

-“عندما تغنين يصبح صوتك جميلا”

من بعدها صرت أغني معه*

*سيرة الجنوبي

9386932-lg

أشعر بصدق شديد وأنا أستمع الآن إلى موسيقاك المفضلة.. و لا أفهم كيف بإمكان قطعة موسيقى أن تكون صادقة جدا ؟!

كأنني أخطو إلى حديقة في السماء سبقتني إليها مرة و زرعت فيها البرتقال والأمل و أوصيت النجوم أن تضيء في جبيني حين تميل أنت عليّ توشوشني بالأسرار كلها علّني أبادلك سر صغير جدا بحجم كلمة واحدة أنطقها فيحمر الورد والتفاح و وجنتيّ و قلبي و دمي وتتلون الحديقة من أقصاها إلى أقصاها بلون الخجل في وجه فتاة ريفية قلبها يدق كثيرا ..ويرتبك !

love

طوال النهار وأنا أحاول أن أحصي قطرات الفرح التي غمرتني بها في أيام قليلة.. حتى شعرت أن العطش/الحزن لن يقاربني مرة أخرى وبأنني ارتويت إلى الأبد..كأنني شربت شربة لا أظمأ/أحزن بعدها أبدا.. كنت أتساءل: هل بالجنة نهر اسمه الفرح؟ ..لو كان ..لكنت صدقت أن الله يسكبه في قلبك ..كي تأتي إليّ و تقطّره على قلبي ..قطرة ..قطرة .. وكل قطرة تغمرني كشلال يدفعني إلى حيث تيارات الفرح ..لأكون جزءا من معجزة أبدية ..تبدأ في السماء ..وتنتهي في قلبي !

معجزة لم تحدث قبل الآن لأن كلانا كان ينطق السحر بطريقة خاطئة !

معجزة اكتمال البدايات بنهاياتها حين تكون أنت السماء وأنا الأرض ..أنت المطر وأنا العشب ..أنت النهر وأنا المصب ..أنت النجمة وأنا الضوء..أنت الرياح وأنا الشراع ..أنت البوصلة وأنا الجهات ..أنت الجناحان وأنا الجسد ..!

معجزة صغيرة جدا بحجم الفراغات بين أصابعي حين تشغلها أصابعك !

لو مت الآن فسأكون راضية تماما عني .. لأنني أخيرا عشت !

6616030-lg

كن جناحيّ … لأطير !

3187984-md

كنت الابنة المدللة لأبي حتي سن العاشرة .. وهذا لا يعني أنه ما عاد يدللني .. لكن أمور كثيرة تغيرت من هذا الحين ..وسأصحح وأضيف ..أمور كثيرة في رأسي تغيرت منذ هذا الحين .. طوال سنواتي الأولى كنت أرفض النوم إلا في حضنه ..وكانت حيل أمي كثيرة حين يصادف ميعاد نومي مع عدم وجود أبي .. كالحكايات والغناء ..ولف خصلات شعري حول اصبعها بنعومة وهدوء يجعلاني أنام في الحال … واعترف أنني أدمنت هذه الأشياء فيما بعد ..وصارت تشبه حبوب النوم .. ومن الأسرار الصغيرة في حياتي أنني حتى اليوم إذا مس أحد شعري أو حاول أحد من اخواتي اللعب في خصلاته فأنا أشعر بالنعاس فورا و أنام  بطريقة تشبه السحر .. ولكن أبي لم يكن بحاجه لكل هذه الحيل .. حضنه كان كافي لأن يشعرني بالأمان في لحظة فأنام .. وهذا يدفعني لأتساءل :”هل النوم شعور بالأمان ؟ .. وهل الأمان يعني أبي؟” .. يبدو هذا صحيحا .. وصحيحا جدا ..لأنني منذ أن غادرت هذا الحضن إلى حضن أوسع بحجم الحياة لم أشعر بالنعاس !

لم أر في حياتي أبا أحن من أبي .. هذا الحنان الذي كان يغرقنا به صغارا ..كأن يقبل رؤوسنا جميعا فور دخوله المنزل .. وحين كبرنا قليلا .. صرت أرى حنانه في دمعة فرح يواريها بكل الطرق حين يحدث شيئا سعيدا لأحدنا ..أكثر ما أفتقده هذه اللحظة عندما  كنت صغيرة وكنت أجري إلى سلم البيت فور سماع خطواته آتية من البعيد عقب كل صلاة .. ليتلقفني كـ كرة صغيرة مسرعة موجهه إليه مباشرة ثم يرفعني مرات كثيرة لأعلى  .. أو يدوخني  في الهواء .. كانت هذه أسعد لحظات حياتي .. وكنت أسمع كل خلية في جسدي الصغير وهي تضحك بفرح .. ولا أدري ما الذي دفعني في سنوات تالية لهذه الفترة أن أرسم طريقا معاكسا لكل الطرق التي يمضي بها .. عن عصيان .. أم عن تمرد ..أم عن ماذا تحديدا كنت أفعل هذا .. رغم أن أبي هو الشخص الوحيد الذي رفض ومازال يرفض افلات يدي من يده .. لكنني كنت أريد أن أجرب الحياة وحدي .. وأن أفهم .. لازلت أذكر رد معلمي في المدرسة حين أبدى أبي قلقه عليّ فقال:”لا تقلق على دعاء.. فهي تستطيع السفر وحدها إلى النصف الآخر من الكرة الأرضية  والعودة كأنها لم تفعل شيئا مهما .. و دون أن تصاب بخدش !” و رغم هذا قلق أبي ..!

كنت أبتعد وأقول :”أنا بعيدة”..لكنني اكتشفت أن هذه التي تفكر طوال الوقت كيف تتمرد على كل شيء .. وكيف تصنع شخصيتها البعيدة عن كل من تعرفه .. وكل ما يحاول أحدهم تعليمه لها .. أكتشف أنني أقترب من خطوات أبي .. في كل خطوة أخطوها وحدي ..أكتشف أن كل الطرق بين عالمي وعالمه دائرية .. وأنني لا أفعل شيئا سوى أن أكونه !

مؤخرا تنبهت لشيء خطير لم ألحظه من قبل .. أنني الوحيدة في البيت التي لها نفس حركات أبي .. نفس طريقته في الجلوس .. في شرب الشاي .. في الاصغاء لأحد يتحدث ..في الصمت .. في وضعية النوم .. في التفكير ..في العصيان .. في قول “لا” .. في كل شيء .. كل شيء ..!

فهل معني هذا أن من نتحاشى تقليده في أي شيء ..نكون في النهاية نسخة منه في كل شيء ؟

هذه الأيام أنا أمضي معه في مشاوير كثيرة .. وصارت يدي المشبوكة في ذراعه هي حلقة الأمان التي تضمني .. وصرت لا أريد أن أغادرها … لأنني عدت من جديد ..فتاته المدللة !

user199231_pic16925_1223009889

في السماء .. مطر كثير !


تأكدت اليوم أن الله يحميني بكل الطرق الممكنة والمستحيلة !


8634056-md

سحر صديقتي تدعوني للانضمام لفريق المسرح ..لا أعرف لماذا جاءتني أنا بالذات لتقدم لي هذه الدعوة .. لم أسألها ..لكنني شعرت بلمعة في عيني أضاءت الصورة أمامي للحظة ..بحاجبين مرفوعين ليتيحا لبقية ملامحي مساحة أكبر للتهليل.. “وااااااو..فريق المسرح!!” تعلقت بالفكرة كطفل يتشبث بكل المشاوير وينطق لكل شيء :”أنا عاوز من ده !” ..بنفس حماسي الكبير من عدة أيام حين علقني صديق في مشوار لمبارة مصر والجزائر ..وتركني معلقة حانقة ..لأن أمي رفضت ..دون أن تعطيني مساحة ضيقة حتى للنقاش ..فجلست بجوارها أزفر واتمتم:” يووووه بقا .. كل حاجه لأ ..لأ!” .. وهي تتصفح كتاب في يدها وتتظاهر  بعدم سماعي ..أعلي من نبرة صوتي .. ولا فائدة ..تبدو منهمكة بالقراءة جدا .. أعود لغرفتي بدبدبة في الأرض و حنق متزايد ..غاضبة من صديقي الذي علقني بفكرة على ارتفاع سطح منزلنا ومضى.. يدي متشبثة بالسور ..جسدي متدلي لأسفل وأصابعي تتزحلق .. نفس الوضع الذي تركني عليه ابن عمي أمس حين اقترح مشوار مجنون جدا إلى مولد السيد البدوي _الذي يوافق اليوم_ “الليلة الكبيرة” كما يقول ..يخبرني عن ” الشوادر” ..فتعلو علامة الاستفهام رأسي كما في أفلام الكرتون ..يشرح : شوادر جمع شاردة وهي خيمة كبيرة للذكر ..شعرت لثانية أنني أتحدث مع المعجم المحيط! ..أسأله : هل يتطوحون هناك وهم يهتفون :”الله حي .. سعده جي” .. ينفي وينقطع الخط دون تفاصيل أكثر .. وبالطبع لا أحاول الذهاب لأمي والاستئذان منها لأنها هذه المرة لن تنهمك في القراءة وتدعى عدم سماعي كما فعلت من عدة أيام ..وإنما (………………) .. تجنبت الشر وجلست وحدي أتخيل “القراطيس” الملونة ..والرجل الذي يدور وهو يشبه الطاحونة دون أن يسقط أو ينتابه الدوار .. و”مراجيح الموالد” التي لم أرها في حياتي سوى على شاشات التلفزيون .. هذا إلى جانب المجانين اللذين سأتأملهم بدهشة ونظرة ساخرة وهم يتمسحون بضريح سيدي “مش عارف ايه” وتتوسل احداهن :”سايق عليك النبي الواد يقبل في المدرسة السنة دي !” ..لو ذهبت اليوم سيكون أجرأ ما أقدمت على فعله هذا العام .. لكن ما الجدوى من ذهابي ..وأنا أعرف أنني سأعود بلا “حمص” _لأنني لا أحبه أصلا_ ..ولا يوجد مولد بلا حمص .. زفرة أخرى دون تمتمة ودبدبة هذا المرة ..وأعود لجسدي المعلق في الهواء للمرة الثالثة في أسبوع واحد  بسبب فكرة المسرح هذه ..سحر تتمنى قدومي .. و تشجعني للذهاب .. وأنا بعد كل التعابير الحماسية التي ظهرت على وجهي أخبرها أنني سأفكر في الأمر  .. تقول أنني سأقوم أولا بتأدية دور صغير من رأسي أمام المخرج كي يقرر إن كنت أصلح أو لا ..فكرت لحظتها أنني سأمثل مشهد من فيلم “gone with the wind” حين عادت سكارليت أوهارا إلى “تارا” بعد أن حرقها الشماليون.. تكاد تموت من الجوع تنحني على الأرض تفتش في الحقل عن شيء تأكله حتى تجد جزرة يابسة_ وهي أميرة القصور_ فتقوم وتقف في مكانها وهي تمسك الجزرة وتقول بمرارة وقوة :” أقسم أني لن أجوع ثانية ..حتى لو اضطررت أن أكذب أو أخدع أو أسرق أو حتى أقتل ..لكن أقسم أني لن أجوع ثانية” هذه الجملة التي لخصت شخصية سكارليت أوهارا في الفيلم بأكمله .. _أعشقها !_

ما يهم أنني تراجعت عن الموضوع بأكمله حين تذكرت آخر مسرحية شاركت بها في أيام المدرسة .. حين جعلوني أرتدي شيئا أبيضا فضفاض جدا بتفصيلة غريبة لا أعرف كيف تمكنت من ارتدائه لكنني كرهت شكلي جدا به ..ولم يكن هناك مساحة للاعتراض أو التراجع .. وما زاد الطين بلة ..الكحل الذي أخفوا به عيني حتى شعرت بدائرتان سوداوتان يكادا يبلعا وجهي والضوء القادم إليه..كأنهما هاويتان لا عينان .. كنت أمتلك جسد ملاك و وجه شيطان .. وكنت في الدور أفرد ذراعي أمامي وأتفوه بكلام لا أتذكره الآن .. لأنه لم يكن كلام مضحك ولا شيق ..كان حديثا لا أفهمه ..ساعدني أحدهم في حفظه ورددته بغباء كببغان ..مع بعض الحركات كبهلوان … أووووه هذا سيء جدا …لن أعيد التجربة مرة أخرى … آسفة يا سحر !

daily1.462877

هبة القواس


كأنه صوت من الجنة

كلما سمعتها أردت أن أسألها:

هل الجنة حلوة؟؟

.
.
.
أغنيك حبيبي

(كلمات :أنسي الحاج)

.
.
.

الموعد..

(كلمات:أدونيس)

.
.
.

بديت الحكاية..

(كلمات:جيزال زرد)

.

.
.
(كلمات:الحلاج)

(كلمات :هدى النعماني)

3934063-md

القلوب التي تتفتح للمرة الأولى .. يطعنها ألا تجد المطر بانتظارها*

ثلاثة أعوام وأنا أردد هذه العبارة بإيمان تام أنه في الجفاف سيتشقق قلبي.. وسيذبل..ويموت .. أرددها بخشوع وأنا أصلي استسقاءا لقلب يشبه الصيف لا يعرف شيئا عن انبعاث المطر ..أرددها وأنا أقصد :”متجرحنيش” ..لأنني لا أعرف كيف أطلب ..وكيف آمر ..ولا أعرف طعما للأشياء التي تأتي بعد طلب ..فأجتهد طويلا في صنع عبارات ملتوية ومتشابكة ومرهقة ..لكنها تفضي إلى النهر في نهاية الغابة ..حيث أجلس أنا ..أنتظره .. ولا أقارب الماء .. حتي يأتي.. فينحني على النهر ..يملأ كفيه ويرفعهما إليّ لأشرب وأرتوي وأبلل قلبي ..ثم يشرب من بعدي ..وأنا أمرر سبابتي على مسار الماء ..من شفتيه ..لعنقه ..لصدره ..أنحرف قليلا لليسار ..أصل لقلبه ..أصنع دوائر باصبعي وأهمس :”أنا هنا ..أدوووخ” ..يمسك اصبعي قبل أن أسقط من الدوار ..”أنا هنا أدفعك على أرجوحة من نور”..أدوخ أكثر ..”إذن توقف” .. يفرد كفي على قلبه :”بسملي عليه ..باركيه يا دعاء”..باغماضة عين و خدر أنطق:”قل أعوذ برب الحب”..أشعر بقطرات ماء على رأسي ..على يدي التي تدثر قلبه ..ينهمر المطر .. على قلبينا معا ..يسألني :”أتعلمين أي حب يبعث المطر؟”..أجيب :”أعلم في أي قلب يسقط المطر!”


* _بالمناسبة_ :القلوب لا تصيب دائما من المرة الأولى !

9799335-mdأبي لم يوقظني هذا الصباح .. رغم أن الوقت تأخر .. كأنه لم يرَ باب الغرفة مغلقا .. والشبابيك ايضا ..كل أشيائي ساكنة كأن الليل تكوم على النهار .دولابي مغلق كـ سر .. الشاشة مطفية .. ولا تنبض بالأصدقاء الداخلين والخارجين في الماسنجر .. كشهيق و زفير ..الفوضى مرتبة و مطوية بعناية و ترجوني أن أستيقظ سريعا لأبعثرها وأنشرها مع الموسيقى كأنني أقف كل صباح على سطح بناية عالية تداعب السحاب وأنثرها كالمطر .. كل الهدوء و كل الصمت يشي بأنني لم أنهض بعد ..وأبي لم ينتبه لهذه الوشايات على غير العادة ..رغم أنني شعرته يفتح باب الغرفة مرة ثم يغلقه .. كأنه لم يراني !! .. صحوت باستغراب وضيق لأنني تعودت على اسطوانات الصباح التي أسمعها منه والتي صارت تشبه في أذني : ” يا حلو صبح يا حلو طل .. يا حلو صبح نهارنا فل!”..بدلت ملابسي في عشر دقائق استطعت خلالها أن أقلب غرفتي رأسا على عقب كأن قنبلة انفجرت في الحجرة وخرجت وأنا أقول :” ماشاء الله علي ..أنا أتطور” .. الدولاب مفتوح على مصراعيه والملابس متدلية منه كلسان يغيظ به كل من يفكر دخول الغرفة في غيابي .. أو يحاول التذمر من المنظر ..حقائبي مكومة على المكتب .. الرجل في السماعات يغني بحماس .. والأحذية مبعثرة مع ملابس النوم على الأرض .. الغرفة تحتاج للاستئصال فورا من المنزل ..أنظر لها مرة أخيرة ثم أذهب إلى الراوند .. ولأنني دائما متأخرة .. فتكون المقاعد كلها مشغولة وأقف دقيقتين حتى أكتشف مقعد شاغر أو حتى يدلني أحدهم عليه .. هذه المرة رغم أن القاعة كانت ممتلئة عن آخرها ..إلا أنني وجدت كرسي بسهولة وجلست عليه دون أن ينتبه أحد لدخولي ..أويتلفت حوله لمساعدتي في إيجاد واحدا ..هذا دفعني لأتساءل :هل شعر أحد بقدومي؟ .. هل رآني أحد ؟ .. جلست ولم أشعر بنظرات خالد زميلي التي تراقبني طوال الوقت ..والذي أتجنب النظر في اتجاهه دائما كي لا يظن أنني أبادله النظرات ..لأن كل شاب يتخيل أن أي فتاة تنظر في الاتجاه الذي يجلس به..فهي تنظر إليه .. أحدهم قال لي مما يزيد عن 6 سنوات ..أنه في كل مرة تمر فتاة من أمامه فتعدل من وضع طرحتها .. أو تنظر لشيء ما خلفه .. فهو يتأكد من أنها تحاول لفت نظره .. وفيما بعد اكتشفت أن كل الرجال يفكرن بهذه الطريقة .. ولن أبرأ الفتيات .. فأنا أدري أن معظم الفتيات يحاولن جذب أنظار معظم الشباب .. لكنهن لا يقصدن هذا الشاب تحديدا كما يتخيل كل واحد منهم .. ما يهم أنني عرفت بعد قليل أن خالد غير موجود .. رغم أنني أردته اليوم فقط أن يأتي وينظر إلي لأشعر أنني موجودة_ فقط _… جلست في أحد الجوانب وحدي أستمع لشرح الدكتور .. دون زميلة تخبرني بأي شيء بين وقت وآخر .. ودون زميل أتفادى النظر باتجاهه ..انتهى الراوند .. وصعدت للدور الأعلى لأثبت حضوري .. رفضت السكرتيرة وكتبتني غياب .. أقسم لها أنني حضرت الراوند من بدايته .. وهي تصر .. وتخبرني أن تسجيل الحضور في بداية الرواند .. وليس في نهايته .. ألوي شفتي بامتعاض ..وأنزل السلالم وحدي ..و أنا الوحيدة .. أتوحد أكثر .. أضع السماعات في أذني ..والموسيقى تهيج كبحر ..أجلس في الكلية طويلا ..انتظر قدوم الأصدقاء .. لا أحد يأتي .. اهاتفهم .. لا أحد يرد ..تمر صديقة مسرعة .. ألمحها من ظهرها .. لا أفكر بمناداتها لأنني صرت أعرف أن صوتي الذي لا يتكىء وهنه على شيء سيسقط في الفراغ ..ولن يصل… أغادر .. أعود لغرفتي ..وأنظر في المرآة طويلا .. المرآة تراني .. أغلق عيني .. أصوّر المرآة وعيني مغلقة .. أيضا تراني .. أضع “طرحة” زرقاء على شعري .. تراني … أرتدي نظارة شمسية .. تراني ..أروح وأجيء .. أصنع عصير برتقال ..وأعود أشربه أمام المرآة .. تراني … تراني … تراني …! .. لماذا شعرت إذن طوال اليوم أنني غير مرئية !

9172522-md

from heaven to dust

لن أقول أنني فتاة بقلب جريح مكسور فائض بالخيبة .. لأنني لا أجيد تمثيل هذا الدور .. وكما أخبر صديقي دائما :” أنا فتاة صامدة .. صامدة حتى النهاية .. وإن كنت أتألم أو أفتعل الألم أحيانا .. فأنا أستطيع تجاوز أي شيء .. مهما كان ” .. كل الطعنات التي أصابت قلبي مباشرة تدوات والتأمت تماما من فترة لن أسميها قصيرة وإن كانت كذلك .. لأنني لا أملك إلا عمري .. ويوم واحد هو شيء كبير جدا أندم على تفويته .. ولكن كل الجروح والاصابات  تحتاج بعد مداواتها لعلاج طبيعي ..لطبيب يعيد الحياة في الجزء الذي أنهكه الجرح وأضعفه سوء الاستخدام .. وهذا ما يحتاجه قلبي تماما .. سلامته من أي خدش في هذه اللحظة لا يعني أنه سيقوم بوظيفته بأحسن ما يمكنه أن يفعل .. في الحقيقة كنت أعتقد هذا .. كنت أعتقد أنه برأ تماما حين ألقيت بقميص الحب على وجهه فارتد نابضا .. حين اعتقدت أنني بإمكاني أن أتبع العلامات على الدرب وأخطو بثقة مرة أخرى وأنا أردد قصيدة لمحمود درويش تشبه :” هنالك حب صغير يسير على قدميه الحريرتين ..حب فقير يبلله مطر عابر ..فيفيض على العابرين”* .. كأنني أمتلك قلب صبية في الرابعة عشر من عمرها .. في الصف الثاني الثانوي على التحديد .. حين يكون العالم كله لا يزن مثقال ذرة من خردل في قلبها .. و تمضي وهي تفكر في لون الدماء في شرايينها الزرقاء .. وتقبض يدها وتبسطها وتتخيل .. هكذا يدق قلبها ..! وتعيد حركة يدها ذاتها بشكل أسرع وأسرع حين تخجل .. وحين تضطرب .. حين تحب .. وحين تعشق.. حين تخاف .. وحين تفرح .. وحين تلهث وراء أشياء كثيرة لن تطالها في النهاية .. لكنها تتيقن من أن قلبها يدق أسرع وأسرع بتناغم لا مثيل له مع انقباض يدها وانبساطها …! كانت فتاة ساذجة جدا .. تفكر في قلبها ورئتيها كثيرا .. وتدعي أحيانا أنها تحب من كل رئتيها .. وحين يصحح لها أحدهم :” أنتِ تحبين من كل قلبك !” تنفي بشدة .. وتجزم أن الهواء العالق على رئتيها تخلل يوما رئة من تحب حين وقفت في مواجهته ذات صدفة وقت لم تقدر الدماء أن تفعل شيئا يربطهما معا كما الهواء .. تدعي أنها ستحتمل توقف قلبها عن الدق .. لكنها لن تحتمل أبدا توقف رئتيها عن التنفس .. لأنها حين كانت طفلة تسبح مع صبي في الحادية عشر  من العمر ويلهوان معا بفريقي الغواصين البلاستيكي الذي يحمل السيوف .. ويتبارى في الوصول إلى الكنز المفقود في أعماق البحار .. فكرت بطمع أن تستولى على فريقه وتصل إلى الكنز وحدها لكنه غضب و وأمسك برأسها وغمره تحت الماء وهو يضحك على غرقها الوشيك .. لم تستطع التنفس ..شعرت بالماء في رئتيها وكادت تموت لأن كل الهواء على الأرض عجز عن الوصول إليها بينما كان قلبها يستمر في الدق دون مبالاة .. _ربما أسرع قليلا؟ … ربما_ شعرت به يدق .. ولم تتمكن هذه المرة من أن تقبض يدها وتبسطها مع نغمته .. كل ما احتاجته كان أن تتنفس فقط !.. بعدها لم تستطع أن تقول أنها تحب من كل قلبها .. لأن رئتيها صارتا الأهم .. وصارت عبارة غزل تشبه :”قلبي يدق بك” .. لا تساوي شيئا بجوار :” أنا أتنفسك” ..

أوووووووه .. تعبت  وسأعترف ! .. لا أمتلك الصمود الذي أتحدث عنه في كل دقيقة .. أنا أتهشم كآنية .. قابلة للكسر كغصن طري .. وتتقاذفني الرياح كالورق الجاف .. وأريد شخص يعاملني بالمس … كأنني ثلج مبشور في راحتيه .. عبثا يحاول دسه عن الشمس كي لا يذوب !

9474680-md

إلى رقية الحربي :

أين أنتِ يا رقية لتعلميني كيف أحب كما تفعلين دوما .. لأنك المرأة المخلوقة من “حب” .. وأنا الفتاة الغبية التي تنسى كل ما تتعلمه منك سريعا .. لأجدني أمس ألقن ياسر نصائح سيئة جدا من قبيل :”لا تحب سوى نفسك يا ياسر”  .. أخبرته أن قلبي فتتّه لقطع صغيرة جدا بحجم خيباتي كلها وألقيته من النافذة .. ولا أحد من المارة يهتم بالنظر لأعلى .. أو برفع يده ليلتقط فتافيت قلبي .. لأنه لا يشبه القصاقيص الملونة ..ولا المطر .. ولا يغوي طفل صغير باللعب تحت تساقطه… وأنا الآن أمشي دون قلب .. لهذا يمكنني أن أكون شريرة جدا كـ تنين .. أنفث النار .. وأحرق من يحاول قطع طريقي  .. لكنه لم يصدق يا رقية  .. لم يصدق وأرسل :” كيف تخرج النار من شفاه لا تعرف غير طعم العسل ..وكلام الطيبين؟ ..كيف لأميرة أن تحرق وهي لا تعرف غير شذى الحب وحكايا الياسمين؟!”  .. حتى الآن لم أرد على رسالته هذه .. لأنني لست جديرة بالندى  والشعر .. وأحتاج لمعزوفات صاخبة تملأ كل خلاياي بالفوضى !

هل لازلتِ تحبينني يا رقية .. وتزايدين على حبي كما تقولين ؟! .. لو كنت مكانك لأطرقت وأنا أحرك رأسي من اليمين إلى اليسار وأكرر بحزن :”لا فائدة منها .. لا فائدة منها ” !

3809602-md

ستكون جملة ساذجة جدا لو قلت “يبدو أن هناك شيئا ما في الهواء أو الماء يجعلنا نُرهق سريعا” ..لأن كل الأصدقاء يحدثونني عن تعبهم والصداع الذي يفتك برأسهم عقب أي جهد تافه .. رغم أنهم كانوا أكثر احتمالا وقوة في السابق .. لا أحد يعرف سبب محدد لهذا التعب .. أو سبب يمكننا تعميمه علينا جميعا .. صديقة تفكر أن الصداع قد يرجع لعملية “الليزك” التي أجرتها مؤخرا ..وصديق رياضي يفكر بأن أصدقاءه الغير رياضيين لا يتعبون سريعا مثله رغم أن العكس يجب أن يكون الصحيح ..أخرى تقول بيقين أن السبب هو تغذيتها غير السليمة والريجيم الذي تقسو به على نفسها .. وآخر يردد أن مناعته الضعيفة تمكن أصغر الميكروبات من النيل منه ليشعر بتعب غير مبرر طوال الوقت ..وأنا أعرف أن مناعته لا دخل لها بالأمر لأنها صامدة منذ عمر ..وآخرون يكتفون بأن يقولوا أنهم لا يعرفون سبب محدد لاجهادهم .. أما عني فأول ما سأقوله وأتحدث عنه ..هو خصامي الكبير مع النوم الطويل ..ولم يتمكن أي تعب حتى الآن مهما كان أن يصالحني معه .. كلنا متعبون بكل ما في الكلمة من انهاك وارهاق وتراخي .. وأنا لا أبحث عن سبب لأنني أشعر أن التفكير صار شيئا صعبا على رأسي .. وأردد بسذاجة كـ بائع متجول :”يبدو أن هناك شيئا ما في الهواء أو الماء يجعلنا نُرهق سريعا “…أشعر بحجم قلبي يتقلص كثيرا .. ربما يضمر لقلة الاستخدام ..أو يتآكل من سوء الاستخدام ..والدم الذي يضخه في جسدي لا يكفيني أبدا فأشرب كميات كبيرة من عصير الرمان على سبيل التعويض وأسكّره جدا ليعادل دمي الذي صار مالحاً نتيجة لتضاؤل حجمه فأصبح مركزا ولزجا ويمشي في عروقي كـ كهل بدين مصاب بروماتيزم في المفاصل .. ويبدو أننا نهرم حين نصل لهذه النقطة بالذات ..فنفكر في المستقبل بتعب ونَفَس متقطع وحنين كبير لكل ما فات ..لهذا أنا أشرب عصير الرمان وأحاول أن أعيد الشباب لدمي وأُحَلّيه لأنني أريد أن أفكر في الماضي وكأنه حدث للتو ..والحاضر كأنه سيستمر بلا بداية أو نهاية .. بيقين أنني سأفلح في محاولتي هذه ..وإن كنت فشلت هذا الصباح فسأعتبر فشلي هذا كان محاولة في المحاولة .. لأنني كنت أجلس في الراوند وأنا أفكر في أشياء مبهجة سعيدة أود أن أفعلها فور خروجي من باب القاعة …تهيأت لضحكات كثيرة ينثني معها جذعي إلى الخلف فتندلق الكولا من يدي أو حين أضع بها قطعتين من “النعناع” ..فتفووووور وتفوووووور وتنسكب عليّ و على ملابسي قبل أن أكون انتبهت لفورانها .._لأنني في كل مرة لا أفعل_ ..فأمد ذراعي للأمام لأبعدها عني حتى تهدأ الصودا وتستكين ثم أشربها بلذة كبيرة.. تهيأت لأحضان طويلة أغمر بها صديقة لم أرها منذ أن بدأت الدراسة وكلمات تشبه :”وحشتيني .. مالك احلويتي بزيادة …اياكي تغيبي تاني” ..لأنني لازلت حزينة من المشادة التي نشبت أمس بيني وبين إيمان فور أن رأينا بعضنا رغم أنني كنت أستعد للقائها بشوق كبير وحنين لأني لم أقابلها مما يقارب الشهر ..من 26 يوما بالتحديد ..وعلى الرغم أننا تصالحنا سريعا .. لم نقل ” كلاكيت تاني مرة” ..ونحاول جمع الشوق الذي تبعثر ..في حضن .. فكرت بكل هذا وأكثر وأنا جالسة في الراوند أستمع للدكتور الذي يشرح بحيوية مختلفة عن كل الدكاترة الآخرين الذين أشعر أن ما يقولونه مجرد تعويذات وهمهمات في عملية تنويم مغناطيسي لكل الطلبة الجالسين أمامهم .. وربما أكون استمديت حيوية تفكيري من شرحه الحيوي ..لكنني بعد الراوند حين التقيت أصدقائي عقب جولة سريعة في الهواء وزجاجة ماء صغيرة..جلست في المقعد الخلفي في سيارة إحدانا فوجدتني أتهاوى عليه ..ولا أعرف كم مضى من الوقت حتى استجمعت قواي وغادرت إلى منزلي بكلمات قليلة تقتصر على :” أنا مروّحة ..أشوفكم بكرة ..باي باى”..ومضيت وأنا أتخيل التعب الذي سألقيه على سريري بإهمال ثم أجلس على الكرسي المجاور له أشرب عصير الرمان و أقول : “يبدو أن هناك شيئا ما في الهواء أو الماء يجعلنا نُرهق سريعاً !”َ

rnet

أغنية لـ فتاة ريفية تبالغ في الدلال !

yea

الراوند الأول هذا العام كان ” نفسية وعصبية” ..الدكتور يتحدث عن أمراض نفسية كثيرة ..وأنا أتابعه بشغف وصحيان كبير ..و خرجت من الراوند وأنا أفكر بضيق: ” لماذا نسي أن يتحدث عن دكتور جيكل ومستر هايد ؟” .. كلمة الطب النفسي لدي مرتبطة كليا بهذه الحالة الغريبة  وأتخيل أن أي حالة غيرها شيء تافه  عابر  غير مهم ..فكرت أن مستر هايد سيأتيه ليلا .. وبضربة واحدة سيوقعه على الأرض و ينهال عليه بعصاه حتى يفقده الوعي تماما ثم يقطع رأسه ويضعها بجواره  .. وأخيرا يركله بقدمه ليتأكد أنه أنجز مهمته بنجاح ..وذنب الطبيب الوحيد أنه نسي أن يذكر اسمه في محاضرة ..وهذا سبب وجيه وقوي جدا بالنسبة لمستر هايد لأنه يقتل دون أسباب في الأصل .. أما دكتور جيكل سيكون في نفس الوقت بجوار مدفأته يحرق هدوءه و طيبته .. ولا يشغل رأسه شيء .  الجميع ينفي وجود هذه الحالة في الواقع ..  فهل يجب أن أصدق أنها خيال اخترعه كاتب المغامرة :”ستيفنسون” في القرن قبل الماضي ..و اجتهد الأدباء ومخرجين السينيما بعده في اعادة تخيلها كل بطريقته .. وفي خلال ثمانون عاما هناك خمسة أفلام بعنوان :” the strange case of Dr.jekyll and Mr.Hyde” آخرها أنتج في  “2008” ..هذا بالاضافة إلى روايات كثيرة أخرى مثل ” بئر الحرمان” لاحسان عبد القدوس في شخصية ناهد ونقيضتها ميرفت .. و”كلب الموت” لأجاثا كريستي ..وغيرها وغيرها … الغريب جدا في الأمر والذي لا أستطيع ان أستوعبه حتى هذه اللحظة …أنني يوم رجعت من الجامعة ورأسي مشغولة بهذا الأمر شاهدت ليلتها فيلم “hide and seek”  عن ديفيد ونقيضه ” تشارلي” ..وحين أدرت التليفزيون في اليوم التالى ..تفاجأت بنفس الفيلم مرة أخرى !!!! ..ومصادفة  مشاهدتي لهذا الفيلم في هذا الوقت بالذات ولمرتين متتاليتين يصعب عليّ تصديقها أو تجاهلها ..أو حتى التفكير في مغزى لها .. كل ما استطعت التوصل إليه ..أو ربما لم أتوصل إليه لأنه كان يقينا عندى منذ البداية ..أن هذه الحالة ليست غريبة أبدا … ليست غريبة على الأطلاق .. لأن في  الأساس كلنا ” دكتور جيكل ومستر هايد ” …و لكن بدرجات متفاوتة !

6377379-md

في ثمانية وأربعين ساعة لم أنم سوى أقل من ساعتين …أجلس وأنا أتحدث وأبتسم وأضحك .. لكني أتهاوى في داخلي ..كنت أشعر بجسدي كله يئن ..ويطيعني بغباء شديد .. وحين اختفيت في سريري  متأهبة لنوم طويل جدا أفيق منه صباح السبت على مضض لأذهب إلى الراوند .. أتفاجأ بأني نمت في صباح الجمعة ..واسيقظت في صباح الجمعة أيضا.. خمس ساعات فقط ..أنهض بعدها بنشاط كأنني انتهيت للتو من تمارين الصباح فوق ربوة خضراء عالية .. كنت أقول لصديقتي :”أنا أصحى الأربعة وعشرين ساعة ..لكنني طوال الوقت أشعر بالتعب والرغبة بالنوم  الذي أعجز عنه ..ولا أنجز أي شيء “.. لدي أوراق مؤرخة بتواريخ الأيام القادمة ..وفي كل ورقة الأشياء التي أريد أن أفعلها في التاريخ المكتوب أعلاها..وكل ما أنجزه أنني أؤجلها .. وأعيد تأجيلها .. ولا شيء أكثر !

7051059-md

خلي راسك مرفوعة يا عاصي .. علطول .. ولو شو ما صار *

3843831-md

أبي يوقظني بإلحاح ..وأنا لم أنم سوى نصف ساعة فقط ..لا أملك سوى أن أقول ” حاضر” ..وانطق يووووووووه طويلة لا تقارب أذنيه .. أفكر أن لا أحد من أصدقائي يوقظه أبيه صباح كل يوم دراسي ..والكل يذهب أو لا يذهب بارادته باعتبار أننا لم نعد تلاميذ في الصف الثاني الابتدائي ..فلي الحق أن أستيقظ وحدى ..وأذهب وحدي .. لكن أبي يعاملني كانني الطالبة الوحيدة على وجه الأرض ..التي ستغلق الجامعة في غيابها ..نهضت برغبة كبيرة في النوم ..بعينين نصف مفتوحة أتهاوى بين الجدارن ..أرغب في خمس دقائق فقط اضافية في السرير ..لكنني ضحيت بها حفاظا على ضغط أبي طبيعيا في أول الصباح..ارتديت ملابسي على عجل دون أن يكون لدي ما أتعجل له لأن الراوند ملغي اليوم ..و لن اقترب من المحاضرة ..فكرت أن ارضاء أبي سبب كافي .. ولم يغادرني الضيق إلا حينما تهيأت للمغادرة ووقفت أمام المرآة مزهوة بنفسي ..ابتسمت لـ دعاء ..وخرجت وأنا أقول ” يجب أن تتوقفي عن عادة الابتسام في المرايا!” لأنني لم يحدث أبدا أن نظرت في مرآة ولم أبتسم ..حتى في أيامي السيئة جدا .. حدث هذا مرة واحدة فقط ..أستطيع أن أحددها الآن بالتاريخ والساعة و الدقيقة ..كنت أبكي وعيون الماء تتفجر .. نظرت في المرآة وأنا أغسل وجهى ..وقفت لحظة بجمود أراقبني وأنا أتساءل : هل سأبتسم ؟ ..كان سؤالا تافها جدا بالنسبة للموقف .. وكنت أكثر تفاهة حين حزنت لأنني عجزت عن الابتسام واكتشفت أن هذا لم يحدث من قبل ..لم أستسلم لهذه الذكريات ..نسيتها سريعا وأنا أفكر أن صورتي في المرآة غير مكتملة ..ويلزمها صورة شاب وسيم يبتسم بجواري لأنني كنت أغني :” جدع انت يا جميل الصورة ..يا مزقطط زي العصفورة ..قرب جنبي واسمع قلبي هيقولك كلمة صغيورة “

” يلا اتأخرتي !” ..أبي يستعجلني فتتحول ابتسامتي وأغنيتي  لضحكة في وجهه وأنطق “حاضر”.. أركب السيارة بجواره وأختي الصغرى بالمقعد الخلفي ماضية نحو اليوم الأول في حياتها الجامعية بحماس كبير ..أبي يعيد عليّ ما يقوله منذ أسبوع :”تاخدى اختك تشتريلها بالطو وتعرفيها الأقسام ..وما تسيبهاش !” ..أنطق أيضا :”حاضر يا بابا” ..وأضحك الآن جدا وانا أتذكر أنني تركتها عند بوابة الجامعة حين صادفت هي صديقة لتسلم عليها ومضيا معا بتشجيع مني لأن يجربا متعة الاكتشاف وحدهما ..هل أبدو أخت كبرى سيئة؟ …هذا صحيح ..لأنني أفشل دوما في تأدية هذا الدور …لكنني أعرف أيضا أن آخر ما تريده هي ..هو أخت كبرى تمسك يدها في الشارع والكلية ..

أنا أيضا أقابل صديقتي ..نصعد للمحاضرة ..نلقي نظرة على المدرج ونكتشف أنه معمل تدجين للانفلونزا ..نخرج سريعا بانتشاء كبير وثرثرة وضحكات كثيرة ..نتجول أسفل الكوبري ونتأمل الجو العام ..الشباب الصغير يراقب الفتيات الصغيرات ..ويراقبنا أيضا ..ونحن نريد أن نخبرهم اننا أصبحنا “كبار” .. نحن الآن في الفرقة الخامسة .. وبما أن الفرقة السادسة في أجازة .. فلا يوجد من هم أكبر منا ..وهذا ليس جيدا كما يبدو ..لأنني حين كنت في الفرقة الأولى كنت أقول : ” أريد أن يحبني شاب في الفرقة الثانية أو الثالثة أو الرابعة .. أو الخامسة ..أو السادسة !” أما الآن …!! وإن كنت لم أعد أبحث عن الحب لعلمي أنه سيأتي يلهث ورائي بمجرد أن أعطيه ظهري وأمضي بتجاهل شديد ، كطفل صغير تظل تلاطفه وتلاعبه وتتحول أمامه لبهلوان كي ينظر إليك فقط ويضحك فلا يفعل ..وبمجرد ان تعرض عنه وتنشغل بشيء آخر يأتيك وحده يحاول لفت انتباهك ويضحك ويبكي..ويفعل كل شيء كي تهتم به ثانية .. وأنا مرهقة جدا وأحتاج للراحة بحجم سنوات عمري العشرين ولم يعد لدي طاقة لتأدية دور البلهوان أمام طفل شقي مكابر لا يكبر .. أكثر ما أضحكني اليوم حين اقترب منا فتى مع صديقه بعلامة صلاة تنمو في جبهته وذقن صغيرة نابتة .. ينظر ويوجه كلامه إلينا قائلا :”هذه فتنة يا أخ محمود!” ..لم أتمالك نفسي أمام عبارة الفتى الأمردا .. والآن أضحك مرة أخرى على الشيخ الصبي وأنا أضع يدي على بشرتي التي تحرقني كثيرا بسبب الشمس .. وأفرغت علبة كريم عليها ولا فائدة ..ألا يكفيها انها لوحتها بـ “السمرة” في نهار واحد .. وإن كنت قمت بأكثر من مشوار تحتها فهذا ليس مبرر لقسوتها معي .._زعلانة منك يا شمس يا برتقاني _

كنت قد ذهبت لمحل حلويات لأحجز “تورتة” لعيد الميلاد غدا ..أختى عيد ميلادها بعد ثلاثة أيام ..وخطيبها عيد ميلاده كان من ثلاثة أيام ..لهذا توصلا معا ليوم في منتصف المسافة بينهما يحتفلا فيه بعيد ميلاديهما معا ..ويتبادلا الهدايا والأحلام .. وصيت البائع أن يكتب على التورتة “أحمد وشيماء” في قلب واحد .. ومضيت وأنا افكر في الجدع جميل الصورة حين ياتي فأتخلى عن أنانيتي لأجله ويتخلى عن أنانيته لأجلي ونكون في منتصف المسافة بيننا “أنا” واحدة ..نقف أمام المرآة نبتسم معا ونستكمل الأغنية : “وقفنا في ألف مراية بالبدلة والفستان ..وهتنتهي الحكاية ..واحنا ملناش مكان … صبرت في البداية ..وهصبر للنهاية ..الصبر عندى هواية ..وأنا وانت والزمان !”

جـدع انـت يا جمـيل الصـورة !

i

أحتاج ان أطلب أي شيء !

تنبهت اليوم أنني لم أطلب أي شيء من أي شخص منذ فترة طويلة ..أتوق فقط لأن أقول:”ممكن طلب صغير؟!” ..فأسمع الرد : “عيوني” ..!

لكنني لا أعرف ماذا أطلب .. وممن؟

40e5a48aa5b6d4fc89c2a472d95f5725_490x327

Alihan Samedov:

هذا الرجل يشهق بأنين ..

يدخل الهواء من فمه إلى صدره بلهفة غريق ..

ويزفر كل الوجع الذي تسلل إليه يوما..

رئتاه جائعتان جدا وتتألم..


******

في الثانية:

0.05 شهقة أولى عقب وجع أول ، 0.11 وثانية ، 0.16  وثالثة ، 0.20  ورابعة ، 0.28  وخامسة ، 0.34  وسادسة ، 0.42  وسابعة ، 0.54  وثامنة ، 0.57  وتاسعة ، 1.08  وعاشرة ، 1.12 وحادية عشر ، 1.19 وثانية عشر ، 1.25 وثالثة عشر ، 1.28 ورابعة عشر ، 1.35 وخامسة عشر ، 1.41 وسادسة عشر ، 1.47 وسابعة عشر ، 1.52 وثامنة عشر ، 1.52 وتاسعة عشر ، 1.58 وعشرون ، 2.07 وحادية وعشرون ،2.12  وثانية وعشرون ، 2.21 ثالثة وعشرون ، 2.24 رابعة وعشرون ، 2.32 خامسة وعشرون ، 2.38 سادسة وعشرون ، 2.48 سابعة وعشرون ، 2.55 ثامنة وعشرون ، 3.01 تاسعة وعشرون ، 3.04 ثلاثون ، 3.10 الواحدة  والثلاثون في انهيار تام..!

******

أنا هواء ..

اشهقني يا “اليهان” ..ولا تزفرني أرجوك !

أنا وجع ..

احتملني يا “اليهان” ولا تطردني أرجوك !

6458803-md

+

الجو الذي أجلس به الآن فاتن..أطفأت النور ..أوقدت شمعة ..أشعلت بخور ..صنعت فنجان شاي بالنعناع ..وأدرت موسيقى رقيقة كنسيم ليلة صيفية جعلت كل الأشياء تنسجم مع بعضها في سحر..وأنا بينها أتلاشى ..أعرف أن الضوء الصادر من الشاشة لا يناسب الوضع كثيرا ..لكنني فتحتها الآن فقط للكتابة ..الجو يغري  بالحب .. بالسهر ..يغريني بكتابة رسائل غرامية لشخص لا أعرفه التقيته صدفة..وبادلني نظرة أتذكرها جيدا كان يبحث بها في وجهي عن ملامح حبيبة هجرته دون وداع ..وأنا أبحث عن حبيب لم يأتِ بعد ..ولم يقل أنه سيتأخر ..!

سأتجاهل الجميع وسأكتب أي شيء وأترك خانة المرسل إليه فارغة لأن اللاحبيب اعتذر أخيرا عن كل المواعيد التي لم نحددها بعد…فهل أخدع قلبي ..وأصطنع الكتابة لرجل سأدعي أنني أعشقه كثيرا ..وأذوب به حتى الثمالة ..كما حدث وكتبت من سنوات طويلة رسالة و ادعيت أنها وصلتني من شخص يذوب بي ..ويسهر الليل لأجلى وأن التجعيد الخفيف في الورقه سببه دموعه التي جفت عليها .. وقتها لم أكن أريد أن أشعر أنني محبوبة ..بقدر ما كنت أريد فقط ..أن يكتب لي رجل ..يكتب أي شيء…كل ما أردته أن تصلني ورقة ..مكتوب في وسطها اسمي فقط بخط كبير ..وينقف اسمه بخط صغير كتوقيع في نهايتها ..لأنه إذا فعل وكتب :”دعـــاء” بخشوع شديد ..سأقرأها وأغادر إلى السماوات كالتلاوات والصلاوات والابتهالات ..لأنني أصدق أن أسماؤنا وحدها تشبهنا ..وأنا أذوب في الأسماء وحروفها .. ومعانيها…!

لم أرغب بحبيب يهاتفني ويطلب لقائي ..أردت كلمات جميلة مكتوبة على مناديل هشة جدا تجعلني أعاملها برقة متناهية لأحافظ عليها وتعيش إلى الأبد ..لم يفهم أحد ..وحين فهم الشاعر الذي أحببته ..بعث لي بقصيدة ملفوفة في “ايميل” ..حاولت أن أتقبل الفكرة ..وأحبها ..وأستبدل رومانسية العصور الوسطى ..برومانسية حديثة تواكب الشاشة التي أضيئها وسط شموع وبخور وموسيقى .. لأكمل دائرة المتناقضات في حياتي …وإن كنت حتى الآن .. أحلم بمنديل هش للغاية ..ومعاملة رقيقة .. وحلمي الصغير هذا كبير جدا على واقع لا يحتملني ويحتمل تفاهتي التي لا تقارب أحد … !

لن أكتب لأحد.. سأعيد هنا كتابة الرسالة التي بعثها لي اليوم رجل يذوب بي ..ويسهر الليل لأجلي ..سأمسك الورقة برفق ..وأتحسس مكان التجاعيد الخفيفة ..حيث جفت دموعه وأقرأ :

” كنت أستمتع بدفء الشمس وصارت تحرق جلدي….كانت مسامي تنتعش بالهواء وأصبح يصيبنى بنزلة برد.. كنت أعشق صوت ام كلثوم…واسترجعت نقدا وجه اليها أنها تطيل... كنت أسرح مع صوت عبد الوهاب..ثم انتبهت الى تلك النحنحة بين المقاطع لازالة الحشرجة كنت أستيقظ مع الفجر لأسمع صوت الكروان يردد الملك لك لك يا صاحب الملك ثم سمعته أشكيه لك يا صاحب الملك .. كنت أبتسم دوما ونظرت الى المرآة فلاحظت اصفرار أسناني بسبب لعنة سجائري.. كنت أعشق كاظم الساهر..وصار وجهه يذكرني بكل جريح على أرض العراق.. كنت أغوص حد التوهان وأقلب صفحات نزار قباني بنهم..وغيرت رأيي بعدما تنبهت أنه عشق كل نساء الأرض ولم يحب واحدة بصدق ..كنت أشتاق لكلمات قيس في حب ليلى ..ووجدت أنه على أقل تقدير أبله يدور حول بيتها يقبل ذا الجدار وذا الجدار..كنت أشتهى الطعام الحلو ..واطلعت على أبحاث تؤكد أنه السم الأبيض..كنت أتذوق الحار إلا أنني صدقت أنه ضار بالصحة ..كان يسكرني الخمر ..والحكم الشرعي أنه حرام ..كنت أتوق للماء وأصبحت أغرق في شبر مية ! كنت هذا كله لأنكِ كنتِ هنا …………… ثم صرتِ بعيدة !”*

أوووه .. دمعته تسقط على الشمعة ..وينبت خيط دخان رفيع من اللهب المنطفىء.. ينسجم مع خيوط البخور ..أحاول تتبعه في الظلام ..فأدوخ وأتوه ..وأتلاشى أكثر !

5414718-md

من فترة طويلة جدا تقارب العام لم أنم في أول الليل وأستيقظ مع الصباح ..لأنني لم أعد أعرف مواعيد نومي ..أنا مستيقظة حتى تسقط رأسي على كتفي .. وأنهض بمجرد أن أفتح عيني ..دون ميعاد محدد ..لكن أن أنام فترة الليل كما هو طبيعي ..فهذا مالا يحدث وما نسيت كيفية حدوثه ..لكنه حدث اليوم .. في صغري كنت أنام في التاسعة تماما ..في النهار حين يسألني أحد :”بتنامي امتى ؟” ..كنت أجيب :”دودو بتنام الساعة تسعة “..وكانت التاسعة معاد مقدس جدا ..لأنني كنت أبكي لو صحبتنى أمي لمكان ما وجاءت التاسعة وأنا خارج سريري ..حتى صار أقاربنا وأصدقائنا وكل من يعرفني ..يعرف أنني أنام في التاسعة ..وفي كل مرة تتأمل أمي الهالات السوداء حول عيني ..تذكرني بهذه الأيام السعيدة ..ويبدو أنها كانت فعلا سعيدة ..لأنني استيقظت اليوم بمزاج طفلة بربطة شعر وردية ..نزلت إلى شجر الجوافة للمرة الأولى هذا الصيف ..وتنبهت لأنني كبرت وأصبحت فتاة طويلة حين رفعت يدي وأحنيت غصن بسهولة وقطفت ثمرة ..لأن في الماضي كان شجر الجوافة هو السيرك الخاص بي ..كنت أتسلق الشجر ..وأستمتع جدا بالجلوس على غصن عالى معين.. والمكوث عليه لنصف النهار..أمي تخاف عليّ ..تأمرني أن أنزل حالا ..وأنا أبالغ في العناد ..وأصعد لفرع أعلى ..فتضحك على القرد الذي أنجبته ..وهي تعرف أنه لا فائدة من كلمة “انزلى”…ذاكرة غضّة تتربص بي هذا الصباح … ورائحة حلوى كانت تحملها أمي دائما في حقيبتها .وتراب مزّق ركبتيّ الصغيرتين ..وركض مع أولاد الجيران ..ألعب مع الذكور فقط ..فالاناث بالنسبة لي كانوا مصدر ضعف..أقع ..أنهض …ألهث…لا أعترف أنني أقل منهم جدارة ..أناور لأكون الجديرة بكل شيء ..حتى بعتاب أمي !
كل ليلة كانت أناملها تسافر في شعري وهي تحكي لي حكايات ” ماما فضيلة” ..تلك التى واظبت سنوات على سماعها فقط لأجلى …أو حكايات عن دراكولا الطيب ..دراكولا الذي لا يستعمل معجون أسنان ..ويثير الشفقة أكثر من طفل مصاب بالسكر ..أو لما يصبع اصبعها عصا كمنجه يخترقني وهي تقول :” انت اللى هتغني يامنعم” ..فيغني لها منعم :” بولا بولا .. بولا بولا ..بالومبيلا …بيتك ياعصفورة وين ..مابشوفك غير بتطيري ..ما عندك غير جناحين …حاكينا كلمة صغيرة ..ولو سألونا بنقلن ..ما حكينا العصفورة …طيري طيري …طيري طيري …ياااااعصفورة !”…أو لمّا تغني لي :” يا اخواتي بحبها …دي حبيبة أمها …حبيبتي بكرة تكبر وتروح المدرسة ..ويقولو عليها شاطرة ونمرها كويسة “…كان صوتها حبوب النوم … وكان كل ما احتاجه وقتها أن أسمعه وأنااام ..كانت النجوم تعتريني من رأسي حتى أخمص قدمي ..والأحلام أكثر وضوحا .. وأقل مدعاة للقلق .. وتأتيني بعد التاسعة بثلاث دقائق !

هذه اللحظة في خطوط كفي بقايا تراب … وفي قلبي : “بولا بولا …بالومبيلا” ..!

dddddd

لا أعرف وجهي في المرآة ..لأنها لا تراني وإنما ترى فتاة أخرى بكحل أسود كثير حول عينيها وجفنيها ..حتى كأنها عفّرت اصبعها برماد الفحم ثم مررته على عينيها ..فتاة بحالة مزرية ..وأقول “مزرية” لأنني حين كتبت :”كان يوم مزري”..جاء الرد :”ضحكة” ..وبعدها لا شيء ..رغم أنني كنت أريد أن أحكي ..وكنت أنتظر فقط رؤية علامة استفهام حتى أبعثر خلفها جمل كثيرة ..لا تنتهي بـ نقط..وإن كنت سأسمع خلف كل جملة ضحكة أخرى فلا يهم ..ما يهم أنه كان يوجد احتمال ضئيل بان أفضفض ..وكما قلت سابقا ..أنا أجيد الثرثرة ..لكني لا أجيد الفضفضة ..وأعرف أنني لم أكن سأقول شيئا في النهاية ..لكن هذه العادة السيئة لا تفارقني ..كأن أقول :لو عاد الوقت لكنت فعلت وفعلت وفعلت ..وإن عاد …لا أفعل أي مما نويته ..فقط أعيد ما مضى بحذافيره وبغباء تام ..!

أغسل وجهي بالماء فقط ..وهذا لا يكفيني ..فأغمر رأسي كلها تحت الماء ..والسواد يطول باقي وجهي ولا يغادر عيني.. أحضر رمانة منسية في الثلاجة منذ فترة طويلة ..أقطعها دون سكينة وآكل الحب مباشرة وأنا أستمتع بطعمه اللاذع والحامض في حلقي ..هل ضروري أن أغسل يدي؟ ..لم أفعل. رغم أن أصابعي التصقت ببعضها لكنني بالغت في السوء وأحضرت ثمرة “مانجا”وأكلتها أيضا دون سكينة تقطعها من المنتصف ..وملعقة تخرج قلبها ..وأنا لا احب المانجة ولا الرمان ..وأنفر منهما إلى الفراولة والبرتقال اللذين أعشقهما كثيرا ..و …هل ضروري أن أغسل يدي؟ ..هذه المرة كان ضرورى جدا ..لكني لم أفعل أيضا ..تجاهلت كل شيء وتكورت على السرير كـ جنين ..ونمت ! ..وحين استيقظت كل ما فكرت به أنني أرغب في فعل شيء سيء كتدخين سيجارة في سكون تام..والتلاشي مع الدخان ..تذكرت المسج التي أرسلتها لصديقتي الصيف الماضي ..حين كتبت أربعة أشياء سيئة للغاية أود أن أفعل أحدها ..اخبرتها أنني سأكون الشكل الصحيح للخطيئة ..لكنها بعثت إلي بـ رد قاسي جدا جعلني أزم شفتي ..وأدخن صمتي وغضبي ..!

أصل لأسوأ حالاتي عندما يريد أحد أن يجبرني على فعل شيء لا أريده ..حتى لو كان صحيحا ..حينها أفتش عن كل أخطاء الكون لأفعلها بعناد كبير …كطفلة عنيدة يرغمها أبواها على الذهاب إلى المدرسة فتمرغ نفسها على الأرض وتبكي بشدة فيحملاها رغما عنها إلى حيث يريدان ..هذا ما يفعله أبواى معي تماما الآن ..يريدان اجباري على سلك طريق اعرف أنه صحيح جدا والخير به كثير ..لأنني ساخطو على الورد ..ستدنو مني القطوف .. وسأنال الرضا ..وأنا أصر على طريقي الملتوي والمتشابك والخاطىء ..وإن كنت حتى سأبتعد وأتوه ..فأنا أريد أن أسير وحدي ..وأصل وحدي ..لأنني لا أملك في العالم سوى حريتي ..وإن تخليت عنها _لن أدعي أنني سأموت _..لكنني سأصمت وأنزوي ويبهت وجهي كجدار ..قلت في رسالة قريبة : “أفضل أحيانا أن أفقد كل شيء ..كي لا يملكني أي شيء ..عن حريتي أدافع ..عن فقري أدافع ..عن دفاعي أدافع” .!

 الجملة الرئيسية في مقدمة مدونتي السابقة كانت :”يوميات فتاة ريفية حرّة!” …وهنا أنا أرقص على حافة السكين ..ومهما حدث لن أسمح بأن أكون حصى رتيبة ساكنة في قاع نهر راكد وسأظل أردد ما حييت بأنني لست أميرة في قصر ثلجي ..أنا صعلوكة في براري حريتي..

كي أعود يوما لأنظر في المرآة …فأعرف وجهي !

.

أعلمى فقط أن ما يحرك الكون ليس السعى وراء اللذة , بل التخلى عن  كل ما هو جوهرى . ألا يذهب الجندى الى الحرب ليقتل العدو ؟ لا , يذهب ليموت فناء بلاده . ألا تحب المرأة أن تعبر لزوجها عن الحد الذى تشعر معه بالرضى والاكتفاء ؟ لا , تريد أن يرى الى أى حد تتفانى ونتعذب لكى يكون سعيدآ . الا يذهب الزوج الى العمل وهو يسعى لأن يحقق تألقه الشخصى ؟ لا , يبذل عرقه ودموعه من أجل عائلته , وهكذا دواليك . يتخلى الأولاد عن أحلامهم لكى يدخلوا السرور الى قلوب أهاليهم . ويتخلى الأهل عن الحياة ليدخلوا السرور الى قلوب اولادهم . ويصبح الألم والعذاب الدليل على ذلك الشئ . الذى يفترض به الا يؤذى الا الى الفرح , وهو الحب .

باولو كويليو

UZg23146

ما قيمة المواعيد لفتاة مثلي تخلق الصدف !

ds

فتنة سحرتني لثلاثة أيام متواصلة … مأفعله الآن أنني أحاول فك السحر ..وأعجز ..أنا مسحورة تماما !

بقبلتين سريعتين على وجه أمي وضمة ابتدأ مشوار عمره ثلاثة أيام إلى الأسكندرية… انعقدت سيارتنا في حبل السيارات الطويل الممدود بين بداية الطريق وآخره.. كنت منتشية جدا ولا أتوقف عن الغناء ..كأنني شربت كأس وحيد أنتشي به ولا يسكرني من محل “drinks” الذي افتتح مؤخرا مجاورا لمنزلنا هناك ..وانتبهت إليه بدهشة كبيرة جعلتني أتسمر في مكاني أمام الواجهة الزجاجية التي تعطي ضي أخضر ..كل ما في المحل أخضر ..بدءا من يافطته وزجاج واجهته حتى لون الجدران والثلاجات والزجاجات داخلها ..وقفت وأنا أحاول أن أكتشف فقط إذا كان البائع هو الرجل الأخضر في فيلم ” the incredible hulk“..لم أعرف لأن أبي جذبني من ذراعي وهو يضحك على حملقتي ويقول “عادي!” ..لكنه لم يكن عادي لأنني الفتاة الريفية التي لا تعتاد على رؤية هذه الأشياء فما بالها بمحل أخضر مجاور لها ..لماذا أخضر؟ ..كنت أحب اللون الأخضر ..مشيت من مكاني وأنا أفكر أن كل من يخطو داخل هذا المحل سيتحول لضفدعة خضراء  ..ولن يقارب ترعة أو زرع … ما أتعس ضفدعة تمضي وحيدة على الأسفلت في مدينة !

أما عني فكنت أمضي وأنا أكاد أجن ..لأنني أنظر لكل الوجوه ..أعرفها ..أعرفها جميعا ..وأستطيع أن أقول هذا فلان ..وهذه فلانة ..وأعود لأصحح هذا يشبه فلان وهذه تشبه فلانة ..هل سأكون مبالغة لو قلت أنني قابلت كل الوجوه التي أعرفها ..أشعر أن هذا ما حدث فعلا ..حتى صرت أتفادى النظر إلى أى وجه كي لا تنفجر رأسي بالحيرة ..الأغرب ..أن وجوه أخرى كانت تنظر في وجهي أيضا .. وجوه لم أتعرف عليها ولم أنظر إليها..كانت تمضي أمامي ثم تعود لتلتفت ..ربما أكون معتادة على نظرات البعض في الشارع ..لكن ليس بهذه الطريقة .. وهذا الشكل ..الأمر تعدى كل الحدود ..ثمة خطأ ما.. ورغم أنني حاولت أن أتجاوزه كشيء عابر..كوجوه عابرة ..إلا أنني لم أستطع اخراجه من رأسي حتى الآن ..المهم أنني تكيفت مع الوضع ..وحاولت الاستمتاع بكل لحظة ..لأنها أجازة قصيرة ..أجازة من التفكير و وجع الرأس والتحديق في الشاشة والمكالمات الهاتفية والنوم والجلوس على ملل.. فألقيت بهاتفي النقال لأبعد مكان في المنزل ..وجاهدت لأجعل رأسي خالية تماما كـ شقة هجرها أصحابها وأخذوا معهم كل شيء.. توجهت مع أختي لـ جرين بلازا .. قطعنا تذاكر السينيما بعد أن أخترت فيلم ” final destination 4” ودخلنا بزجاجة ماء وفشار .. لقطات اعلانية عن فيلم كوميدي سينزل قريبا .. الأمور هادئة تماما ..حتى بدأ الفيلم .. الفيلم مرعب جدا ..و أنا أفضل الأفلام الكوميدية أو الدرامية في السينما ..شعور أنني أتشارك الضحك أو الألم مع عدد كبير من الناس يسعدني و يريحني جدا ..لكن أن أشاركهم الخوف في عتمة قاعة وأصوات الرعب تخرج من كل مكان بدءا من السماعات في الجدران كلها ..حتى الصراخ من فمي فهذا مالا أحتمله ..أختي تتوعدني بالقتل فور أن نخرج .. وأنا أدفن وجهي في كفي ولا أنظر ..والأصوات كفيلة بأن يجف الدم كله في عروقي ..وأنشف..بجواري شاب وفتاة يخافان معا..وأنا خائفة وحدي ! قلت لنفسي : لا يهم ..هذا أفضل !..وانتهى الفيلم الذي بدأ بعبارة ” الحياة عذاب وبعدها الموت .  أية أسئلة ؟” انتهى بموت كل أبطال الفيلم ..والمشاهدين الذين ماتوا رعبا … خرجت وأنا أفكر : لم يبق أحد ! وتذكرت “بوست” كتبته من عام وأطلقت عليه :”سأكون وحشا ..وسيخشاني ذوي القلوب!” …كنت كتبت :

” لن أشاهد أفلام رعب ثانية ..ولو توقفت حياتي على ذلك!”…من أسبوع قلت هذا لنفسي بحزم بعد تلك الخيالات والصور والأفكار التي عبثت برأسي عندما صعدت مع صديقتين للدور الأخير في صيدلة..كان الهدوء يخيم على المكان..لا أحد به سوانا…ومصدر الضوء الوحيد شباك زجاجه من النوع المعتم.. يحافظ على شحوب المكان أكثر من نفاذيته للضوء..السلم عريض بسيراميك أسود لامع …وينتهي عند باب ما وراءه مظلم..يصدر منه أصوات عالية لماكينات لا ندري كنهها ..للحظات ابتلعنا ريقنا بصعوبة خصوصا وأني كنت قد شاهدت في الليلة السابقة فيلم رعب أحداثه كانت لا تزال تطاردني..كان منظر الوحش وهو يقتلع عيني البطل لم يفارق رأسي بعد..شعرت في هدوء هذا المكان بالهدوء الذي يسبق انقضاض الوحش على فريسة يشم بها رائحة شيء يعجبه كـ قلب أو رئة أو حنجرة أو عين أو أي جزء آخر..ظننت أن مقبض الباب سيدور في أي لحظة..ويتحرك الباب بأزيز سيجعلني أحك أذني …وينقض علينا فجأة كائن غريب .. سيشبه طيور الظلام .. نصف خفاش ..ونصف انسان ..بجلد محروق..ربما نكتشف فيما بعد أنه طالب مات في حريق أصاب الجامعة في فترة الستينيات بعدما نجا الجميع بأنفسهم دون محاولة انقاذه..فنهشت الخفافيش جثته..لكنه نهض لينتقم من الجميع في ذكرى هذا الحريق والذي وافق ذلك اليوم الذي صعدنا فيه لهذا المكان..فكرت أن  احدى صديقاتي ستقتلها الصدمة قبل حتى أن يفكر الوحش في لمسها..والأخرى ستنظر له بتحدِ .. قبل أن يأكل نظراتها أولا ..ثم يلتهم ما يتبقى منها بتروي…أما أنا فسيقبلني عنوة..ثم يلتهم قلبي .وبعد لحظات من تلك القبلة سأتحول إلى أنثى الوحش التي ستتغذى على القلوب فقط فيما بعد..باحثة عن قلبها في صدر أحدهم..أو على الأقل قلب يشبهه…لكنها لن تجد!….لعنت رأسي في هذه اللحظة..ونظرت لصديقتي اللتين كانا قد انهمكا في الحديث..أتذكر هذا كله الآن لسبب بسيط جدا…وهو أن ابن عمي من ساعة كان يحدثني عن فيلم الرعب الجديد “mirror”  الذي دخله من يومين في السينيما..وقررت أن أشاهده بعدما حكى لي عن حجم الرعب الذي سيطرعلى كل من شاهده…وعن مقاطعتهم نهائيا لكل أفلام الرعب فيما بعد…ولو توقفت حياتهم على ذلك!”

نفضت كل أفكار الرعب من رأسي كأنها غبار .. وذهبت مع أختي لتناول الغداء ..ثم جلسنا إلى مقهى نتجاذب أطراف الحديث والضحك ..و أنا أشدهما إلى ناحيتي بقوة ..لتقع ضحكاتها وثرثرتها على الأرض ..وأضحك أنا أكثر..التنزه بصحبة رفقة ممتعة لأنه يكون بإمكانك حينها أن تكون مجنونا دون خجل ..أما حين تتمشى وحيدا فكل ما يمكنك فعله أن تضع يديك في جيوبك وفي قلبك أغنية تشبه ” إيديا في جيوبي وقلبي طرب … ماشي في غربة بس مش مغترب .. وحدى لكن ونسان وماشي كدا ..ببتعد معرفش أو بقترب !” …هذا ما أحسسته حين خرجت وحدي .. لم أستطع أن أتجنب التفكير والكتابة وفي الهواء ..أصابعي تتحرك رغما عني كأنها تنقر الكي بورد .. والعبارات تتناسل في رأسي كالقطط وتضيع .. حينها فكرت: ماذا لو كنت أستطيع أن أثبت كي بورد إلى وسطي وأمشي وأنا أكتب ..:هل سأبدو مضحكة جدا ؟ حين وصلت لهذه النقطة شبكّت أصابعي معا لأوقفها عن النقر في الهواء ..وعدت سريعا إلى المنزل.!

_لم أنتهي ..أشياء كثيرة أود أن أحكيها ..لكنني مرهقة .. ربما يتبع!_ ما يهم أننا عقدنا سيارتنا مرة أخرى في حبال السيارات الممدود بين أول الطريق وآخره ..ورجعنا ..وانتهى المشوار بقبلتين على وجه أمي .. وضمة !

165848340_5f56b2f1c0

كانت يد رهيبة تقبض على قلبي وتعصره حتى سال الدم كله..لا أتألم ..لكنني أشعر أن قلبي مجعد كقميص خرج من الغسالة للتو ويفكر في المشابك التي ستقرصه بعد قليل وفي صفعات الهواء الباردة جدا بعد حمام ساخن ..يتهيأ لنزلة برد لن تغادره سريعا … ويعطس .!..اليد تزيد من قبضتها وقلبي ينعصر أكثر..ويسقط الماء من عيني ..لم أكن مضطرة لأن أضحك .. لكنني ضحكت بصوت عالى رغم البلل في عيني وصديقي يحكي عن شجاره اليومي ويقلدني وأنا “بايخة جدا” ..يسألني عن سبب ضيقي ..ويقول أن هناك نوعين من الضيق ..نوع إيجابي حين يأتي شخص ما أو شيء ما ويضايقك ..ونوع سلبي حين لا شخص يأتي ولا شيء ليسعدك أو حتى يضايقك ..أخبره أن ضيقي ينتمي للنوع الثاني ..كإجابة سريعة لم أفكر في صدقها ..لكنني أعرف أنها حتى لو كانت كاذبة ..فأنا لم اتعمد الكذب ..وهذا يريحني ..أسأل أحمد عن أكثر مكان يحبه في مصر ..يقول الأسكندرية ..وإجابة مضحكه أخرى ..ويلحقها بـ “هع” ..وأخبره أنني أحب الحسين ..وأرغب بزيارته حالا..تتحول لهجته إلى لهجه جدية ..لا أراها ..لكنني أتخيل أن ضحكته تلاشت ببطء ..وأضاءت النجوم في عينيه وهو يسألني ” زرتي الكعبة قبل كده يا دعاء؟” ..أنفي ..فيقول أن الراحة الأكبر في النظر إليها ..يضع في سلة أمنياتي أمنية جديدة ستبارك حياتي الآتية ..ويتحدث عن رغبته الشديدة في زيارتها..لولا الوباء المنتشر ..كان يتكلم بحب وشوق كبير إليها ..كنت متأكده انه يرى الكعبة أمامه في هذه اللحظة ..وكنت أشعر بالخجل من تخيلها ..ونطقت في نهاية كلامه ” آه” ..كتصديق عليه ..أو كـ نقطة ..لأنني حين أخبرته أنني أحب الحسين لم أكن أقصد “مسجد الحسين” كما فهم هو ..وإنما كنت اعني مقاهي الحسين ..ومحلات الفضة والخزف والتماثيل الصغيرة ..ورائحة البخور التي تمتصها خلاياي فأشعر أنني جمرة منفعلة أشعلتها عجوز طيبة برداء أبيض فضفاض ورشت البخور عليها في صباح الجمعة ..أفكر في “قهوة الفيشاوي” ..وأتذكر زيارتي الأخيرة إليها ..وجلوسي أنا والأصدقاء إلى طاولة نثرثر ونضحك..ونستمتع برائحة الهيل التي تفوح من فناجيل القهوة ..في الزاوية رجل يعزف على عوده بحنين شديد ..لحنه يمزقني ويبعثرني ثم يعيد جمعي على مهل ..راقبته حتى انتهى ..وتفاجأت به وهو يرفع رأسه المائلة إليّ ويبتسم للدمعة في عيني .. حينها اكتشفت أنني بإمكاني أن أعشق رجل يبتسم لدمعتي .. واستغربت جدا لحكاية صديقتي التي كرهت حبيبها ..لأنه ابتسم وهي تسكب دموعها في كفه ..وعرفت فيما بعد أن الفتيات يفضلن رجل يلتزم الحزن حين يبكين أمامه ..وأنا أريد رجل يشرب حزني ويضحك ..!

اليد تخفف من قبضتها الآن وقلبي الضيق كـ نقطة..يتسع ويكبر كـ بالونة عيد ينفخها طفل ويلهو !

لحن .. ودمعة .. وابتسامة !

6226939-md

عيد … سعيد جدا !

01245688619

لست مصدومة … رغم أنني أظن الخير في كل من حولي ..إلا أنني أتوقع الشر كله بهم أيضا ..أعني أنه إذا صدر منهم ..فلن أشعر بالخذلان ..ولو كنت فيما مضى أردد :

أن يخذلك أحدهم أشبه بمن يخبرك أن الحديقة التي تنبت فيها الدمي تقع أعلى الجبل فيأخذك إليها ..وهناك يدفعك إلى الهاوية ..بعد أن تكتشف أن الحجارة الصارمة منتشرة في تلك البقعة العالية حيث كنت تعتقد أن هناك الفردوس يضحك

لم أعد أرددها …لأنني في صعودي الجبل معهم صرت أفكر فقط في الحجارة الحادة ..وأفكر في حجم الألم الذي سينفجر في جسدي حين تخترقني من جهه وتنفذ من الجهة الأخرى .. لهذا لست مصدومة .. ما يشغلني فقط _وما عاد يدهشني_..أنني في كل مرة أوشك على فعل شيء جيد لأحدهم …يبادرني بشيء سيء للغاية ..أجهل معه كيف أسامحه!

قلبي يظلم كسماء هجرتها الشمس والنجوم ..

6172282-lg

قبل المغرب كل يوم بساعتين تقريبا أخرج أنا وأبي ليعملني القيادة .. لأن أختي ستتزوج ..وسآخذ سيارتها _أو ما سيتبقى منها بعد أن أنهي تعليمي عليها_ …امممم  ..الوضع ليس بهذا السوء حقا ..ربما فقط ستكون كما يقول “سلطان” في ” العيال كبرت” : “هي كل حتة فيها سليمة … بس لوحدها!”..الحقيقة أن أبي يربكني كثيرا ..لأنه يتوتر .. والكرسي المجاور لي هو في الحقيقة أعصابه التى يجلس عليها ..أتعلم على طرق زراعية تربط المراكز الصغيرة والقرى ببعضها ..ونادرا ما أخطو فوق “طريق سريع” ..وإن فعلت يكون لمسافة قصيرة جدا.. الأسفلت يحوى “نقر” كثيرة ..وأحيانا “طوب صغير” أو ” كسر” .أحاول أن أتفاديه أغلب الأحيان ..وأنحرف لهذا ..وأبي يثور لانحرافي ..ويصرخ في :” أنا عاوزك تكسريها ..كسّريها ” ..وإذا لم أحاول تفاديها والانحراف قليلا  أجده يصيح مع رجة السيارة :”إنتى هتكسّريها ؟؟!!” ..أريد أن أضحك ..والضحك ليس مناسبا أبدا في هذه الحالة ..لأنه متوتر ..وبرودي سيثير غضبه أكثر …أزم شفتي وأكتم ضحكتي ثم أنطق ” حاضر يا بابا ..هاخد بالي المرة الجاية ” ..هذه الجملة تريحه كثيرا ..وأنا أنطقها دون أن أعرف ما يتوجب عليّ عمله حقا في المرة القادمة .. لكن بعيدا عن القيادة أنا سعيدة لسبب آخر ..لأنني صرت أمضي الكثير من الوقت بصحبة أبي ..وهذا الوقت ليس بالطبع كله أخطاء وتوتر وصياح وحوادث وشيكة ..لكننا نتحدث كثيرا ونمزح ونضحك ..ومع أول ضحكة تنطلق كل ضحكاتي التي سبق وكتمتها من أعشاشها ..وتطير عاليا كفراشات الحقول التي تشي لكل الفلاحين بسعادتي ..وكنت بهذه السعادة أمس لأنني استطعت أن أطلق أول “شتيمة” تجاه سائق عابر كاد أن يصدمني من الخلف ..ولأنها أول مرة لا يكون الخطأ فيها خطئي ..كنت “أشتمه” بسعادة بالغة ..وأبي بجواري يضحك على غضبي المصطنع ..و يدعي أمام السائق أنه يحاول تهدأتي ..لكننا انفجرنا معا في الضحك فور أن تجاوزنا السائق …وانشغلت بالموقف حتى كدت أن أصدم سيارة أمامي ..ليشيط أبي تماما وهو يصرخ ” حاسبي” …حينها اصطنعت دمعة ..وكتمت ضحكة كانت تصر أن تغادر العش … وحاسبت !

chajarasadjida

أمام اليمين من منزلنا يوجد “مسجد” ..والمسجد يجاور “الجنينة” تماما ..و”الجنينة” مسوّرة بأشجار عالية تلاصق بعضها بعضا وتعمل كمصدات للرياح ولنظرات الفضوليين .. هذا المشهد ليس جديدا علىّ لأنني أراه منذ أن فتحت عيني ..لكنني لأول مرة أكتشف أن الأشجار الملاصقة للمسجد تنحني عليه بخشوع مهيب ..وما أثارني أن انحنائها هذا في اتجاه القبلة تماما .. كأنها راكعة أو ساجدة ..أو تصلي صلاة لا انتهاء لها ..!

لا أفعل أي شيء طوال الليل سوى أني أحدق بها ..وأنطق :”سبحان الله” بانبهار شديد … وبعد صلاة الفجر ..توجهت لمصحفي لأقرأ وردي اليومي ..وعجزت عن النطق حين وجدتني أتلو “والنجم والشجر يسجدان”..هذه الآية التي قرأتها مئات المرات ولم أتوقف عندها يوما ..!

أن أتلو هذه الآية بالذات ..بعد هذه الليلة بالذات …فهذه مصادفة ربانية هائلة تكفي لأن أردد ” سبحان الله !” إلى مالانهاية!

happiness2

يبدو أنني أتخيل .. لأنني لم أنم من أول أمس ..وبإمكان الأشياء أن تتشكل كما أريد في هذه الحالة .. لا أصدق أن العبارة التى قرأتها كانت حقيقية .. ولن يصدق أحد أنني غسلت وجهى بماء بارد جدا حال أن رأيتها لأتأكد أنني لا أتوهمها ..أقسم أنني فعلت .. وما فعله الماء كان مذهلا في هذه اللحظة .. لأنه نجح في اخماد بركان “أتينا” ..الذي أفشل في اخماده منذ الأمس وتضاءلت الثورة والحمم والدخان الكثير إلى خجل في وجهي واحمرار لم يبهت حتى الآن ..!

أن يأتي شخص بمكانة وروعة “د. سامح غازي” ..ليخبرني ..أن ما أكتبه جميل ..فهذا شيء لا يسعدني فقط .. وإنما يجعلني أود لو سألني شخص فيما بعد سؤال يشبه “من أنتي؟” أن أجيب : “أنا دعاء التي أخبرها دكتور سامح أن ما تكتبه جميل “! .. قامتي تطول الآن .. ويدي تلامس السماء لأشكّل بالنجوم  كلمة : “شكرا”

*بامكاني أن ألغي السفر الذي نويته هذا النهار .. لأنني أطفأت البركان دون الحاجة لـ بحر !


6673791-md

في نصف الورقة كتبت ” لا إله إلا الله”

نصفها الآخر أبيض..و لا أحد يكتب ” محمد رسول الله”

كي أتبادل خطي وخطّه كـ سر صغير في السلسلة الذهبية القصيرة !

غيـــــــــــــاب …. عن لا أحد !

3186862-md

في قلبي ينبت بركان و على يدي الجمر يحمّر !

أشعر أنني جهنم

أطفئني يا الله !

6257472-md

أجلس بوجوم أمام الشاشة ..لا أفعل شيء محدد .. أراقب الأصدقاء على “الفيس بوك” ..هناك من يلعب ..وهناك من يتسلى باختبارات هذا الموقع التي لا تنتهي أشعر أنه حقل تنجيم أو بيت عرّافة تجهل شكل الخطوط في الكف …ومكان الودع على الرمل…ولا تفرق بقايا القهوة من بقايا الشاي ..دائما ما نظرت لهذه الاختبارات بامتعاض ولوي شفة ..ربما تكون مسلية لكثيرين لكنها لا تسليني أبدا ..أما عن بيت العرّافة الذي اهتديت لسبيله مرة واحدة حرصت بعدها أن أضل السبيل..لأنها كانت صادقة جدا حين  أعطيتها قلبي لتقرأه ..فأخبرتني أنه سيء جدا ..ومليء بالثقوب السوداء التي تبتلع النجوم والضوء ..نطقت دون اهتمام “I know..” ..وخرجت من عندها وأنا أصفّر ..أضع يدي في جيوبي وقلبي يضحك ساخرا ..و ينشر الخبر القديم ..!

أنا أكتب شيء ..وأفكر في شيء آخر..أفكر في افراغ قائمة الأصدقاء في الماسنجر..على الأقل تقليلها إلى ثلاثة أشخاص على الأكثر ..سأختارهم بعناية شديدة ..لأنني ضجرة جدا ..وأركل كل الاضافات بقدمي ..لا أتحدث مع أحد..وإن تحدثت يكون بفارغ صبر وكلماتي تقتصر على “آه” ..”اوكي” ..”باى”..وأتمنى أن أقول في كل كلمة ” اسكت بقا..اسكت” ..وأتساءل لم يحتملونني ومعاملتى تنطق بكل ما أود أن أقوله..لو كنت مكانهم ..لطردتني وصفقت الباب في وجهي ..أحاديثهم بلا معنى ..هذا يتملق ..وهذه كل ما يشغل بالها لون طلاء أظافرها القادم ..وهذا يغضبني ..لأنه  يريد أن يأخذ كل شيء من كل ما حوله ..ويرفض اعطائهم أى شيء بالمقابل..يستكثر حتى “الكلمة الحلوة” عليهم ..أزمة معرفة  كل شخص لحقوقه جيدا ..ونكرانه لكل حقوق الغير…حانقة عليهم جميعا ولا أعرف لماذا أُبقي عليهم ..ففي النهاية انا لا يربطني بهم أي شيء …سأحذفهم جميعا بمجرد ان أنتهي من الكتابة ..كذاك الذي ضغطت على زر”delete” في منتصف جملته لأنني لم أحتمله حتى نهايتها…وتلك التي سألتنى “أنا ليه بيتهيألى إنك بتتكلمي غصب عنك”..فأعطيتها مثالا عظيما عن حريتي …أستطيع أن أحذف كل شيء في حياتي الآن..وأجلس بفراغ رهيب ..لا أفعل شيء محدد….فقط أصفر !

kandersteg_sunrise-1

هذه الليلة كانت روحانيتها كثيفة ..لأنني حلقت طويلا في سماء الله ..رغم أن جبهتي كانت تلامس الأرض  وحين رفعتها شعرت بالدماء تنبض فيها والرؤية تهتز لثوانِ .. وانتظرت الشروق بأمل أنني حين أرى الشمس سأجزم أنها كانت ليلة القدر ..واستيقظت هي بتثاؤب.. تتمطى.. وتفرك عينيها ..لونها برتقالي ..وأنا توقعت “أبيض” ..على الرغم أنها كانت بلا أشعة ..واحترت ..لأنني في كل ليلة فردية لا أستطيع أن أجزم أو حتى أنفي …لأنها حتى الآن شمس كل يوم ..وأنا أنتظر شمسا أخرى رأيتها العام الفائت ..شمس أول ما نظرت إليها نطقت بيقين:”كانت ليلة القدر !”..كانت مستديرة وبيضاء كـ بدر  وبلا أشعة..نورها لا يشبه أي نور سبق ان رأيته ..يقع على الأشياء فتضيء ..وتشِف….كنت أقلِّب يدي في النور ..وأستطيع أن أرى العروق والأعصاب والأنسجة والعظم و ضوء ينبعث منها .. ..كانت الأرض كلها تضيء وربما السماء التى كانت تفعل ..لم أعرف أبدا …أعرف أنني رددت حينها :” الله نور السموات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة الزجاجة كأنها كوكب دريٌّ يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء ويضرب الله الأمثال للناس والله بكل شيء عليم”

تبقى ليلتان ,,,, وشمس !

6169092-md

أعترف ..!

أنا أكتب عن الأشياء أحيانا لأزيدها فتنة ..وربما أتجاوز هذا بأن أجعل من الأشياء التي بإمكانها أن تبكيني كلمات أستطيع أن أضحك لو قرأتها ..أو على الأقل أبتسم ..أكون الأميرة التي تقبل الضفدع فيغدو أميرا ..والفتاة التي تصعد بالواقع الشقي إلى نجمة الحلم ..ولكن ماذا أفعل لو كانت الأشياء فاتنة حقا ..والأمراء أمراء حقا .. والواقع يقع على نجمة حقا ..في هذا الوضع أنا أخشى لو كتبت أن أقلّل من فتنتها ..ولو قبلت الأمير أن أغدو أنا الضفدعة ولو  لمست النجمة أن تهوي بي من نجفة السماء إلى سجادة الأرض…..أخاف لو وصفت فقصرت..

أمس كان يوما فاتنا حقا ..13-9 ..عيد ميلاد صديقتي “القمورة” ..كما نسميها ..لهذه المناسبة ..تقابلت أنا وهي وكل الأصدقاء …غنيت لها..”قمورتي الحلوة بأت طعمة بأت طعمة ولها سحر كبير …لها خفة روح لما بتضحك بتروح لبعيد..”…قمورتى تضع عقد الياسمين الذي صنعته لأجلها تاج على رأسها ..وأنا ألقبها بملكة الزهور…أتأملها وتبدو جميلة جدا في هذه اللحظة أكثر من أي وقت مضى ..أحسدني لأنها صديقتي وأبتسم ….فطرنا معا ….كنا نأكل ضحكاتنا بنهم شديد ..ونشرب الكولا  ..كأننا جائعين ضحك وغناء وثرثرة وجنون لا أكثر..خرجت من المطعم وعصافير بطني التى كانت جائعة جدا ولا تتوقف عن “الصوصوة” وتزعجني .. أكاد أن أراها مقلوبة على ظهرها ..ويغشى عليها من الضحك وهي تغني أغنية كوميدية جدا تشبه

oh ,I’m funny bird…yes I’m a funny bird

oh’ I’m a yummy , tummy ,funny, lucky , funny bird

i’m a jelly bird .. cause I’m a funny bird

oh I’m a moving , grooving , jamming , singing , funny bird

funny , funny , funny , funny , funny bird

ba ba be do be do be yum yum

ba ba be do be do be yum yum

ba ba be do be do be yum yum

funny funny funny funny funny bird

تمشيّنا لأكثر من ثلاث ساعات ولم اعرف أنهم ثلاث ساعات إلا حين هاتفتنى أمي لأعود لأنني تأخرت ..وندمت لأنني نسيت أن أرجو الوقت ألا يمضي سريعا ..لكنني لم أشعر به يمضي ..كنا مشغولين بوضع خطط مجنونة للعام الدراسي القادم ..وبإحصاء المغامرات التي لم نفعلها طوال الأربع سنين الماضية لنفعلها هذا العام ..كنا مشغولين بأحاديث كثيرة كثيرة ..في كل شيء ..وأي شيء !

عدت المنزل وكان أكثر حدث أحبه على الاطلاق في مثل هذه الأيام بانتظاري …اليوم ..هو يوم “الكحك” ..لأن كل ما تبقى على عيد “الكحك” خمسة أيام فقط !…دائما ما كرهت هؤلاء الذين يأتون بـ “الكحك” من محل الحلويات دون أي عناء ..أعتذر ..أقصد دون أي “متعة” ..لأنني أجد المتعة فيه تكمن فقط في صناعته ..المتعة في تجمعنا جميعا حول العجين وكل واحد يتفنن في نقش”كحكته” بشكل جديد لا يشبه نقش الآخر ..ونتبارى في النقشة الأجمل ..المتعة في انتظار أول “كحكة” تخرج من الفرن والشجار على من يتذوقها أولا وكلنا يهتف في نفس واحد :”جميييييييييييل يا ماما” ..مهما كان طعمه !

قسّمنا المهام …أمي تتابع الفرن ..أسماء وشيماء ..ينقشون “الكحك” ..أنا وأبي نصنع البسكويت ..أبي يدير الماكينة ..وأنا أقطعه وأنقله ..ومحمد يأخذ الجاهز ويناوله لأمي لتضعه في الفرن …نجلس جميعا في الصالة ..عدا أمي … شاهدنا “ابن الأرندلي و “حرمت يا بابا” ونحن نطلق التعليقات والضحك ..ونستمتع بمشاهدة التلفزيون في ” اللمة” … نقضم البسكويت والفرح و ….

واااااااااو …عصافير بطني ..لازلت تغني!

ba ba be do be do be yum yum

ba ba be do be do be yum yum

6489417-lg

حين علقّت “فجر” على مدونتي قائلة :”واضح جدا تحررك من أي قواعد للكتابة ..وهذا أكثر شيء عجبني !”

لم تعرف أننى طوال اليوم وأنا أجلس أمام الشاشة ألف خصلات شعري حول اصبعي حينا ..وأفرك جبهتي حينا وأنا أحاول بكل الطرق أن أكتب نص ملتزما بقواعد الكتابة !..حتى أُحبطت في النهاية ..وأنا أردد ..”ليس بإمكاني أن أفعل” ..تضايقت جدا وشعرت أنني أعجز عن كتابة شيء حقيقي يندرج تحت بند “كتابة بأصول” ..كنت أنوى أن أشترك بمسابقة أدبية واخترت مسابقة القصة القصيرة..ورغم أنني أحلم بكتابة رواية إلا أنني تجنبتها لأنني لم أحبل بأبطالها بعد .رغم أن الرواية مشروع مريح أكثر لأنه سيكون بإمكانى حينها أن أتحدث وأسرد وأنا أشعر أنى أقف على حافة الفضاء ومجال تضمين الأفكار متسع بلا نهاية لكننى خفت أن أتوه ..وألا أصل ..وهكذا لجأت للقصة القصيرة ..والمطلوب مجموعة قصصية لا تقل عن 12 قصة ..تصفحت النت أبحث عن شروط كتابة القصة القصيرة وقواعدها ..ووجدت الأمر سهل جدا ..مكان وزمان ووصف للشخصية .. وعقدة وحل أو كما يطلق عليه لحظة التنوير في القصة..أعجبني الكاتب الانجليزي “ويلز” وهو يقول في وصفها :”لا يهم أن تكون خفيفة أو دسمة ..انسانية أو غير انسانية..زاخرة بالأفكار التي تجعلك تفكر تفكيرا عميقا بعد قراءتها..أو سطحية تُنسى بعد لحظات من قراءتها المهم أن تربط القارىء لمدة تتراوح بين دقيقة وخمسين دقيقة ..ربطا يثير فيه الشعور بالمتعة والرضى” ..تهيأت ..وفتحت صفحة بيضاء ..كتبت:

“غرفة مطلية بالبحر ..والسماء معلقة سقفا ,,يتدلى منها قطن أبيض بشكل سحاب..تعيش بها منذ نعومة أحلامها ..منذ أن صدقت ذات نهار صيفي أنها سمكة !”

وتوقفت لأنني اكتشفت أنني لا أستطيع أن أكتب قصة قصيرة لا علاقة لها بي ..وإن كنت أريد أن أكتب قصة بعنوان :”صرصور الحقل والصفارة في حلقه!”..أو أن أكتب عن عجوز ..تعبر حياته أمامه لحظة عبوره للشارع ..أوعن اثنين مراهقين يمارسان جنونهما أعلى التلة.. أو عن شجرة تعبت من وقوفها وتحلم بأن يأتى يوم وتستريح ..كنت أريد أن أختفي  ..وأن أكتب ما لا يمت لي بصلة ..أن أتحرر من دوراني في فلك دعاء ..لأن تحرري من قواعد الكتابة لا يعنى أنني حرة تماما ..أنا مسجونة في فضاء ذاتي ..وأحلم فقط لو أنني عاكست الجاذبية وانفلت من مداري إلى سماء الله ..فأكون أنا أنا …ولا أنتمي لـ أنا ..أراقب العالم وأراقبني وأرى الأشياء بعين لا تخصني ..والرؤية تتضح أكثر ..وعجزت أن أفعل ..لأنني لا يمكنني أن أحكي شيء لا أشعر به ..أنا أستطيع أن أكتب أشياء كثيرة عني قد تكون حقيقية ..وقد أتخيلها ..المهم أنني أصدقها ..أستطيع أن أكتب 12 قصة قصيرة عن دعاء ..ولا يمكنني أن أكتب قصة واحدة عن عجوز أو شجرة أو صرصور ..قبل أن تسحرني الجنية لأحدهم ….أوووه ..أنا في ورطة !..كل هذا ياربي من أجل قصة قصيرة .. !

من لحظات أنهيت حيرتي بأنني لغيت فكرة المسابقة ..وتكفيني يومياتي ..وهممت بأن أغلق صفحة الـword هذه .. ولكن شيء ما داخلى رفض أن أضغط على “x” رفض أن أن أخرج من ورطتي بالهروب منها ..رفض أن أنحني أمام قصة قصيرة رفضت أن تأتي وأنهزم ..لن أضغط على “x” وسأكتب أي شيء ليس مهما خفيف أو دسم ..انساني أو غير انساني ..عميق أو سطحي …سأكتب قصة قصيرة ..ولأن الصعوبة تكمن دائما في “قصيرة”..سأبالغ في التحدي وأكتب “قصة قصيرة جدا”:

“رغم أن الشجرة العالية في الغابة..حلمت طوال الصيف بأن تجلس وتستريح قليلا .. إلا أنه حين جاء الشتاء وانحنت كل الأعشاب والعيدان الضعيفة أمام الريح بانهزام ..شعرت الشجرة بكبريائها حين انتصرت على الريح..وصدّتها”

يا ألله ….يبدو أنني انتصرت !

789

“ربنا وتقبل دعاء”

الآية التي ينطقها لساني ..وترددها نواة كل خلية بجسدي .. وأنا أتمنى وأتمنى لو يتقبلنى الله ..بكل ما في هذه الجمله من رجاء ..ربما أنا أتخيل أشياء وأصدقها لأن منار حين جاءت اليوم لتخبرني أنها تتذكرني كلما قرأت هذه الآية ..قلت لها ..أنا أصدق يامنار أن سيدنا ابراهيم حين نطق هذا الدعاء كان يقصدني ..وإن كان هذا غير صحيحا بالمرة لكن هل ثمة خطأ بأن أؤمن أن هذا صحيح؟…هل ثمة خطأ في أن أصدق أنني من ذرية سيدنا ابراهيم “عليه السلام” وأنه رجا الله ” ومن ذريتي ..ربنا وتقبل دعاء”..لا يمكنني أن أعرف ..ولكن يكفي أنني أحتاج أن أتدثر كلما سمعتها أو قرأتها ..لأقاوم الرجفة ..!

لم أخبرك يا صديقتي أن باب غرفتي العلوية الذي تحدثت عنه من قبل ..وقلت أنني أدون كل أشيائي عليه كمدونة خاصة لا يقرأها غيري ..كتبت الآية في أعلاه بأكبر خط استطعت أن أخطّه ..وبما يكفي عرض الباب ..وإن كنت لم أتمكن من كتابتها بحجمها الصحيح كما هي في قلبي ..لأن قلبي بحجم قبضة العالم ..ووجدت أنني أحتاج لباب عرضه السماوات والأرض كي يكفي !

هذه اللحظة كم أحتاج لأن أسمع صوتا يردد :

“فتقبلها ربها بقبول حسن”


(والشُّعراءُ يَتَّبِعُهُمُ الغَاوُونَ . ألَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ . وأَنَّهُمْ يَقولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ)

الله*

pd_cough_syrup_070816_ms

اليوم الخامس والعشرون ..والسعال يأبى أن يفارقني ..كضيف ثقيل لا يهمه تثاؤب أهل الدار وتململهم أمامه ..لا أعاني من أى أعراض أخرى …فقط سعال لا تخف حدته مع الوقت وصوت بهت بسببه ..كقميص بهتت ألوان لكثرة غسيله …

لحظة لأسعل…..

جهازي التنفسي معطوب..أحاول فكه كل يوم ..وتصليحه ..المسامير تتناثر على الأرض ..وتضيع …طعم المفك في فمي لاذع ويشبه الصدأ..وكل مرة أعجز عن ربطه بالطريقة الصحيحة ..وأجهل لماذا لا يمكنني لملمة واعادة ترتيب كل الأشياء المبعثرة حولي ..لماذا أفشل في اللحظة الأخيرة ..قبل ثوان من نطق :”أخيرا انتهيت !” و أكتشف أنني وضعت كل شيء في مكانه غير الصحيح ..وأن الأجزاء التى ضاعت مساميرها غير ثابته ..وتصدر صوتا مزعجا كصرير باب ..يلزمة التزييت ..!

هذه اللحظة ..حنجرتي هي التي يلزمها التزييت ..  لكنني وبصوتي المخروّش أستطيع أن أصرخ لضيف فرض نفسه عليّ :”زهقتني بقا ..اطلع برا” !

2840041-lg

يوم

حار

وشاق

ومرهق

ومتعب

ومجهد

ومضني

ويؤلمني كحصى في حذائي !

holiday

لـ وفاء التي بدأت أجازتها اليوم ..وتتساءل : هو يعني إيه أجازة؟؟

بعض الناس يرى أن الإجازة هي امتناع ..أى ألا يفعل المجاز ما كان يفعله في الأيام السابقة ..ينام متأخرا ..ويصحو متأخرا ..ولا يقرأ الصحف..ولا يستمع نشرات الأخبار ولا يرد على التليفون ..إنه في حالة رفض ..في حالة امتناع !

فإن كان يريحه هذا فعلا ..فهي أجازة..وإن كان عصبيا في الامتناع ..فهو لم يسترح ..وإنما المفروض أن يجعل الأشياء تقع من بين يديه..بل من عينيه وأذنيه..تماما كواحد قرر أن يخلع ملابسه ..فقرر أن يتركها لجاذبية الأرض..أى ألا يكلف نفسه مشقة أن يلقي الملابس هنا وهناك ..وإنما ترك ذلك لجاذبية الأرض..فهو لا يبذل مجهودا في جمعها أو ترتيبها …منتهي السلبية والاستسلام ..!

فالذي صناعته القراءة لا يقرأ ..والذي صناعته المذاكرة لا يذاكر ..والذي صناعته الكتابة لا يكتب ..والذي يعمل بعضلاته لا يعمل ..والذي كان يعمل بالموسيقى والغناء ..يشغل نفسه بعمل يدوي .

والناس اندهشوا عندما وجدوا الرئيس الأمريكي كارتر بعد أن ترك البيت الأبيض كان يعمل في النجارة ..أى قطع الأخشاب في الغابات ..أو صناعة المقاعد والمناضد ..ويثبت المسامير في البيت ..وهو عمل مختلف تماما عن كل الذي كان يعمله عندما كان رئيسا يطلق الطائرات والصواريخ ويتآمر على النظم السياسية المعادية.

وكان من عادة الملوك أيام زمان أن يختفوا ..أن يتواروا في ملابس مختلفة ليكونوا على حريتهم ..وليسمعوا شكاوي الناس دون أن يزيفها المستشارون ورجال الحاشية ..وفي القصص القديمة نجد الملك والأمير بين الناس يأكل ويشرب ويلهو ..ولا تتدخل الحراسة إلا عندما يتعرض للخطر ..فالتنوع والتغيير هما السعادة ..فعالم الانسان له شمس تشرق وتغرب..وقمر يكبر ويصغر..ورياح تهب ..وأمواج تعلو ..وامرأة يحبها ..وامرأة تأتي له بالأولاد ..هذه هي السعادة التى يعيشها الانسان في استقرار تام.

ولذلك كانت الأجازة أو الراحة الأسبوعية أو السنوية هي أن يغير الانسان ما كان يعمله في أيام الأسبوع أو أيام السنة .

* مقال الأستاذ أنيس منصور في جريدة الشرق الأوسط عدد 24 يوليو 2009



39828

أنـا فـتـاة تـائـهة تـبـحـث فـقـط عـن راحـة بالهـا !

أنـا فـتـاة تـائـهة تـبـحـث فـقـط عـن راحـة بالهـا !

أنـا فـتـاة تـائـهة تـبـحـث فـقـط عـن راحـة بالهـا !

أنـا فـتـاة تـائـهة تـبـحـث فـقـط عـن راحـة بالهـا !

4078319-lg

أشعر أن العالم كله تحول لرقعة شطرنج فارغة..بلا قطع سوداء وبيضاء ..فقط المربعات تتناسل إلى مالانهاية ..وأنا بها أدور حول نفسي !

في وقت فراغي ..أنا أقطع الصالة والشرفة ذهابا ومجيئا ..وسريعا ما أجلس بضجر ..أما حين تشتعل رأسي بفكرة ما فأنا أفعل هذا لساعات ..دون أن أقف أو أجلس لدقيقة واحدة ..وحين أقول ساعات ..فأنا لا أبالغ ..وإنما أعني فعلا ساعات ..حتى يسيطر القلق على امي وأجدها تتمتم لنفسها:”خير يارب”…تظن أن كل فكرة في رأسي مؤامرة في طور الشرنقة ..أو مصيبة مؤجلة حتى حين ..وهذه هي الحالة الوحيدة التى لا أخيّب ظنها في ..و الآن .._أعني هذه اللحظة تحديدا_..التي مرت فور كتابة الجملة الاعتراضية والنقطتين خلفها ..أنا لا أستطيع أن أحدد ..إن كانت رأسي مشغولة بشيء أو فارغة ..لأنني تنزهت في الصالة لفترة ..ليست طويلة أو قصيرة بما يكفي لأن أحدد ..ولأنني حين جلست ..لم أشعر بالضجر ..ولأنني لا أستطيع امساك فكرة أو مؤامرة في رأسي والتعرف على ماهيتها لأنها تخفي وجهها وتركض أمامي كـ لص هارب ..ولا أستغرب كثيرا ..فأنا مررت بحالات مشابهة كثيرا ..حدث مرة أنني جلست لأفكر لأيام في شيء لا أعرفه ..أنا أفكر ..ورأسي مشغولة حد أنني أعجز عن النوم ..وأكاد أن أجنّ ..و لا أعرف ما يشغلني ..سألت صديقة :”هل حدث يوما أن جلستي تفكري في شيء ..ولم تعرفي ما هو؟”..وضحكت عندما أجابت:” دعاء ..أنا قليلا جدا ما أفكر ..وإن حدث وفعلت ..فأنا أعرف ما أفكر به!”…حينها خبطت رأسي في الجدار عدة مرات ..كأنني أعذب الغباء به …وها هو يعود لينتقم بحالة مشابهة !

الأيام الماضية تعودت على حكايات أحمد  ..حين يتحدث عن شخصيات كثيرة ..يجيد تقليدها وتضحكني ..أسأل نفسي الآن ..لماذا لا يكون لأحمد ..مسرحا كبيرا أو صغيرا ..لا يهم معرفة الناس به ..المهم أنني كلما شعرت بالحاجة لأن أفرغ مخزون الضجر والألم بداخلي ..أقطع تذكرة ..أدفع النقود وأنا احمل الفشار ..وزجاجة الماء .وأدخل لأبدل ملابسي الخاصة ..وانخرط معه في شخوصه وحكاياته..فهو مثلي ..يحب الضحك من القلب ..تخرج الضحكات من كل مكان ..ليس فقط من قلبك أو حتى فمك ..انما تجدك تتحول في لحظة واحدة إلى كرة ملونة من صوف السعادة .. وأعرف أن أحمد مختلف عن كل الرجال ..وهو مثل باقى الرجال أيضا ..قبل أن اعرفه ..لم أكن أمتلك الوقت لأنام حتى ..كنت مشغولة بأشياء كثيرة كثيرة أعرف كنهها جيدا ..ولأنني تخليت عنها في الفترة الماضية ..وانشغلت بالمسرح الصغير ..أجهل كيف أعود إليها الآن بعد سفر بطل المسرحيات ..أجهل كيف أتصرف في وقتي حتى ..نائمة طوال النهار ..وبعد الافطار ..دخلت غرفتي ..جلست أمام الشاشة ..موقع الفيس بوك ..لا يريد أن يفتح لي ..كأنني متسولة تقف على باب بخيل ..وابن عمي يريدني أن أرسل إليه بعض الصور والـ ياهو “بيهنج” ..والصور تعود خائبة دون أن تصل ..أمي غاضبة من شيء لا أعرفه ..صامته ..وأذا تحدثت إنفعلت ..أغلقت باب الغرفة عليّ باحكام..أطفأت النور ..ورفعت صوت السماعات حتى آخرها بصوت يشبه غواية التفاح ..ونمت ..ساعة ..ساعتين ..لا أعرف ..لأنني لا أنظر إلى الساعة إلا من أجل آذان المغرب ..وآذان الفجر…في نومي رأيت أطفال منطقتنا المشردين في مطبخنا ..أنا أعرفهم واحدا واحدا ..بشعرهم الأكرد الواقف فوق رؤوسهم كتيجان لاهمالهم مثل “سوكة العبيطة”..يفتحون الثلاجة ..ويبعثرون رفوف المطبخ ..يخبطون بالملاعق فوق الحلل ..ويوزعون العصير والفاكهة على أنفسهم بـ”بلطجة”..ورغم أنني أستمتع كثيرا في هذه الأجواء ..إلا أنني استيقظت أشعر بالضيق ..واتجهت إلى المطبخ فور أن فتحت عيني أتأكد من ترتيبه ..ثم إلى الشرفة ..أنظر إلى الشارع ..وأبحث عن الأطفال …ولا شيء أريد أن أفعله ..لا أحب المسلسلات ..والنت بطيء هذه الليلة ..شاهدت ثلاثة أفلام في ليلة واحدة ..وهذا العدد أكثر من عدد الأفلام التي شاهدتها في الأجازة كلها ..لأنني لا أحب التلفزيون كثيرا .. أحب الأفلام في السينما فقط ..الغريب أن الثلاثة انتهوا بقبلة وأغنية ..حد انني توقفت في نهاية الثالث لأفكر في نهايات حقيقة لهذه الأفلام ..لأنني أصدق أنجلينا جولي فيلم “مستر آند مسز سميث” حين قالت :”النهايات السعيدة..هي نهايات لقصص لم تنتهي بعد”..فكرت في مصير إغماضة العين لحظة قبلة ..وفي الضحكات المشتركة في ساحة التزلج ..وفي القلوب الصغيرة التي تعلمت للتو كيف تحب ..فكرت : فعلا ..كل هذه بدايات.. وكل النهايات بلا استثناء بدايات لقصص أخرى …وسريعا ما نسيت الأفلام والبدايات والنهايات ..وقفت في الشرفة..أقرب وجهي من شجرة الياسمين ..كأنني أحاول أن أشم الشجرة كلها ..لا زهرة واحدة ..الرائحة تدوخني ..ملأت جيوبي بالياسمين كعادتي كل صباح .. وحاولت عد الزهر المتبقي ..واحد ..اتنين …تلاته …أربعة..لا ..لا ..هذه حسبتها مرة ..من البداية ..واحد …اتنين …تلاته..ووجدت أنني كمن يحاول أن يحصي النجوم ..واكتشفت أن الصعوبة ليست في كثرتها فقط ..ولكن لأنك لا تستطيع أن تعدها كخرز المسبحة ..فتركن ما عددته في جانب ..لم أتوقف أمام شجرة الورد البلدي طويلا ..وبمجرد النظر عرفت أن بها سبع وردات ..دخلت دون ان أوليها أى اهتمام ..مسكت كتاب احاول أن أقرأ قليلا وفشلت لأن “لماذا” في الأسئلة ..تربكني كثيرا ..وتجعل كل الأشياء متمردة على الاكتمال ..فلم أحاول أن أكمل ..وأخذت أقرأ الفقرة ..مرة ..ومرة ..ومرة ..حتى تساءلت لماذا أفعل؟:

(يقول لك الوالد:”أنت عقوق إذا كنت لا تفعل مثلي ” ويقول لك الكاهن:”أنت كافر إذا كنت لا تصلي صلاتي” ..وتقول لك المحكمة:”أنت مجرم إذا كنت لا تتبع شرائعي” فتجيبهم:”لماذا؟” فيقولون لك:”لأن جميع الناس يفعلون ذلك”..فتصرخ متوجعا:”ولكن جميع الناس تعساء ..وأنا أريد أن أكون سعيدا!”..فيقولون لك:”كن مثل جميع الناس لأنك لست أفضل منهم “)

أعيد القراءة …وعرفت اجابة السؤال:”لماذا أفعل” ..لأنني أنا التي كنت أتكلم ..وأنا التي أمليت على الراوي ما كتب ..وأنا التي تعاند وتختلف …وأنا العاصية على كل شيء …وكل ما ارتفع فوق هذا السطر لا يشي بشيء محدد ..فقط ..أشياء مبعثرة ..عن أشخاص ..وأفلام ..وروايات ..ويوميات …وصباحات … لا يلومني أحد إذن إن قمت من مكاني ..ودرت حول نفسي وقطعت الصالة والشرفة ذهابا ومجيئا ..وإن كان من الأفضل ..لو قطعت رأسي ..وانتهيت !

2868908-md


7882306-md


أحـبــك أكـثــــر


غناء : أميمة الخليل

لحن : مارسيل خليفة

شعر : محمود درويش


اللـعـنـة!

إنـهـا الــغــوايــــــــة بـعـينــهـا !

4171749-md

ملأت جيوبي يالياسمين … وتوضأت بالنور !

3099303-lg

– إن سألوني عن الحب ..فلن أجيب !

– إن سألوكِ عن الحب يا صديقتي فتحدثي عن كل الأشياء الجميلة في الكون ..تحدثي عن الفرح والضحك والألوان والمطر و القبل والشيكولاته والزهور والأعياد والأحلام والنجوم وارفعي أصابعك لترسمي بها قوس قزح يميل من السماء على قلبك ..ثم ابتسمي .. واسرحي كثيرا !

وإن سألوكِ عن الحب فتحدثي عن كل الأشياء السيئة في الكون ..تحدثي عن كل الألم على الأرض حين ينسكب في قبضة يد بحجم القلب تماما .. عن طعم الملح في الدموع ..عن الوجوه الشاحبة والجثث المذبوحة في الحكايا..عن الضياع والغربة والموت ..ثم تأوهي .. وابكي كثيرا كثيرا !

 

“إن تمسسكم حسنة تسؤهم وإن تصيبكم سيئة يفرحوا بها وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا إن الله بما يعملون محيط”

الله*

6337950-md

فتحت صفحة word بيضاء تماما  كسحابة  نويت أن أعصرها لتُسقط أربع قطرات مطر لا أكثر بشكل ” غ ـ ي ـ ا ـ ب”..  لمقال من كلمة واحدة..لأن الجفاف هنا يشعرني بالعطش الشديد كـ صيام لا ينهيه أذان .. وتراجعت  !.. أنا التي أتقن الغياب ..كما أتقن نطق اسمي تراجعت .. ربما لأنني أستطيع أن أغيب عن الآخرين دون مبرر ..لكنني اعجز عن أن أغيب عن ذاتي ..تراجعت وأنا أتذكر مارسيل بروست يقول :”لا يمكنِك الذهاب هكذا فجأة ..لا ..هذه طفولة !”..ويبدو أنني نضجت ..وطفولتي مازلت أمارسها فقط مع الآخرين !..! لهذا عندما مشيت قليلا باتجاه الغياب ..رجعت  لأبرر !

أتفادى الكتابة بكل الطرق منذ خمسة أيام  ..” أريد أن أكتب عن كذا … لا الوقت ليس مناسب الآن..سأقرأ هذه القصيدة!” ..”أريد أن أكتب عن كذا …لا ..ليس في حضور عين !” ..” أريد أن أكتب عن كذا ..لا ..سأساعد أمي وهي تصنع الكنافة !” ..”أريد أن أكتب عن كذا ..لا ..سأذهب في مشوار!”..رغم أن تكات الكي بورد لا تتوقف في أذني .. أسمعها وأنا أمشي .. وأنا أشاهد التلفزيون ..وأنا أقطع السلطة .. وأنا احاول النوم ..وأنا أحدق في الوجوه ..أصابع عفريت تنقر في رأسي ..تكتب “أنتِ غبية للغاية ! أنتِ غبية للغاية ! أنتِ غبية للغاية ! أنتِ غبية للغاية ! أنتِ غبية للغاية ! أنتِ غبية للغاية ! أنتِ غبية للغاية ! أنتِ غبية للغاية ! أنتِ غبية للغاية ! أنتِ غبية للغاية ! “

حسنا ..هذا يكفي ! …. سأغلق الصفحة !

M45

منذ اليوم الأخير في شعبان وأنا أريد أن أكتب نص عن رمضان ..كنت أريد أن أفعل لأنها مناسبة عامة ..ويجب ان أكتب فيها ..وربما لهذا لم أكتب ..لأنني نطقت كلمة “يجب” ..وهذه الكلمة لدي تلغي كل الأشياء والخطط التي تأتي بعدها …أكره هذه الكلمة ..أكرهها بالعربية وأكرهها بالانجليزية ..وأكرهها بالفرنسية ..وسأطلب من معلمي في اللغة الأسبانية التي سأشرع في تعلمها الأسبوع القادم بإذن الله ألا يعلمها لي..وسأذهب إليه بالقاموس فور ان أشتريه ..وأقول له:”أرجوك ..اشطبها من هنا”!..ولأن “يجب” جاءت فارضة نفسها نفت الفعل بعدها إلى أقصى منافي الأرض !….وربما كنت أرواغ كي لا أكتب ..ونطقت “يجب” عن عمد ..لأنني أتوه في النصوص الدينية ..أشعر بالعجز وبضآلتي الشديدة أمامها ..أذكر مرة طلب مني شخص أن ندخل معا “موضوع ديني” في أحد المنتديات لنتناقش بردود طويلة ..لأنه كان يعرف أنني أحب جدا هذا الشيء ..فرحت بطلبه ..وبدأ هو ..وجاء دوري ..اختفيت لأكثر من ساعة ..توترت وارتبكت ..ولم أعرف ماذا اكتب ..وجاء ردي رديئا وكرهته جدا ..أنا التي أحب كل حرف أكتبه وأرضى عن كتاباتي بشكل كبير ..ليس لأنني أراها جيدة وتستحق الرضى ..وإنما لأنها آتيه من ذاتي ..ولأنها تنتمي إلي بصورة لا مثيل لها ..وأنا لم أشعر من قبل بشيء كامل ينتمي إليّ..وإن كنت أنا انتميت للكثير من الأشياء التي أرهقتني جدا ..واستنزفتني كـ عدو.!

أنا خائفة ! …خائفة كثيرا !..خائفة من رمضان هذا العام أكثر من أي وقت مضى …رغم أنني كنت سعيدة جدا جدا رمضان الفائت …حتى أنني كتبت آخر ليلة :

“اليوم آخر أيام شهر رمضان..ولا أكاد أصدق…الليلة الماضية رجوت  رمضان أن يتريث قليلا ولا يمضي سريعا كما جاء سريعا ..سرقت حقيبته وأعدت غسل النهارات وكي الليالي كي أعطله قليلا..أردت أن أرتبها من جديد وأخبىء نفسي في طيات ليلة ..كي يرحل بي على غفلة منه بعدما رفض صحبتي..وها قد نجحت في تعطيله.. والجميع يتعجب”كيف للهلال أن يظهر في سماء الشرق والغرب ولا يظهر بينهما؟!”.. ووحدي أعرف السبب ولا أنطق  ..ولأني لم أراقب سفره قبل هذا العام …لا اعرف طقوس رحيله..هل سيقف أمام المرآة يعدل من هندامه..ثم يراجع حقائبه ويفتحها كي يتأكد أنه لم ينس شيئا..وهل سيكشفني فيباغتني بابتسامه خبيثه ..وأنظر إليه نظرات خجلى فيلتقطني ويدفعني برفق خارج أشياؤه ويعدني كما نعد الصغار أنه سيأخذني معه في المرة القادمة..لا أعرف ولكن لساعات قليلة سأكتم أنفاسي فلربما تاه عني.

صدقا سأفتقده كثيرا…سأفتقد صلواتي قبل الفجر كل ليلة مع أمي…سأفتقد بحثنا بعد الفجر في أرجاء المنزل عن كل الوسادات …فنأخذها ونغطي بها أرضية الشرفة كلها …ونرقد فوقها.. أضع رأسي فوق ذراع أمي ونحدق معا في السماء ..نكتشف النجوم ونراقب الليل وهو ييزحف نحو الغرب كغول ثقيل يرهبه النور الآتي من الشرق…

أنا وأمي لنا نجوم تخصنا وحدنا …لا أحد غيرنا يميزها … وعندما أسافر تحت سماوات أخرى ولا أجدها …يحفر الحنين قلبي بملعقة…بقافلة النجوم الباهته التي تصر أمي أنها تأخذ شكل ملعقة وأصر أنا أنها مضرب تنس …أخبرها أنها لاترى باقي استدارة المضرب وأن رمضان والأكل وأدوات المطبخ والملاعق أثرت في نظرتها للأشياء…وتخبرني أني لم أفيق بعد من هزيمتي النكراء في شوط التنس الوحيد الذي لعبته في حياتي…فبت أراه في كل الأشياء….نصمت ونسرح للبعيد وأعود على صوت أمي وهي تقول بفرح: انظري…القمر الروسي ..القمر الروسي..!” أنظر حيث تشير وأرى نجما باهتا يمشي في سرعه وثقة بين النجوم…يعرف طريقه جيدا ..كرجل أعمال يحسب وقته بالثانيه….ماضيا إلى احدى اجتماعاته المهمة…أقول لها “ليس بالضرورة أن يكون القمر الروسي….كل دولة الآن لديها قمر واثنان”..تقطب جبينها وتصر” هذا هو القمر الروسي…كنت أجلس أنا وجدتك نفس جلستي معك وكانت تخبرني بذلك” ..أنا أنفي كونه “الروسي”..وأمي تصر…وأمام اصرارها أضحك وأستسلم ..أقول “بعد 25 عاما ساجلس مع ابنتي أيضا …وسأشير لها وأقول هذا هو القمر الروسي..ستقول ياماما الشارع المجاور أطلق قمرا الشهر الماضي..!” وسأصر.!..تضحك أمي وتعود لتسبيحها وأعود أنا للبعيد…أتراخى داخلي ..ويعود ذلك الاحساس الضبابي مجددا ..أندثر ..وأذوب….أرتفع إلى النجوم…فأضيء في سماء الله….!”

يا ألله ….لماذا أنا خائفة هكذا؟ ..ولماذا لست نجمة كالعام الماضي ؟…انا كوكب؟ ..لا ..أنا قمر؟..لا أيضا …أنا قمر صناعي ؟؟!..لا لا .

أنا حصاة صغيرة في أقصى الأرض تحلم بأن تأمن وترتفع فقط!

أمّني يا ألله..!

3493590-md

أن تجلس وحيدا يعني أنك تفكر في شيء ما ..أو أنك حزين بشكل ما ..أو أنك مللت الكلام لسبب ما ..أو أنك لا تجد من تجالسه لظروف ما …أو لا يعني أي شيء اطلاقا ..فقط أنت تحدق في الفراغ برأس فارغ..وغالبا ما تكون أنت كل الأشياء ولا شيء في نفس اللحظة ..لأنك لا تعرف حد فاصل بين كل المتناقضات في هذا الكون..ولأن هذا العالم يدوخك كأرجوحة ملاهي ..تدور وتدور ..دون أن تميز بداية اللفة من نهايتها ..ودون أن تصل أخيرا لشيء..أن تجلس وحيدا وصامت ..لا يعني أنك بالضرورة تفعل كهذا الشخص الذي يظن أن بجلوسه على هذه الحالة سيلفت أنظار الكثير من النساء ..لأنه رأى أن جاذبيته في صمته ..أما أنت فهذا الأمر من الأمور القليلة التي استطعت أن تصل لقناعة فيها ..لأنك منذ ألف عام تحاول فهم العالم والمشاعر والعلاقات والقلوب وأنت ..وتعجز حتى عن فهم دورة حياة الصرصور..لأن هذه الحياة معقدة جدا ..وانت تصدق تماما مقولة الأديب الروسي “جوجول” الذي أصابه الجنون سنوات قبل وفاته قال:”حياتنا صعبة معقدة ..ومن المستحيل ألا نكون مثل هذه الحياة ..فنحن نولد عقلاء ..ولا نزال نقاوم ونقاوم حتى ننهار مجانين” ..وصاحب هذه العبارة لم يكن مجنونا عندما قالها ..وإنما صار بعد ذلك! ..مايهم الآن أنك استطعت الوصول لشيء ..وأن الصمت والوحدة والابتسامة قد تفلح في ان تجذب نظر امرأة ..ولكن لن يتعدى الأمر ما هو اكثر من هذا ..أما أن تكون “أنت” أمام امرأة ..لا تفكر في أي محاولة للفت نظرها ..فـ “أنت” دون ان تدرى قد تطيح بقلبها تماما .. دون حاجة لأن تتجمل ..أو تبتسم ..أو تصمت ..أو تجلس وحيدا ..لأن قلبها سقط مع ضحكة عالية سقطت منك سهوا..حين تحدثت وتكلمت عن كل الأشياء دون أن ترتب أفكارك جيدا .أو أن تسهر ليلة تفكر فيما ستقوله ..كنت صادقا جدا ..وكان صدقك فاتنا وساحرا وكان الوقت يمضي على طبيعتك بين أحزانك وأفراحك وانتصارتك وانهزاماتك وارتفاعك وسقوطك وضحكك و وجومك وسجائرك ومراقبتك لدوائر الدخان ترتفع ببطء كغبار جنّي خرج من صدرك للتو واختفى … حين أفصحت عن أشياء كثيرة ولم تفصح عن أي شيء وأيقنت هي أنها أمام الرجل البحر ..وأنها مهما روت شاطئها بمياهك فلن ترتوي ..ولن تنتهي ..وأن مدّك سيفاجأها في كل مرة دون أن تعتاد عليه يوما …تعرف أن هذا كله ليس لأنك رجل مميز في أي شيء ..ولكن لانك حين تشق صدرك أمام امرأة فلا يكون أمامها سوى أن تجمع الدم الكثير وتعود به إليك ..حين تحتويها انت تماما فلا يخطر ببالها أن تغادر قلبك يوما ..ولكن معظم الرجال يجهلون كيف يفعلون الأولى والثانية .! ، والآن ..أنت بصحبة وحدتك ..واحتمال أخير ..أن في رأسك تتردد قصيدة قرأتها مرة وتعيد نفسها كأغنية في مشغل الأغاني :

“إنني مرتبك

فساعديني على النسيان

إنني ضجر

فساعديني على البوح

إنني وحيد

فساعديني على القصائد

ساعديني لأخرج من صمتي

اكتبي لي ..اكتبي لي كل شيء

اكتبي لي

ياه

منذ متى لم تمارسي جنون الركض

حافية القدمين والقلب

على رمال البحر وأمواج الكلمات

منذ متى لم تشعلى النار

في أدغال أيامك اليابسة والرتيبة والمتكررة

إلى حيث حقول عباد الشمس والقصائد”

 

 

يتبع_>

 

3138527-lg

ماذا يفعل الناس بأوقاتهم ؟.. وفي أي سوق ينفقون أيامهم؟

تتساءل في ضجر ..دون رغبة حقيقية بان تسمع اجابة ..أنت التي قادتك الدنيا إلى كل الأسواق وصحبتك في كل الدروب  _أو هكذا تظن_..لا تتوقع من الناس اجابة مفيدة ترشدك لدرب تجهله ..لأنك الضائع الذي مشي الكرة الأرضية كلها سيرا على الأحلام..طابعا مقاس حذائه في الشوارع والمقاهي والمطاعم والسينيمات والغرف المستأجرة تاركا حقيبة في كل مطار وميناء لتعود سريعا وتغادر ..تبحث عن الوطن في عينا امرأة عابرة تجلس على طاولة أمامك في كافيتيريا المطار تحتسي كوب من عصير البرتقال وتنتظر شيء لا تعرفه أنت ..لكنك تتمنى ألا يكون رجل ..تتمنى هذا وفي رأسك امرأة اخرى سألتك ذات ليلة :”متى تشعر بالأمان؟” فأجبت:”في حضن أي امرأة !”.. تبرر بلامبالاة :هكذا هم الرجال !..وتميل على شفتيك ابتسامة ساخرة حين تتذكر تحذير “أحلام مستغانمي ” الذي طبعته فوق اصدارها الجديد “نسيان.كم” حين كتبت:“يحظر بيع هذا الكتاب إلى الرجال”...ورغم افلاسك الوشيك في هذا اليوم ..ضحيت بوجبة غداءك..وبجلوسك على المقهى وتسكعك في الشوارع لأيام تالية كي تشتري الكتاب ..كان بإمكانك أن تشتريه وقت آخر ..ولكن الجملة ظهرت أمامك في صورة نساء العالم كلهن يمدن ألسنتهن في وجهك ودائما ما كنت أنت الأكثر عنادا فاشتريته دون أن تأبه بجيبك الذي أخرج هو لسانه الأبيض في وجه كل مشاويرك القادمة…لكنك تعزيت بعدم اضطرارك للخروج في اليومين القادمين لأنك ستنشغل بالقراءة..وحين انتهيت من الكتاب تمتمت “لسنا بهذا السوء !”…ونهضت من مكانك تستبدل ملابسك وترتدي حذائك ..وتغادر ..ومع أول خطوة في الشارع أردفت:”نحن أسوأ !”..كثيرا ما ظلمت نفسك يا أنت …الناس جميعا يفرضون السوء في الآخرين ..ويعلقون أخطاءهم فوق مشجب الغير ..ويشعرون بالظلم عند كل حزن ..أما أنت فتفرض السوء كله فيك ..وتعلق أخطاء الآخرين على مشجبك دون أن تنسى أن تكومها في حقائبك عند كل سفر..ولم تشعر بالظلم يوما ..حتى أنك ضحكت مرة من طبيب نفسي كان يتحدث في التلفزيون ويقول”كل انسان يشعر في داخله بالظلم ..حتى وإن كان ملك”..فهل أنت من تظلم نفسك دون أن تدري..هل أنت جيدا بما يكفي؟…يكفي أنك لم تخدع يوما أى امرأة باسم الحب ..وان كنت عرفت من النساء ألف…ولكن هل خدعتهم بأسماء أخرى ؟…تعرف أن الحب هو الخديعة الكبرى …لكنه ليس الوحيدة ..هو فقط الأعظم !

تجلس لتدخن سيجارة على مهل ..بجوارك “عبد الوهاب” يغني..“جفنه…علم الغزل” ..الأغنية التي تحبها أكثر..تفكر في الموسيقى المكونة من خطوات ..كأنها خطواتك ..وتتساءل هذه المرة بدهشة حقيقية : إلى أين ستأخذك؟..لازلت شابا لكنك كما يقول جاهين:”شاب لكن عمري ألف عام..وحيد وبين ضلوعي زحام” ..فأين ستأخذك الخطوات هذه المرة يا صاحب الألف عام تشرد ؟ حزين ولا تعرف…وتقرر للمرة الأولى في حياتك بأن تفعل شيئا جديدا..هذه الفكرة التي تشغل كل الخلق ..كل الناس تريد أن تفعل شيئا جديدا وغالبا ما تظل هذه الرغبة مجرد رغبة .يكررون قولها وسماعها بين بعض كل صباح ومساء ..فهل أصابتك العدوى كالانفلونزا وغدوت مثلهم ..أنت الذي لم تختلف عنهم قط ..ولم تشابههم يوما ..أصبحت مثلهم !…وحدك تعرف أن الأمر ليس معقدا كما يبدو ..ولكن فلتدع كل هذه الأفكار الآن التي بمجرد أن تأتي واحدة حتى تأتي صديقتها وصديقة صديقتها وصديقة صديقة صديقتها ويغدو الأمر كحساب فتى وسيم يضع صورته في الفيس بوك..المهم أنك تريد الآن أن تفعل شيئا جديدا يقتلع الضجر من جذوره ويلقيه في الشمس ليذبل ويموت فترقص رقصة هندية على جثته دون دم أحمر على وجهك أو نار تدور حولها وتغني ..ودون حاجة للريش حول خصرك أيها الهندي الأحمر ..هل يبدو هذا الفعل شيئا جديدا؟ وإن كان يعيبه فقط أن الضجر شيئا معنويا لا تستطيع قتله ..يمكنك أن تضع رمزا إليه ..ويمكنك أن تنشغل بتفصيلة أخرى هي اختيار شيء كرمز ..ولكن هل ستبدو مجنونا إن عرف الناس حقيقتك كهندي وكأحمر؟…لا يهم ..تستطيع أن تفعل هذا في غرفتك دون أن يعلم أحد ..تستطيع أن تقيم حفل تأبين ضجرك كما يحلو لك حتى لا تكون فضوليا مرة أخرى وتطلق سؤال كـ “ماذا يفعل الناس بأوقاتهم؟”..تعرف انك ستفعل لأنك تنفذ كل ما تفكر به دون أن تهتم بمدى العقل فيه ..وتعرف أن الشهيق العميق الذي تأخذه في هذه اللحظة سببه أنك تنوي أن تزفر الكثير من الأشياء داخلك ..وتعرف أنك ستأتي بعد حين وتغني :“ونشدنا ولم نزل ..حلم الحب والشباب …حلم الزهر والندى …حلم اللهو والشراب !”

يتبع–>

6522727-lg


أريد أن أحصل على ساعه واحدة فقط أو ساعتين من النوم واعجز ,, الساعة الان الخامسة والنصف فجرا ..ضبطت منبهي منذ قليل على السابعة والنصف ..وأغمضت عيني أبحث عن النوم في الظلام حيث يجب أن يكون ..لكني اكتشفت أن _الطفل النوم_ ليس ضائع ..لكنه مخطوف ..وهكذا لن يجدي بحثى عنه مهما حاولت ..فهل عليّ أنا أن أوجه النداء لمن سرق طفلي النوم مني وأرجوه أن يعيده إلىّ في مقابل قرط ذهبي ..لأنني لم ألبس قرط في حياتي ..رغم أن لدي ثلاث ..لكنني أكره الذهب عموما ..والأقراط بصفة خاصة ..وأريد أن اتخلص منهم بأي وسيلة لأن أمي تلح علي أن أرتدي واحدا فالأنوثة كما تقول تكتمل بهذه الأشياء …وأنا راضية عن أنوثتي بهذا الشكل ..ولا أبتغي كمالا  أكثر ، والآن يا عصابة “اللهو الخفي ” ..ياخاطفي “نومي الطفل” …هل تقبلوا أقراطي مكانه؟؟

.اليوم يجب أن يكون يوما مميزا جدا …أنا لا أفرض هذا ..فقط أتمنى من الله لو كان !..لأنه عيد ميلاد غادة ..توأم قلبي..وأنا أريد أن أسعدها بشكل لا مثيل له كما تسعدني هي دائما ..ولا توجد في رأسي الآن خطة معينة …لأنني وضعت أكثر من عشر خطط ..وقمت بأكثر من عشرين مكالمة وبعثت كم من المسجات فشلت في عده ..ولكن لا شيء يتم كما أريد ..لذا سأسلم الأمر لله وأنا أثق في تخطيطه حين يريد الخير كله لنا ..وليس بإمكان أى كائن افساد خطته..كل ما أريده فقط الآن أن أنجح في النوم كي أصبح والحياة تجري في عروقي مجرى الدم ..رغم أن عدم النوم يأتي دائما بنتائج أكثر ايجابية في أيام الخروج و”الفسح”..حين يخلو اليوم من شيء يستدعي التركيز والفهم وتشغييل المخ ..ويكون فقط “التهييس” هو سيد النهار ..فنتكلم بلا تفكيير ..كأن الكلام لا يأتي من منطقة ما في المخ ..ولكن من منطقة أخرى لا تعرف شيئا عن “المفروض ما نقولش كده !” ..فنفصح عن كل ما لا يجب  الافصاح عنه ..ونضحك حين يجب أن نضحك ..ونضحك أيضا حين يجب أن نبكي ..ونضحك أيضا وأيضا حين يجب أن نسكت ..!

لن أنام إذا لأنني أضحك وأنا يجب أن أنام !

من ساعة ..ارتكبت حماقتين كبيرتين عليّ بحجم قميص أبي القديم الذي أرتديه الآن ..وأمي التي تصرخ في كلما رأتني تريدني أن أرتدي شيئا من ملابسي بدلا من هذه الملابس التي لا تعطيني ملامح..وأنا أبحث عن الحرية في كل شيء لأنني مللت العوالم الضيقة ..والأماكن الضيقة ..والشوارع الضيقة ..والغرف الضيقة ..والملابس الضيقة ..أو حتى التي تناسبني تماما ..لأنني أريد البراح ولا أجده إلا في الأشياء التي تتسع علي حيث صفحتي هنا ..”حكاوي القهاوي”..حين أكتب في موضوع وأنتقل إلى آخر دون ان أرتبط بشيء معين أو فكرة محددة تجبرني على الالتزام بها…..وحيث قميص أبي !

حسنا ..حسنا ..أعرف أنني ابتعدت عن الحماقتين التي ذكرتهما  _ليس كثيرا ولكن من يقرأ سيظنني نسيت ما كنت سأقوله_ ..لا.  أنا لم أنسى ..ولكنني كنت أريد أن أراوغ قليلا لأنني ندمت على اعترافي ..وأنا أكره زر المسح للخلف أكثر مما أكره كلمة أتت في غير مكانها ..أو اعتراف ينبغي ألا يأتي ! …ويبدو أن مرحلة التهييس بدأت لأنني كدت أفصح عما لا يجب الافصاح عنه !

أتساءل الآن ..لماذا أكتب في هذه اللحظة ؟…ومن يهمه كل هذه التفاصيل التافهة؟ …ولماذا أسرد كل شيء كمذيعة النشرة حين لا تخفي شيء ؟ ..لا ..لا …أنا كاذبة في الجملة السابقة لأنني أخفي الكثير من الأشياء تحت البلاطة السحرية في هذا الموقع ..حيث لا يستطيع عمال البناء فيه ولا المهندسين ولا مالك الموقع “wordpress” الوصول إليها ..أنا فقط فقط من أعلم مكانها !

“البلاطة السحرية” …لم انطق هذه الكلمة من زمن يتكون من سنوات ,,ونطقتها الآن دون وعي …في صغري كانت تسليني كثيرا ..لأنني كنت أصدق أن البلاطة الأخيرة في زاوية الطرقة في المنزل ..هي البلاطة السحرية ..وأنني إذا وقفت عليها ولم يراني أحد ..ستأخذني وتنزل إلى عالم يشبه الجنة يكمن أسفل المنزل ..عالم مليء بالشيكولاتة التي يمكنني أن آكل منها قناطير دون أن أتعب ودون أن أشبع ودون أن تأتي أمي لتقول ” سنانك هتسوس …كفاية كده !”..عالم يخدمني فيه ولدان مخلدون لهم أجنحة قصيرة تشبه أجنحة الكتكوت “وندي”..سيساعدونني أن أركب “المرجيحة” لأن أبي لا يوجد ليرفعني عليها و قامتي مازالت قصيرة جدا ولا يمكنني أن أركبها وحدي …وحين تطول قامتي ويصبح بإمكاني أن أفعل هذا وحدي …سيكون من المخجل أن أفعل !.. دائما ما بررت عدم نزولي  بالبلاطة بأن شخص ما يراقبني والتعليمات تقتضى ألا يراني أحد ..أو بأن هناك كلمات سحرية عليّ أن اتمتم بها كي تأخذني البلاطة وتنزل فأقف طوال النهار أهمهم بخزعبلات …ولا شيء يحدث ..لم أيأس في يوم أبدا ..كنت أملك من عناد الأطفال ما يجعلني أقف عمرا فوقها !..وهذا يجعلني أتساءل الآن …لماذا مشيت إذا؟؟ …ربما فقط لأنني لم أعد طفلة !……..يااااااااااااااااااااااه …أتذكر الآن كل الساعات التي قضيتها وأنا أتخيل واتخيل هذا العالم القريب جدا على مرمى بلاطة ..والبعيد جدا على مرمي سماء مقلوبة لأسفل ..حين تكون الأرض التي أقف عليها  أعلى !

الليلة الفائتة حدثت لي صدفتين جميلتين جدا …الأولى حين كنت أتمشى مع أختي في شارع محب ..وصادفت شابا وسيما أحببته مرة..وتقاطعت نظراتنا في نصف نظرة لا أعرف كم دامت حقا ..كانت طويلة جدا ..رغم أنه كان يمشي عكسي ..وكان زمن عبورنا أقل من ثانية ..بعدها ابتسمت  ومال في قلبي غصن بشكل شريان .. ومشيت أضحك من الصدفة دون أن أفكر في شيء معين يخصني أو يخصه ..وبعدها ضحكت على ضحكي ..ثم ضحكت على ضحكي من ضحكي ..وكل ما أردته أن اعود سريعا للبيت كي أفتح شاشتي واكتب :”أنا مليئة بالضحك” …لكنني عدت وانشغلت بالخطط الكثيرة التي وضعتها والتي فشلت جميعا ..ونسيت…! وحين تذكرت لم أضحك !

أما الصدفة الثانية ..فلم أتوقف عندها كثيرا لأن السيارة أسرعت ..وكنت مشغولة جدا بالغناء :”أنا مش مبيناله أنا ناوياله على ايه …ساكتة ومستحلفاله ومش قايلاله ساكته ليه !”

مرت ساعة منذ بدأت الكتابة ..ومن يقرأ سيظن أنني أكتب بتواصل لكنني لا أفعل هذا لأنني أكتب كل فقرة ثم أقوم من مكاني ..أتفرج على الهدية قليلا ..وأعود لأواصل ……سعيدة جدا بها ..وأتمنى وأتمنى  لو تعجب غادة …الهدية مجموعة من الصور لها ولنا معا ولبقية الأصدقاء وأشخاص تحبهم ..كنت قد التقطها بكاميرا الموبايل ..بعض الصور حديثة من حوالي اسبوعين ..وبعضها من أكثر من عامين ..طبعتهم في استوديو تصوير واشتريت أمس ألبوم شكله جمبل جدا مرسوم عليه فتيات فاتنات يشبهن أميرات القصور ..في الحقيقة يشبهن أنا وغادة وبقية الأصدقاء ..لا.. في الحقيقة هن نحن فعلا ! …كنت أفكر بأن أكتب في ظهر الصور رسائل قصيرة لها ..وتراجعت عن الفكرة خشية على الصور ..وجدت فكرة أخرى يدي تقارب ذيلها ولم أمسكها تماما بعد !

الساعة تجاوزت السادسة والنصف …سأبحث الآن عن صورة تناسب النص أرفقها به ..ولأنني تخليت عن فكرة النوم تماما.. سألغي منبهي المضبوط على السابعة والنصف.. وسأذهب لأتفرج على الهدية !

user199231_pic16925_1223009889

دعاء،
مشهد أمامي:
أنها أشاحت وجهها باتجاه الحائط، وتبيّن ظلها من خلف شمعة، وأن الفتى الذي يحمل عدّته الفنيّة على كتفه، ويسير بقطرات ألوان تتساقط خلفه، انحنى على ملامحها، ليرسم الرصاص في شكل عينين ممتلئتين بالدهشة..

تلك الألوان واللطخات وضربات الفرشاة وقوس قزح المخبئ في الجيب الصدريّ لرسّام كهل، فقد ذراعيه في حرب عالميّة ماضية، تراءت لي في مشاعر متداخلة مثل أطفال اللوحات الأولى حين لا يتقنون إلا الخربشات،، ويدكِ تكتب من بعد منتصف الليل تلك الملحمات الآلهة، وألواحها الإغريقية، وتشيرين لقيثارة مبللة بين صخور الشاطئ، لأن الحورية سيرين تعزف هناك، وتغمز للبحّارة بكتفها البلور، وفي فمها حبّة لؤلؤ، تمصّها كحلويات الفتيات، بنشوة لاذعة وصوت لولبيّ لأنه يتردد في قوقعة مكانها يدكِ دعاء . .

فهل يشفع لي هذا الدوار من السقوط أمامكِ وقول عبارة: ’’يا ألله، كَمْ تشابكت بالخيوط‘‘، وتعبر أمامي قطّة تتقافز مع كرات الصوف، بذيل ممتشق، ومواء لطيف، للفتيات الهائلات مثلكِ . .


*رد على أحد رسائلي لشخص يسكن نجمة ويسلط نورها على وجهي !

لا أصدق وجوده حقا ! …فهذا كثير كثير حتى على الخيال !

5747422-lg

أعرف أنني سيئة جدا

ولكن _أرجوك_ لا تكرهني يا ألله !

ترقص؟ _ أرقص _ غصب عني _ غصب عني أرقص !

شباك تذاكر الزوار

  • 110,129 hits

محمود درويش:

إذا انحنيت .. انحنى تل وضاعت سماء ولا تعود جديرا بقبلة أو دعـــاء

أحن إلى خبز أمي ..وقهوة أمي ..ولمسة أمي

وأعشق عمري لأني إذا مت أخجل من دمع أمي ..

For connection

doaa.sh3ban@yahoo.com

الراقصين حاليا !

ألحان شاردة !

free counters
تابع

احصل على كل تدوينة جديدة تم توصيلها إلى علبة الوارد لديك.

انضم 50 متابعون آخرين